“فَانْظُر بِعَقْلك إِنَّ الْعينَ كَاذِبَةٌ – واسْمَع بِقلبكَ إِنَّ السَّمعَ خَوّانٌ” التطَّيلي الأعمى
هكذا بدأت الرّواية المنشورة في نهايات العام الميلادي الماضي، لصاحبتها الكويتية بُثينة العيسى. لمْ أُقرّر قراءة الرواية إلا بعدما قرأت خرائط التيه، وفضولًا لمعرفة أسلوب الكاتبة وحبكة خيالاتها ولم اتشبّع حتى هذه اللحظة. استنبطت من الرّوايتين أنّ الكاتبة تُركِّز على الجوانب الاجتماعية، الجرائم والحروب وحيثيات العلاقات، كانَ النّصف الأول من الرواية أخّاذ، وجدتُ أنني عرفت كل شخصيّة كما ينبغي، لم تكشفْ ذلك الكاتبة! ولكن القارئ حينَ ينغمس في قراءته يستطيع رسْم النقاط الدّاكنة فوق أوصاف الكاتب. تتشابه الرّوايتين نوعًا ما، من جريمة خطف الأطفال والمتاجرة بأعضائهم والاعتداء الجنْسي عليهم، إلى وجهٍ آخر من عالم الجريمة، الشّرف والخيانة، بالإضافة إلى الحرب، والوباء. لا أُحب التوصيات كثيرًا، والجزء الأكبر من قراءاتي مؤخرًا قائم على الفضول، إمّا ناحية الكاتب أو الكتاب. بمعنى آخر اقرأ لاكتشفْ، ثم أتعلَّم واستنتج، فأتغذى كما أُحب من هذا البحر، وأعتقد هناك من يوافقني بهذه النظرة.
تأتي الرّواية لتدعم وجهة نظري التي لم تتبدّل يومًا بأنّه: يجب أن يبقى الآباء أبطالًا في عقول أبنائهم مهما كلّف الأمر، ثمّ إنّ الطفل الذي يعيش طفولته كما أنه غير مرئي، لا يُسمع له أو يشعر بالودّ، يستمرُ نزاعه مع نفسه حتى الكبر، كما أن بعض الحقائق يجب أن تستمر في قشورها، وألّا نخدشها بتاتًا لأنها سوف تجرحنا لا محالة، فتزيد بؤس اللاتقبّل، وأنّ الخوض فيها ما هو إلا استدعاء لقهرٍ حتميّ، وهُنا تتجلّى فضيلة التغاضي، والمعرفة المحدودة، ثمّ المضي قدمًا.
بالأمس، وفي محاضرةٍ دراسية، كان المحاضر يشرح لنا متطلبات الدراسة التي جاءت كتكليف ضمن تكاليف المقرر، في خضم حديثه قال: ((يجب أن تتعلَّمنَ كيف يكون النقد البناء، حقيقي وقائم على مبررات منطقية، سواءً في الأبحاث أو الدراسات أو المراجعات، حتى في الكتب))، جملةً كافية لإعادة تنظيمي، فأعدتُ فتح مسودّة النصوص التي أعمل عليها مؤخرًا، رغبت ارتداء نظارة قارئ، لا كاتب يملك هذا العمل الذي أمامه، رغم أنّه من الطبيعي أن يتحيَّز المرء لنصوصه وأعماله، إلا أن ذلك يحول بينه وبين قدرته على تقمّص دور القارئ -أو هذا ما يحدث معي-، ولكن لا أشعر أنني أكون قارئة محايدة إن كانَ المجهر مسلطًا على ما أكتب. فلذلك يحتاج الكاتب والمدوّن دائمًا لمن يقوم بانتقاده، ليس شخصه إنّما أعماله وما شابه، هذا ما يدفعني في الوقت الرّاهن لإعداد قوائم بمهمة المراجعة لعملي المقبل في الرواية، إلى جانب تشجّعي على تعلّم نقد ما أقوم بقراءته بدلًا من ركنه جانبًا والاكتفاء بجملة يتيمة: “لم يعجبني”، بلا مبررات وتفسيرات. ها نحن ذا، نُضيفُ لونًا جديدًا لنا.
مخرج؛ في الصّفحة 109 من الرواية: “كانت مثل شخصٍ استيقظ من حياته، ووجد أنّ كل ما يعرفهُ هو محض تزويرٍ لحقيقة لن يعرفها أبدًا”
مجموعات صورية برفقة الرواية، السندباد الأعمى، بثينة العيسى.


