قوائم الأولويات وعلاقتها بالانتباه!

في ليلةٍ صيفيةٍ باردة على غيرِ العادة، وبعدَ ساعة ونصف من توقف هطول الأمطار على المدينة الصَّاخِبة، توجّهتُ إلى إحدى أمكنتِها التي ظننتُ أنها ستكون هادئة استنادًا على وقت خروجي الذي كان متزامِنًا مع صلاة التراويح، إذ أن المساجِد مُكتظَّة بالمُصلِّين، والتوقيت المِثالي لتجمعاتِ النِّساء في المنازل، وما بين الأطفال ولعب كرة القدم في شوارع الحارة علاقة حُب مَتينة لم تستطع عليها سِياط التكنولوجيا والتحولات الرقمية العنيفة، لقد كانت وجهتي إلى مُنتزه الحي السكني الذي أعيشُ به مؤقتًا، لقد تغيَّر كثيرًا عن آخِرِ مرة أتيتُ إليه، ازدادَ الاهتمام بأرضِهِ وخُضرتِه، رُغم أنني فقدت المقعدِ المُفضَّل نظرًا لعملياتِ التطوير، إلا أنني لم أحزن، ربما لأنني أتيتُ للمشي وليس الجلوس، تمسكتُ بيد عقلي وقدرتي على الإدراك والانتباه، كأمٍ تحكُم قبضتها على كفِّ طفلها المُشاكِس وتوجهه حيث تراه آمنًا له، فقد كان في مُحيط المنتزه الكثير من المُلفتات للانتباه، عطفًا على السَّماعة التي تطنُّ بصوت هاتفي وإشعاراته في أُذني بلا رحمة لحالة الاسترخاء التي أسعى للوصولِ إليها، ورغم كل هذا الضَجيج، تذكرت اقتباسًا لتوني روبنز: “حيثُ يذهب انتباهك تتدفق طاقتك”، فإن أعرتُ انتباهي لهاتفي فلن أنتهي منهُ، وإن خضعت ووجّهته إلى كل ما يدور في مُحيط المنتزه فلن أجني إلا الكثير من الفوضى، فمتى ما ذهب انتباهي بعيدًا عني، ستلحقه طاقتي لا محالة، وسأغرق في مياهِ التشتت والإجهاد النفسي والذهني والجسدي أيضًا، وفي بحثٍ عميق، استنتجتُ أن قوائم الأولويات هي الوقود الفعلي للانتباه، وبعد مرور ثمانية أشهر من الحياة المُنظَّمة، وقوائِم “الأهم فالمهم”، أقررت بجمالية أن يكون ليومك قيمة ومعنى يُساندان الحاجة الغريزية للإنجاز والتطوير المهني أو الثقافي ونحوه، فتلك اللافتات التي تُشجِّع على الالتزام بالقوائم وكتابة المهام بشكل مستمر ودوري لم تكن بلا هدف أو فائدة، بل إن لتدوين المهام اليومية والأسبوعية والشهرية وقوائم الأهداف وتنقيحها بين فترةٍ وأخرى عوائد مهمة وثمينة في تنظيم انتباه الفرد وبالتالي ينعكس على إنتاجيته في حياته الشخصية والمهنية والاجتماعية، بل والدراسية، ولم أعد إيجاد مبرر مقنع لكل من يُقلِّل من شأن هذه الخطوة، وهذا ما أنا بصدد ذكره دائمًا، وللتدوين وإعداد قوائم المهمات وتحديد الأولويات الفضل في الكفاءة الذهنية التي أشعر بها الآن، ولو كانت بشكلٍ نسبي، إلا أنها شكّلت فارقًا في جوانب حياتي، فلم يعد هناك صِراع ذهني وسطوة تسويفية على نمط يومي، وتلك القوائم هي ما ساهمت معي في فصل الجانب المهني عن الشخصي لدي، فأصبحتُ استطيع إيجاد وقتٍ كافٍ لكلاهما دون أن أهضم حق أحدهما على الآخر، أيضًا هناك مُتسع كبير للجلوس مع عائلتي وممارسة الطقوس