وحشة البريد

كما أعتدُت في كلِ صَباحٍ، أجمعُ كل أجهزتي الإلكترونية، وأَصُفَّها أمامي، والرابحِ الأكـبر من يَحظى برفقتِي في أول نصفِ ساعة من ذلك، يَقفزُ عقـلي المُثقلِ بالأفكار، مع إبهامي الذي اعتادَ لمس شاشةَ هاتفي، من Whatsapp، حيث الكثير من رسائِلَ الدراسة، والقـليل من رسائِل الرِفقة، إلى Twitter الذي يتقيَأ كمِّ السلبيةِ جرَّاء العاصفة الوبائية Covid 19 ، رغِبتُ للحظة أن أُغلق هاتفِي وأذهب في نُزهة نقاهة، حتى لفت انتباهي صوتٌ مُزعج، إنها رسالة جديدة في البريد الإلكتروني، تذكرت حمامَ الزاجِل، لعلَّه حطَّ في بريدي اليوم، لكنها كانت رسالة إعلانية كسابقتِها، ولأنني ذاتَ عقلٍ لا يهدأ، قُطِعَت نُزهتي، وتصفَّحتُ جميع رسائِلي في البريد، كلها رسائل ترويجية، وإعلانية، ورسمية، أحسستُ بالبريد يستنجِدُ بصاحبه إخراجَه من هذه الوَحشة، بينمَا يجهَلُ صاحبه تنفيذ ذلك، فالمتاهة التي وضعتني فيها كوكبة التكنولوجيا سريعة الحركة والتطور أبطَأت من إنجازي، لَحِقتُ بها حتى أجهدتني، وجَهلتُ طريق الخروج، يبدُو أنني يأست الخلاص منها، لذلك أضاءت في عقلي فكرة تقلب ميزاني في التعاطي مع بريدي الإلكتروني، حينَ كُنّا صغارًا، من منا لم يعبث في هاتفٍ ما، ويتصل على هذا وذاك، كذلك أنا، كنتُ أعبث في هاتفَ المنزل المُخصَّص للطوارئ وطلباتِ السوبرماركت فقط، وأكتب أرقامًا عشوائية للاتصالِ بها، بعضُها يصدفُ معي ويردُ شخصًا ضاحكًا، أو عجوزًا غاضبة، وآخر يرفض المكالمة، وهكـذا.. حتى لاحظ الجميع فاتورة الهاتف العالية، وجُبرت على التوقف عن هذه اللعبة، لمـاذا لا أفعلُ ذات الشيء في البريد؟ ألفتُ إيميلًا وأرسلتُ له رسالة مُلهمة، ونسيتها في الصندوق المُرسَل، وبعد 75 ساعةً، وردت رسالةً جديدة، لم أكن مُتلهفة لأعرف محتواها، توقعتُ أن تكون إعلانية كالمُعتاد، لكنها رسالة تحمل عنوان (شكرًا)، اجتاحني الفضول لأعرف على ماذا أُشكَر، هل على موقعًا جديدًا سجّلتُ فيه، أو على سلة مشتريات دفعتُ ثمنها أخيرًا، قُطع حبلُ تفكيري حين فتحت الرسالة، ذلك البريد العشوائي، وإذا بصاحبه شخصًا أجهل هويته، مُمتنّ لتلك الرسالة التي صبَّت الصبرَ صبًّا على قلبه، ليحتمل غُربته اللامنتهية، وسعيِّه الدؤوب لكسب رزقه من ماءِ جبينه.

هذا ما سيفعله أثرُنا الخفيف كالغيمَة المُمطرة على شخصٍ ما في هذا العالم الفسيح، فالكلمة الطيِّبة صدقة، هذا ما حثَّنا عليه رسولَنا الكريم، ولا تحقِرَنَّ من المعروفِ شيئًا، فالجمـيع يسعى لعملٍ ما، لهدف، ولطموح، حتى طِفلَ المِهاد، وهذا لا يتضاد مع أن الإنسـان وقودَه ذاته، ولكِن الناس أعضَاد بعضها، فاحرص أن يكونَ أثرك في العالم الافتراضي مُبهِجًا للمُتعَب، مُهوِّنًا لليائس، وغامرًا بالفرحِ للسعيد.

أضف تعليق