أثناء الاختبار النهائي..

السّاعة العاشرة والنصف صباحًا، مبنى المحاضرات الفرعي

بدأ الجميع في تنظيم المقاعد، ثمَّ..

سكون تامْ!

بعد مضي نصف ساعة جاء صوت مرتعد من مكانٍ قريب ليُزعزع طمأنينة كل من في المبنى، ليرتفع بعد ذلك فيتحوَّل إلى بكاءٍ وشهقات تفطر القلب، زميلة تمرّ بنوبةٍ ما يُشخّصها البسطاء من الناس بالخوف والتوتر، وأبرز سماتها بكاء شديد، ولكن لا يحظرني ما الاسم العلمي لها، وقد تكون طبيعية خاصةً في أيّام الاختبارات النهائية للفصل الدراسي.

لا أعرف طريقًا لمُساعدتها، أو بالأصح، لم يُسمح لأي شخص مد يد العون لها وتهدئتها، وبالتالي اتّضح أن المُحَاضِرَات والمراقبات لم يكنّ يملكنّ أي معلومة للتعامل معها ومع ما تمرّ به، وفي الحقيقة لا يُطلب منهنّ إجادة التعامل مع هكذا مواقف، بل الذي أطالب به أن يكون هناك لجنة -وهذا الذي أعلن عنه التعليم الجامعي مؤخرًا- مؤهلة للتعامل مع الحالات النفسية والنوبات والاسعافات الأوليّة وكل ما يستدعي تدخل سريع، ولكن أعتقد أن هذا الإعلان بقيَ في رف الإعلانات ولم يشغل حيز التنفيذ، مع الأسف.

لم يستفزّني كل ما سبق، الغضب كلّه تكدّس بعدما قالت أستاذة منهنّ: “ما تذاكرون، وتبكون عندنا”، لا أمازحكم.. هذا ما قالته بالحرف! ثقافة اللوم تتصدَّر كل المشاهد رغم افتقاد المعرفة التامّة بمسببات الموقف، وأسفي أنها خرجت من قامة حاصلة على شهادة الدكتوراه في تخصصها الذي تنقله لنا، راقبتْ الموقف جيدًا، بقلبي قبل عيني! لم تملك حق رمي هذه الجملة في وجه الطالبة، بينما هيَ الأخرى تغرق بدمعها ورجفتها ومحيط الأنظار اللائمـة والسخرية.

لا أعرفها، ولا أعرف سبب نوبتها تلك، ولكن الذي متأكدة منه أنها كانت فقط تحتاج لمن يُعزّز ثقتها فيما درسته قبل دخولها لهذا الاختبار وأنّها تستطيع بهدوء مواجهة الصعاب التي تشكّلت في رأسها حال استلام الورقة، كانت فقط تحتاج للهدوء والثقة بأنّها تستطيع، لِمَ كان تقديم ذلك لها صعبًا إلى هذه الدرجة من جمهور المراقبة؟!

يتعرَّض الجميع للنوبات باختلاف مسمياتها، بعضنا يستطيع السيطرة عليها داخل جسده ورأسه، وبعضنا تخرج الأعراض رغمًا عنه، يرتعش/ يبكي/ يختنق/ قلق/ ألام جسدية/ الغثيان والقيء/ التعرّق/ الدوار/ الخفقان… إلخ. وهذا بحسب بحث سريع عن أعراض النوبات الواضحة، ولكن في موقف كالاختبارات النهائية، فالأمر يخترق كل المسميات، ولا أعرف طريقةً أفضل من التحفيز على الهدوء بالاحتواء وتعزيز الثقة.

الأمر الآخر، من المعيب الوقوف في وجه المساعدات، خاصةً إن كنت كقائد غير مؤهل للمساعدة، لِمَ تكفّ أغصان المساعدة إذًا؟ 

يبررنَ رفض مساعدة معارفها لها بأنهن طالبات وبنبرةٍ حادّة: “كلٍ في ورقته”! والحال أن دعم من تعرفه حقّ المعرفة أكثر فائدة من مجموعة المراقبة! بل بشكلٍ عام في كل جوانب الحياة، يد واحدة تألفها وتُطبطب عليك، أخير من ألف يدٍ لا تألفها، فالتنازل قليلًا ما دام المنطق لا يرفضه لا يُفسد للمصالح العامة أي قضيّة.

أضف تعليق