الثالثة فجرًا، كنتُ قد انتظمت بالنوم المبكّر ليلًا لشهرين متتاليَين، ولكن بعد الوعكة الصحيّة التي مررتُ بها اهتزّ هذا النظام قليلًا، فأصبح نوم الليل قلّة، أعتـقد أن هناك مغزى وراء تضاءل معدلات النوم الصحيّة -الليلية- مع الأمراض والوعكات الصحيّة، لا أعرف، قرأت مرّة أن مناعة الإنسان تعمل أكثر في الليل، ربّما خُرافة طبيّة أخرى.. لا علينا، قبل أسبوعَين خضعت لعملية جراحية مُباغتة، إذ أنني استعجلت الذهاب إلى المشفى بعدما أُصبت بألآم غير محتملة في البطن وصداعٍ فضيع، أعرفْ سبب الصّداع، وشرحته لطبيب الطوارئ، وبرّرت أنني أحتاج مسكّنٍ فقط ثمّ سأعود لمنزلي وأُكمِلُ مذاكرتي، ولكنّه رفض ذلك، قال أن الكشف الأوّلي يُشير إلى خطورةٍ ما، وأنّه بحاجة لتحاليلٍ أكثر حتّى يتأكد أن خروجي لن يُؤثر على حياتي، يا لإنسانيّة الأطباء.. لطالما حلمتُ بأن أكون طبيبة، ولكن شاء القدر أن أكون في ميدانِ المحاسبةٍ المُزدهر بالرياضيات والاقتصاد والقيودِ والقوائم، لغة المال العظيمة التي أحببتها.
في مثل هذه السّاعة من يوم الجُمعة الرّابع من ذو القعدة، أخبرني الطبيب أنه بات متأكدًا من حاجتي لعملية جراحية وأنّني مُجبرة على التوقيع على أوراق التنويم، عارضت بالطبع، لم يكن على كاهلي إلا امتحَانيْن في الجامعة، سأخرْج، لكنّه أخافني بكل تلك المضاعفات التي قد تنتج إن تأخرت بالخضوع للعمليّة، فخضعت بتردد، وطلب مني الاتّصال على أحد معارفي ليأتي ويُكمل تعبئة أوراق العمليّة، قلتُ له أنني سأفعل ذلك بنفسي، لا أحد معي ليحلّ مكاني في هذه الخطوة، جئتُ للمشفى لوحدي، وسأخضعُ للعمليةِ وأخرج إن أراد الله ذلك دون أن يكونَ هناك من ينتظرني، وربّما أخرجُ أيضًا لمنزلي بلا أحد.. صمتَ قليلًا ثم قال: أنتِ فتاة قويّة.
في ظهيرة يوم الجمعة، تم نقلي لمكانٍ باردٍ جدًا، كالثلج، غرفة العمليات.. كانت أخصائية التخدير تُملي علي بكل ما سيفعله الطاقم، ابتسمتُ وغفيت لا إراديًا، كانت آخر جملةٍ أسمعها: (?Why she smile) وهذا سؤال وتعجّب الممرضة لزميلتها.. لماذا كنتُ ابتسم أنا بينما التخدير الكامل يلعب مفعوله؟
استيقظتُ بعد ساعتين في غرفةٍ مختلفة، أقلّ برودة، مليئة بالضّجيج، شبه خالية من الأجهزة الطبيّة، ويدّي مغطاة بالإبر وآثارها، واشعر بالألمِ في بطني، مكان العملية.. أرى ومضات هاتفي، أُريد الإجابة، ولكن لم أستطع، طلبتُ شخصًا باسمه والحمد لله أنّه سُمح لي برؤيته، أعتقدْ أنني لن أكون قويّة بما يكفي لمجاراة الألم لولا اتكائي على كتفه، كانت هذه المرّة الثانية التي ينامُ فيها في مواقف المشفى الخارجيّة، لم يتركني لاسيما في هذه الحالات الصّعبة التي تُختبر فيها قدرتي الصحيّة، لطالما وجدتُه في السّراء والضّراء، مؤنِسُ روحي وأحبّه جدًا، وأدركتُ أن هناك من ينتظرني، ولستُ بلا أحد كما كنتُ أعتقد.
