سلسلة العمل الحر – التمهيد

في الفترة الماضية، أي قبل ما يُقارِب الأربع سنوات، لم يكن للعملِ الحُر صدًا واسع وأهمية كما هو الآن، ولم تكن ثقافة الجَمع بين الدراسة والوظيفة، أو الوظيفة والتجارة منتشرة بين الطلبة والموظفين، إذ أنه كانت الصورة السائِدة أن تحصِر جهدك في مجالٍ واحد حتى تنتهي منه ومن ثمَّ تستأنِف رحلتك في مجالٍ آخر، بمعايير وتصورات جديدة ومُختلفة كُليًا، إلى أن بدأت هذه النظريات والثقافات المُجتمعية في الاندثار شيئًا فشيئًا بواسطة نسبة ليست بالقليلة من الطلبة والموظفين، وفي هذه الزاوية سوفَ استهدِف فئة الطلاب خاصة، لسبَبين؛ أولًا، لأنني طالبة، وأُمارِس عملي الحر والمُستقِل في ذات الوقت، وثانيًا؛ كوننا الفِئة التي يُسلِّط عليها المجتمع والوطن طاقاتهم التشجيعية ويُعوِّلا عليها الوعي والكفاءة لتحقيق سُبل النهضة، وفي ذَلِك مسؤولية ليست بالهيِّنة.

لم تكن خطوة ممارسة العَمل الحر مع الدراسة فى آنٍ واحد مدروسة بالنسبة لي، ولم تُكُن هناك أيّ أسباب مادية، فقد كانت خطوة ارتجالية أشبه بالتجربة، أنفث بها نمط تعليم ذاتي جديد على محصولي الأكاديمي والثقافي، وأُخفِّف من سطوة الفراغ ما بعَد الساعات الدراسية، نعم، واجهت صعوباتٍ كثيرة وطالت إلى تحصيلي الدراسي، وتحطَّمت معنوياتي، ورُغم الرفضِ المُستمِر الذي لاقيته في البداية، والاستبعاد من الترشيح، إلا أنني بقيتُ متمسِّكة بمبدأ واحد وقوي، (لن أبحث عن الكمال، يكفي أن أعمل بجديَّة وإتقان)، باستحضار: “إن الله يحب إذا عَمِلَ أحدكم عملًا، أن يُتقنه”.

وفي بداية كل الأمور، إن لَم تستطِع إِمساكِ زمامَ أمورك الدراسية والعملية وإيجادِ محطة توازن بينهمَا، فلا تُقدِم على الأمر، فمسألة أن تخسَر أحدهما مقابل الآخر غير مستحقة للعناء، وليست في نطاقِ نُصحٍ قط.

إنَّ العمل الحر مُتشعِّب المجالات، وغني بالمهارات والعوائد المُثمرة في رحلة صقل الطلاب لشخصياتِهم ومبادئهم، وفتحت الأسواق الوظيفية أبوابها على مصراعيها لمن يريد ذلك حقًا، وتوفير المنصات التي تتمتع بالكفاءة والمرونة لتواكِب التطلعات، فبداياتي كانت عبر منصة مُستقل الغنيَّة عن التعريف، منصة مميزة ضِمن مظلة حسوب، ويقصدها الملايين في الوطن العربي لإنجاز مشاريعهم والبحث عن مُستقلين لتوظيفِهم وفق بنود ووثائِق واضحة واحترافية تكفل حقوق الطرفين في العملية التي تتميَّز بأنها تتم (عن بُعد)، وهذا ما أصبح يُفضله الكثير إزاء الجائحة الصحية كورونا، وإكساب المزيد من الوقت وعناءات التنقل، ولا يُخفى بأن التجارة الإلكترونية إحدى صور العمل الحر والتي أصبحت مُبسَّطة أكثر مِمَّا سبق، فالرسَّام يستطيع الإستفادة من هذه النافذة لبيعِ لوحاته والتعاون مع العملاء حول العالم، كذلك الكاتب، والمُترجم، والمُصمِّم، والمُبرمج ومُطوِّر المواقع والتطبيقات..وغيرهم الكثير من المِهَن الإبداعية واليدوية، وهذا ما أُشجِّع عليه دائمًا، فإن لم تكن تنوي إطلاق عملك الحر مباشرةً، يكفي أن تتعلَّم في هذا المجال، بالإضافة إلى أن العمل الحر يتطلَّب أن تَسأل قبل أن تبدأ، تستجمِع جميع مواردك قبل أن تُنفِّذ، فيُمنع فيه كثرة الضجر من الملاحظات والأسئِلة التي يطرحها الطرفين على بعضهم، فالعميل يُريد أن يُنجَز مشروعه وِفقَ استراتيجيته الخاصة والتي تتوافق مع علامته التجارية، فحقٌ عليك أن تُنصِت له، كذلك المُستقل يجِب أن يُناقِش ويَقترِح، وأن يَصِل إلى نقطة إلتقاء مع توجهات العميل بشأنِ المشروع، وألا يتخذ مواقِفًا عدائِية وهجومية ضد العميل على فكرته، فالإنصات والمحاورة والاحترام هي لَبنة الأساس بين الطرفين لمواصلة إنجاح المشروع.

وهذه التدوينة سوف تتشكَّل وتمتد عبر سلسلة من المواضيع اللاحقة التي سأتحدث خلالها عن تجربة البداية، وأهم النصائِح التي ساعدتني في مجال العمل الحر، والمزيد من الجوانب الإثرائية.

أضف تعليق