نصوص بلا سياق (2)

       السّاعة الثامنة مساءً، الخلفيّة الصوتية: “من بالي كل شيء يروح، وأنتَ على بالي”، اقرأ مذكرات حبيبة دوستويفسكي!

قال لها مرّة: “ها أنا ذا لا أزال أُمطرك برسائلي”، وأنا أيضًا.. لا زلتُ أكتب الرسائل المجهولة، ربّما يكون عنواني مُدوّنًا نهايتها، لأننا لا نعلـم متى ستكون رسائلنا لأنفسنا أسمى وأنفع، إلى أن تقع بالقلب معركة دامية بسبب كلمة.. فنتعلّم كتابة الرسائل جيدًا.

       لكنني أكتب على كل حالٍ، لعنوانٍ كُنّا نتشاركه في الماضي القريب. أيّ قبل أن تعصف هذه الكلمة بنا. قبل ألَّا يُصبح لباقي الكلماتِ صوتًا يستحقّ الإنصات. حينها تأكدت أن للفراق أسباب كثيرة، وأنّ مُعالجة الأمور فن لا يُتقنه إلّا قلّة من الناس، وألَّا تغتر بمن يعرفك، فعندما تتعارك عواطفك سيجهلك الجميع أوّلهم من تباهيت بمعرفته لك، حتى أنّك تجهل نفسك! ولهذا توقّفت عن قول: (أنا أعرفك) في كثيرٍ من المُحادثات المقرّبة، أخشى أن يأتي موقف فتُصبح هذه الجملة سراب.. فآخر شخص وجدتُ الطمأنينة بمعرفتي له اكتشفت أنني لا أعرفه أبدًا، حتّى أنني أحيانًا اتساءل: من هذا؟ لا بأس.. نحن قوم نتداوى بالكتابة! فتبلَّل بماء كلماتنا المالح يا قارئ.

       اليوم يكتمل الشهر الثامن برفقة القلق، كنتُ ادفع بشيءٍ ما كشمّاعة، ثمّ خرج هذا الشيء من حياتي تمامًا، فاكتشفت أن هناك أشياءً، ليس شيء.. أتذكّر الموقف الذي جعلني أُناشد أحدهم أن يفهمني ويحتويني إذا بدوت له على غير عادتي، لكن لا أحد بوسعه فهم الارتطام العنيف داخل صدرك نتيجةً للقلق، تبدو بخارجك متزن، بديع الكلم، مليء بالطاقة.. ولكنك في داخلك لا تكفّ عن الشد والجذب، لا تهنأ لك راحة، ولا تعرف للنوم لذّة إلا في يومين من ثلاثين يومًا -وهذه أضعف التقديرات-، وفي اللحظات التي تستريح فيها بالغ في ترفيه نفسك، اطغ يا عزيزي كما أنّها فرصة لن تتكرر.

       هل بإمكاننا مُسامحة من خذلونا؟ 

رحلة طويلة يُخيّل لك أن جميع تفرّعاتها ترمي إلى (سامح نفسك أولًا)، فجرّبت أن أضع نفسي أمامي، أُكلّمها عن الهدف الذي أعقد الجلسة هذه بسببه، استحضر كل المواقف والنقاشات خاصّتي، كل مفرداتي وردة فعلي، ثمّ توجّهت إلى ما آلمني، ولكن ما أفعله أنني أُدينني، فازداد غضبًا على نفسي. وجّدتني أحمل أخطاؤه فأُشكّلها على هيأتي، ربّما طبّقت طريقة خاطئة، ولكنها زادت المُعاناة ضعفيها، وأقامت في ساحات صدري عرسًا صاخبًا، الجدير بالإشارة أن كل هذه الطقوس جاءت بعد مدّة قصيرة من المواقف. يقول أجدادنا: “الوقت ينسّيك”، والحقيقة أن الوقت يُساعدك على اخماد غضبك تدريجيًا، إلى أن تصل لطريق تتذكّر فيه كل شيء، ولكنك لا تُبدي أي ردة فعل عنيفة كما السابق. فهلّا تركنا آلامنا للوقت يا سادة.

       مخرج؛ لم أكن معتادة على التقاط الصّور للسماء حينَ الشروق والغروب، كنتُ فقط اتأمل، واتأمل.. ساعات من التأمل. قبل أن اقرأ سطر بثينة العيسى: “يُمكن لمن يُطيل النظر إلى السَّماء أن يضيع إلى الأبد”، فافتّش عن أثر ذلك التأمل، فضعت داخلي.

أضف تعليق