المنزلية برفقتهم وارتشافِ قهوة العروبة والأصالة، القهوة العربية مع كِبار السنِ في العائلة، فامتطاء المبررات الواهية لن تجلب إلا المخاطر النفسية والضغوط الهائلة، والتسويف من الطرق الذي لا تنتهي إلا بأزمة، فلا تتخذه رفيقًا رحمةً بك، وبانتباهك، ولا شك بأن سحب النفس خارج منطقة الراحة فيه من الصعوبة مالا يُقاس ولا يُحكى، ولن ينجح به إلإ قلةٍ مُتقنة لأساليب التحكم في الذات، فإنني أعد منطقة الراحة إحدى الثقوب التي تُقيّدنا وتُبعثر رؤيتنا صوبَ أهدافنا، ففيها استقرارًا نفسيًا نُصبح في مُحيطها آمنين مُطمئنين بلا مغامراتٍ، ولا دروسٍ، ولا أُفقٍ جديد، وهذا الذي يُغرينا للبقاء بين حدودها، خوفًا من الفشل، وطمعًا في المحافظة على الروتين من أي ، ندوبٍ، إلا أنها تُبطء من نجاحاتنا، وفق تجربتي الشخصية بالتأكيد، فكم سلبتني منطقة الراحة الكثير من الفرص المهنية ونحوه، وكم قيَّدت خطواتي نحوَ أهدافي التي تكالبت عليها السنين بلا رحمة، وأصبحَ إيقاظها صعبًا ويتطلب نفسًا طويلًا، أيضًا من تلك الثقوب: الكسل والتسويف والإنكار، أعتبرهما وجهان لعُملة واحدة، وأحبذ تصويرهما بطريقين حافِلَينِ بالإغراءات، ويجتمعان في نقطة نهاية سوداء، في زاويتها مسكن مهجور لن تجد فيه إلا بقايا طموحٍ وأهدافٍ، وعبارات جلد الذاتِ والتوبيخ ندمًا على ما مضى، وعندما تُنكر أنه قد حان الوقت لوقفة حازمة تجاه ترنح ذاتك على خيطٍ نحيف من المُشتتات والمُغريات بحثًا عن التوازن الوهمي بين الترفيه عن النفس والعمل والاجتهاد، راكضًا ومُتبينًا لافتة (الدنيا قصيرة) بلا عملٍ أو جهد أو رغبة في انحراف المسار لوجهة تليق بالإنسان المكرم بالعقل والعمل، ومُستخلف في الأرض لعمارتها ، وتستمر في الإنكار وإطفاء الإضاءة التي لو قد أعرتها انتباهًا لأنارت لك طريقًا حافلًا بالإنجازات، وإصمات الطفل المتعطش للنجاح في داخلك، إن كل هذا جانبًا مظلمًا من الأمان المزيف الذي قد تشعر به تجاه مداركك الذهنية وأولوياتك بمصفوفة ركيكة، ففي وسط كل هذه المشتتات ووسائل الترفيه المُغرية، تتسوَّل النفس من الانتباه وقتٍ مُستقطع لتُزاحم صحتك الذهنية بالأمور والأشياء الفائضة وتحشوها بالتوافه، ويجدر التنبيه أنني لا أطلب ولا أشجع على تكليف النفس بما هو فوق طاقتها، ولكن لا نسعى لأن نكون مِمَّن ينجح باختلاق الأعذار وتشييد الشمَّاعات التي تلامس السماء بمبررات لا منطق لها، فالوقت لم يكن يومًا عائقًا أمام الناجحين، أيضًا التباهي بالجهل ليس من الدينِ، وكما أن من حق النفس علينا الترفيه عنها وعدم الضغط عليها، كذلك من حقها علينا العمل والاجتهاد.

فالذي لا يستطيع مُجابهة هوى نفسه سيُصبح إنجازه بطيئًا، أو يهجره، وهذا ما أُحاول الوصول إليه حد الكمال، أن أواجه نفسي وأنتزعُ منها سطوتها العنيفة علي، فهذه إحدى بنود التحكم في الذات.

أضف تعليق