في اليوم التالي أخبرني الطبيب أنه يتوجّب علي محاولة المشي ولو لخمس دقائق، أُحبّ رياضة المشي، كنتُ دائمًا أمارسها وأُحفّز عليها، وأُعالج فيها شتات تركيزي والترويح عن نفسي، لكنْ في ذلك اليوم لم أرغب بالمشي أبدًا، مُتعبة كثيرًا، ليس جسديًا فقط، إنّما أشعر بالتّعبِ في داخلي، كنتُ قلقة وقليلة النوم قبل الدخول للمشفى بفترةٍ يصعب تقديرها، من أمورٍ كثيرة في حاضريْ ومستقبلي ودراستي ومهنتي وأخرى شخصيّة، عُرفتْ بأنني إنسانة تصنع من الأمور تفاصيلٍ مُقلقة، ولا أحبذ الكشف عمّا وقع بي في ذلك، ولكن الآن أسعى للتخلّص منها شيئًا فشيئًا، بل إنني قد تخلّصتُ من بعضها، كنتُ فقط أُريد الذهابَ في نومٍ عميق كذلك النوم الذي قطعني عن العالم في تلك الغرفة الباردة، غرفة العمليات. وعدم تذكّر أشياء معيّنة.. هل تعرفون أنني لا أذكر من تفاصيل الأيّام إلا تلك التي سبقت العملية بساعاتٍ قليلة، أجد صعوبة في تذكّر ماذا كنتُ أفعل في نهار الخميس، ومن الذي نقلني إلى المشفى؟ كانت هناك صور التقطتها وأنا في انتظار الطوارئ، هذا أقصى ما يُمكنني تذكّره.
كانَ هناك فتاة تُرافق مع والدتها، يفصل بيننا ستارة، ولكن يصلُ إليها مُناداتي للممرضات وحاجتي للمسكّنات، كانت تأتيني بين الحينِ والآخر لتسألني إن كنتُ بحاجة لشيء.. كنتُ أرى في عينيها حب الخير والمساعدة. بعدما ألحّ الطبيب علي بالمشي جاءت هيَ وطلبت منّي أن أسمح لها بمساعدتي على المشي قليلًا في ساحات المشفى، وافقتْ ومسكت بيدّي وساعدتني في المشي ذهابًا وإيابًا بلا كللٍ ولا ملل، هذه اليّد الثانية التي تمسّكت بي أثناء وعكتي هذه، وسأبقى ممتنة لها دائمًا.

بعدما منّ الله علي بالصحة والعافية وأصبحت في نظر الطبيب فتاةٍ قويّة فعلًا، أكملتُ أوراق الخروج، حيث المنزل، ذلك الصّغير الذي أحبّ كل زواياهُ وممرّاته، وغرفتي التي شهد كل ركنٍ فيها على معركةٍ نازلتُها، الآن أنا بين عائلتي، في فترةِ نقاهة ما بعد العلاج، أُمارس حياتي بامتنانٍ أكبر، وبعطاءٍ أكثر حذرٍ، وبتصفيةٍ كان من الأجدى القيام بها منذ وقتٍ طويل، وبنظرةٍ أكثر صفاءً، علّمني هذا المعترك ماهية كل شيء كنت أفعله، ولما فعلته، وكيف سأفعله مستقبلًا، وما الذي يستحق أن أحافظ عليه، وما الذي لا يستحق، وكأنّني كبرتُ لفتاةٍ معطاءة بحذر، ومنظّمة في كل شيء، حتى في مشاعرها.
وصلتني هذه الباقة من تلك الصديقة التي جاءت بها صفوف الابتدائية، لتكون بجواري في كل مراحل حياتي، شهدنا سويًا تقلّبنا على قيد الحياة، من مقاعد الدراسةِ حتى أعتاب الوظيفة، ومن العزوبيّة حتى الزواج، ومن ذلك حتّى الأمومةِ، كل ما مررنا بهِ لم يُغيّر في قلوبنا لبعضنا شيء، هي الصّديقة التي صارت بمنزلة الأُخت وأعمق، بيني وبينها مسافاتٍ طويلة، مدنٍ وشوارع، ولكنّها وصلت إلي بباقةِ وردٍ لامست قلبي، أحب الورد، ولكن كانَ منها مختلفًا، له وقعه الخاص الذي دفعني للاحتفاظِ بكل غصنٍ فيها حتى وإن مات، فلنّ أتخلّى عنه ما دام بي حياة، أودّ الاحتفاظ بها في قلبي، أصدقائي هُم من وقف معي، عائلتي الآن تحتضنني، لستُ وحيدة كما كنتُ أعتقد، أُدرك الآن أكثر من أي وقتٍ مضى أن هُناك من كانوا معي دائمًا لكنني لم أكن أراهم كما ينبغي.

شكرًا من القلب لمن أثبتْ لي أن العائلة أولًا، والصّديق وقت الضّيق، ومن يُحبّك حقًا لن يردّه عنك شيء ولو شُيّد بينكما ألف حاجز.
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه.


