نصوص بلا سياق! (1)

      السّاعة السادسة مساءً، في وسط غرفةٍ أتعمَّد إغلاق نورها كل الوقت تقريبًا، وفي النهار عندما تُنيرها الشمس، حيث المشهد الذي يبتسم لأجله فؤادي. على مدّ بصري الآن الهلال، يُزيِّن السّماء بينما تهرب من وجهي ابتسامة بأفكارٍ شاعريّة، أُردِّد تساؤل من رسالة طويلة كتبها فلاديمير إلى حبيبته: “كيف بإمكاني أن أشرح لكِ أنني لا أستطيع كتابة كلمة واحدة دون أن أتخيَّل طريقة نطقكِ لها”. وجدتُ كل ما يُحيط بي يدفعني للكتابة، لا أملك أدنى فكرة عمَّا أكتب، فقط أردت أن اوزّع أصابعي على لوحة المفاتيح، وأجعل قلبي يتدفّق كما يحلو له، دون اكتراثٍ لأبجديات الكتابة!

       في البداية، أخاف الاقتراب من الأشخاص الذين لا يُمكنهم الشعور بالفرح من أشياء بسيطة، أخاف جدًا، ومن موقفٍ أو كلمة يتيمة أهرب، بكل مسرّاتي الصغيرة، بدهشتي تجاه الأشياء العاديّة، وبالبهجة التي تُضيء ملامحي عندما أكتب جيدًا. لا أُحب إدانة العاطفة، والخير والإحسان، وتقزيم مسببات الفرح. وإلى هذه اللحظة أتمسَّك بما كتبته مرّة: إذا أردت أن أعرفْ عن تقدير الذي أمامي أُحدّثه أولًا عن الأشياء التي تُسعدني والاهتمامات، فإذا قدّرها ولم يستخفّ بها في الاتفاق والخصومة اطمئن له. فأنا مِمَّن يتكلم عن الذي يسرّه أكثر من الذي يُحزنه، فإن لم تُعطِ القيمة للسعادة كيف تُعطيها للحزن ومن ثمّ تُوازن كفة التعامل مع الحياة يا إنسان؟

       أيضًا، بعد شهورٍ عنيفة.. هدأ قلبي! نام غضبي، أم مات؟ لا أعلـم، لم أعد أشعر بأنني أودّ تكسير شيءٍ ما، أو الرحيل من مكانٍ هربتْ إليه من غمامة ظلم، لأهرب منهُ ثانيةً من تجربة رفضتني، عُوقبت خلالها بالصّمت، بالمُقارنة، وبالهَجر، قبل أن تخور قوة التمسّك التي أهبها لكل شيءٍ أحبه، ولهذه التجربة خاصةً، فانسكبت رغمًا عن الشعور، ولكن في منتصف طريق أُردّد: “كلما مرّيت بالي كلما، قلت حظي فيك من السّماء، صدفةٍ وحدة وعن مليون صدفة، جيت غيمة وأنا ذابحني الظمأ”. 

       قرأت في رواية السندباد الأعمى جملةً: “الصّمت يؤلم، وهي تجفُّ من الوحدة”، في مقهى شديد الهدوء، من الخطأ أن تمرّ هذه الجملة على شخص يتألم من الصّمت، خاصةً وأن سياق الاقتباس جاء بعدما فضَّل البطل الصمتْ أمام احتراق بطلته في نيران الظنون والأفكـار، من المهين وقمّة الأنانية أن تترك التي تحبّها تموج في بحرٍ يأكل الفؤاد كهذا، كما قالت بثينة العيسى: “من الأنانية أن تجعل المرأة تنتظرك إلى الأبد”، تنتظرك بكل شيء.

       إن أكثر ما يُقلقني أن أُسكن الحزن في صدر أحدهم طويلًا، الأمر الذي لا أُحب فعله لي، فكّرت بهذا بعدما استوقفتني تغريدة: “الشخص الذي يُحزنك لا يستحقك”، وإن جئنا لمقياسٍ أكثر منطقية، في كثيرٍ من المرّات لا نعلم نحن أنّ هناك من حزن بسببنا، لبراعةٍ في بلع المواقف والكلمات دون إبداء العتب البصري أو في لغة الجسد ونحوه، الميزان ليس عادلًا، غير أننا بطبيعةٍ ما لا نكشف أوراقنا منذ اللقاء الأوّل، إنما نعرف بعضنا وما يُسعدنا أو يُحزننا وما نُحبّه أو نكرهه مع مرور الوقت، لذا، ليس كل من يُحزنني سيئًا، وباتجاهٍ واحد الطبيعي في الخصام وسوء الفهم المبادرة للاعتذار، إذًا برأيي أن جملة التغريدة يجب أن تخصّ فقط من يُحزنك ويعلم بحزنك ويقرّ بإحزانه لك، ولكنه لا يعتذر ولا تبدر منه أي محاولة في تسوية الأمر معك.

       في ليلةٍ جعلتْ كل ما بعدها يبدو مخيفًا، أذكرها جيدًا، وأذكر قوله: “تُريدين كل شيءٍ لك”، رغم أنف المعرفة والثقة وكل هذه العاطفة، كان من المُحزن ألّا يفهم أن كل شيءٍ أردته كانَ هو فقط.. كيفما كان! بحقيقته.. ومن المؤلم أنّه لم يعتذر لأجلها بعدما مضى مئة وخمسة وسبعين ليلة وحتى الآن، وعليك التأمّل.

مخرج، القارئ بخيالاته نوعين: نوع يُريد أن يكون كل ما قرأه حقيقة رغم أنف الكاتب، ونوع يريد التكذيب رغمًا عن الحقيقة المتجلية.

.

أضف تعليق