رحلةُ يوم..

في منتصف طريق سفرٍ تكرهه.. في رحلةٍ سريعة، وحدك من كنت بطيء! 

لا تود الوصول، ولكن تُريد لعينيك أن ترى كل ما يُحاك ضدّها، هناك ما يتّصل بين القلب والعين، وإن اختلفا بالرغبة إلا أن كلاهما يعتمد على الآخر للحصول على الحقيقة، لم تنجح في معانقة أحد خلال هذه الرحلة، تشعر أنّ هذا القرب سيهز صلابتك، وهناك غضب للتوّ وجد نافذة نور كنت تُحاول حجبها عنه لسنينٍ طويلة، نجحت بالطبع، ولكن ما هي الزلّة التي ارتكبتها ليخرج كل شيء من تحت سيطرتك؟ ما السّذاجة التي جعلتك مقيد إلى هذا الحد؟ ما لك لا تجد فيك ما يستحق ايقاف هذه الحرقة المالحة؟

دقيقة.. 

هناك همس، وهناك كفّ أحكمت قبضتها على ذلك الهمس، ولكن.. بعد نصف يوم سقطت قبضتها بين ركام الصّراخ، وكأن هذا المشهد الأسطوري الذي جسّد القوة والكتمان لم يحدث قط!

كل شيء على ما يرام، هذا ما عُدت وأنت تحمله، أيضًا عدت بمقدارٍ شاسع من لوم النفس.. على ما بدر منك وما لم يبدر منك، تشعر وكأنك محكوم بالاعتذار للعالم كله، حتّى علبة المياه التي تركتها وحيدة وفارغة على الطاولة فجرًا أنت مضطر لها بالاعتذار، وللدفتر الذي حملته معك لكل مكان ولم تأخذه لهذه الوجهة.. أنت آسف، تحمل في داخلك أسف لا ينتهي.

عندما يتعرّض الإنسان للاتهام على أمورٍ كثيرة ولفتراتٍ طويلة تُسلب منه عباءة التمييز والاطمئنان تجاه كل شيء، يُتهم، ويُتهم، ويُتهم، وتتواصل الاتهامات، فيظن أنه مُدان يحمل ورقة رابحة وحيدة وهي التبرير، يظن أن بملاطفة الموقف وتهدئته وإطلاق سيل من التوضيحات سيتحرر من هذه الوسمة، ولكن لا يتحرر، بل تزداد سهام اللوم الموجهة إليه حدّة، فيجد نفسه خال الوفاض من كل امتيازات البراءة، يسأل نفسه الكثير من الأسئلة، يبحث عن الأجوبة.. لا شيء! 

توقّفه عن التوضيح يجعل التهمة على بُعد خطوتين عنّه، فتلبسه.. ماذا عساه يفعل؟

أن يُدّفّعك توقّفك عن التوضيح أثمان غالية، كالعائلة، بينما تكون أنت مِمَّن يقدسون العائلة، إذن أنت بت نصف لا شيء!

فيمرّ عابر، تُسكنه أو يُسكنك.. المهم أنّ أحدكما شرع الباب للآخر، فتنظر في عينيه لائحة أمان، يهرعْ قلبك وتحبّه، وتبقى مطمئنًا أنه يحبّك، تقدّم له الوصل والمكانة والوداد وتتنازل، تراه يصدّقك، تتماسك وأنت تكشف مخاوفك له، تظنّه النور، بينما هو يستعدّ لإطفائك، تظنّه اليقين، وهو كل الريبة، وبحوارٍ يتيم تتحطّم التوقعات فوق رأسك، تكشف أنّك وحدك من كنت تبني، ووحدك من تزرع، وتسقي، ووحدك من كنتَ تضحك، والآن وحدك تبكي! أنت الآن خسرت نصفك الباقي، وبت لا شيء كاملًا..

فتعاد الكرّة.. وتجد نفسك تلوم مجددًا، وتعود بأضعاف الإدانة، تُكلّم نفسك، هناك معترك كان طوق نجاتك فيما مضى، هناك أكوام من الصفحات التي تُريد منك حفظ آخر ما تبقى من تركيزك وقدرتك العقلية لتحفرها داخل رأسك، ثم تسكبها على ورقة امتحان!

 ثمّ تستلقي.. كمظلوم سكنت كبده النار!

تستلقي.. كالذي لا يودّ الاحساس بأشعةٍ تداعب وجهه في الصّباح!

كالذي يُصبح باردًا..

مخرج؛ الألم يجعلك تتكلّم وكأنّك لست بطل القصّة..

أضف تعليق