حقيقة منسية – نقد مؤلفات (كيف) المتبوعة بمدة زمنية

قبل أيام توجهت إلى قرطاسية الحي التي تُوفِّر رفوفًا شاهقة بتصنيفاتٍ كثيرة، وجذبتني محادثة شيِّقة بين فتاتين حول جودة المؤلفات المعروضة، وأُصدقكم القول أنني ولأول مرة أمنع نفسي من التدخل في أي حديثٍ ترمي أطرافه إلى الكتب والقراءة والتوصيَات، وفي عُمق تلك المحادثة كانت إحداهنَّ تحاول التأثير في رأيّ الأخرى بكتابٍ ما، وتصر عليها بـ “لا يخدعك عنوانه، لا تشتريه”، وإن تحدثت شخصيًا عن كم الكتب التي خدعتني عناوينها وعن النتيجة المتمثلة في الندم والاستصغار من هذا القرار فلن أنتهي، أعادت الفتاة الكتاب إلى موضعه على الرف بتردد يُشابه ذلك الندم فيّ، وبنظرة خاطفة استطعت تمييز اسمه، وبضحكةِ انتصارٍ من وراءِ الكمامة خرجت، كانت أول كلمة في عنوانه (كيف) وآخره مدة زمنية يُزعم أنها كافية لتحقيق المَنالِ، والمُستفز أنها عشرُ دقائق! كيف يُمكن أن أُصبح/ أنجح/ أُطوِّر/ أُغيِّر في هذه المدة فقط؟ ، وهذا مُختلف كليًا عن الإنجاز بمعناه الحرفي.

في الحقيقة إن الخروج بعنوانٍ لافتٍ ومُغري للاقتناء مهمة صعبة تفوق صعوبة تأليفِ المحتوى، وأنه بذاته قادرًا على تحطيم جميع مميزات المحتوى ودفعه للهاوية، حتى وإن كان ثريًا ومُفيدًا وناجحًا وصانعًا للتغيير، ولإثبات أنني لست الوحيدة التي تُستفز من عنوانٍ أو تنظر بهذه النظرة إلى مؤلفات (كيف) المتبوعة بمدة زمنية سألت زميلةً عن رأيها، فانهمر على تذوقي القرائي الاطمئنان والأمان حينَ أجابت أن تلك العناوين تنتشلُ الأرق من مواطنه وتضعه في رؤوسنا، مُشيرة إلى أنها ضحية كتاب يُعلِّم كيف تُصبح قائدًا مُحترفًا في عشرِ دقائق، وتوجب علي الاحتفال بهذا الوصفِ العميق والحقيقي، لأنني شعرت بذات الشعور حين كنت اقتني مثل هذه المؤلفات، وأغوص في صفحاتها بينما عقلي لا زال مُتوقف عند الغلاف يُحدِّق بوظائفه إلى ذلك العنوان، وبينما أُحفِّز جلبهِ للصفحة الحادية عشر هو هناك يُجدِّف عكس التيار وقد أعياه التعب، إلى أن تحكم اليد قبضتها فتُغلق هذا الكتاب، فلا يظن كاتب هذا العنوان أن القارئ مُستمتع، أنه يُصارع للنجاة.

وفي ذات السِّياق؛ كان هناك ورشة عمل افتراضية تحت أُطر اكتساب العادات والمهارات، وقد أُقيمت بإشرافٍ تام من قِبل رئاسة قسم الأنشطة الصَّيفية، ولا أخفي أنها كانت كالضَّمير الذي يُثير فوضى مُتداخلة مع ذاتك، لشدة ما كان شحذها للهمم مُفرطًا، والمعروف أن كل أمر يزداد عن حدوده، ينقلب ضدنا، لذلك كنت أراها كالعِقاب، تناولت الورشة محاورًا عدة أبرزها: كيف أتعلّم أي مهارة أريدها خلال عشرين ساعةٍ فقط؟ آلمني أن ما أهرب منه بالمكتبات قد انتقل إلى ورش العمل والدورات التدريبية، وتحدٍ جديد لإثبات أن المهارات والعادات وكل ما يَزعمون لا يمكن تحديدها بتوقيتٍ معين، عشر دقائق، عشر ساعاتٍ، واحد وعشرين يومًا، كل هذه التحديدات تخلق ضغط هائل على المُستمع والقارئ والجاد في التعلُّم، وقد تكون منفرة إن لم يكن واعيًا للحد الذي يعرف أن لا شيء منوط بالتوقيت أو عدد الأيام أبدًا، إنما بالالتزام، وهذه الحقيقة المنسية دائمًا من النصائح والمحاضرات، كل شيء يرتبط بشكل أو بآخر برغبة مُلحّة للعمل، وبدون الالتزام لن تنجح بعادة ولا بمهارة ولا بقيادة ولا بأي شيءٍ آخر.

وهنا وجه ثالث للإثبات بمحض تجربةٍ شخصية، عندما أنشأت مدونتي السابقة في العام 2017م، لم أكتب فيها سوى مقالًا واحدًا لا يتجاوز الـ300 حرف، يوجد حب للكتابة والمواضيع والأفكار وميادين التجربة، والأكبر أنه هناك قرار للبدء في التدوين، كل ذلك متوفر بحقيبتي، لكنني فقدت عنصرًا مهمًا ووقودًا حقيقيًا يستظل كل ما سبق تحت قدرته، الالتزام، لم أكن مُلتزمة وجديَّة بشأن المدونة، ولم أُحوِّل كل تلك الأفكار لخدمة المدونة، أيضًا كنت مِمَن يسعون لإدخال التمارين الرياضية لأسلوب حياتهم، وعلى مدار سنتين ونصف، شحذت همتي ورتبت مكاني وتكلّفت بعدتي وصدقت مقولة “21 يوم تكفيك لبناء العادة”، وتدربت وحالما أنهيت الواحد وعشرين يومًا، انتهت معها التمارين الرياضية، وهُجرَ المكان -مع كامل أسفي-، وهنا ألومُ نفسي لأنني لم التزم إلا بعدد تلك الأيام، وأنني فتحت مجالًا لعقلي الباطني أن يُنفذ القرار في هذه المدة فقط، وفي العودة لكل ذلك المحتوى الناقص من أهم مورد، أيقنت أنني أبغضُ كل كيفية تخلو من بند الالتزام، وأن كل ما استهلّ بـ (كيف)، سيُهدم سريعًا، وأننا بدون الالتزام لن نصنع ولن نُنجز ولن نتطوّر ولن نتعلم أبدًا.

أضف تعليق