تدوينة الصَّباح (1)

          العاشرة صباحًا، مقهى ليفكو المُشع! أُسمّيه كذلك لتميّزه في المدينة بجُدرانه، من لوحاتٍ واقتباسات، والأغصان الخضراء المُنسَدِلة بخجل، وأشعة الشمس التي لا يحجب نورها شيء، حيثُ المكان الذي يُشبهني! اخترته بعنايةٍ فائقة بعدما تجشأتُ أحداثَ شهرٍ بأكمله. ولكن لم أُعطِها حقّها كما ينبغي، مرّت على نفسي الأفكار ولم أجد متسعًا لفلترتها، لم أرغب إلّا بمكانٍ يتّصلُ مع ذاتي المُحبّة للمشاهد الطبيعية المُحفّزة لتأمّلاتي. وهذا يعني أنّكم على موعدٍ مع تدوينةٍ أخرى فوضوية.

          أمامي مباشرةً نافذة مستطيلة الشكل، أستطيع من خلالها ملاحظة البناء قيد الإنشاء، وخوفي على الرّجل الذي يتواجد على سطحه ويوزّع الأعمال مع مجموعةٍ من العاملين، بالمُقابل وباللحظة ذاتها، لا يغيب عن عقلي منظر الحقيبة التي سحبتها من بين أصدقائها لأُعلّقها على حائط غرفتي، بمحاذاة مكتبي، أعرف أن الذي دعاني لفعل هذا شعورًا داخلي: “يجب أن تتخلّصي مِمَّا تشعرين به تجاه هذا الحقيبة، أو تُعالجيه”. الأمر الذي يُثبت أننا نحملُ للأشياء نوعًا من الذكريات والمشاعر. هناك ضيفٌ آخر.. قصيدة! يا لثقلهما على ذاكرتي! كلاهما فيهما من الوجع ما ابتلعتهُ رغمًا عن قدرتي. كتبت في 14 مايو في نفس المكان الذي أجلسُ فيه الآن: (على المقعد الذي أمامي حقيبتي التي اشتريتها تحت وطأة مأساةٍ عاطفية، ربما يُقال عن هذا الفن المرسوم أنّه تجريدي، ولكن كل ما لحقَ بي جعلني أنظرُ إليه كفتاةٍ سحقتها الظروف حتّى أصبحت فاقدة لمهارة التمييز”، وما أعنيه بمهارة التمييز، قدرة المرء على إدارة توجّهاته لما هو أصلح له بالمنطق والعقل، ليسَ وفق عاطفته، فالعاطفة عندها همست لي: “ابقي”، ولكن تعارض البقاء مع الرّحيل جبرني على فقد هذه المهارة، ثمّ عزلني رغمًا عني. والآن أنا في ذات الموقف! ليسَ بالسّبب إنما باثنين من رفقاء السّبب: الحقيبة والقصيدة. فوضعي للحقيبة في أكثر الأماكن قربًا لي نوعًا من المواجهة، فلا لومًا عليّ إن انعزلت رغم وجودي! هذه طريقتي للعلاج يا سادة.

          في هذا الشّهر أيضًا، عرفت ما يُمكن لكذب الأصدقاء فعلهُ، أُنزِلهم أماكنًا مُميّزة، وأُميّزهم بالأوصاف، صُويْحبي ومُهجتي، ضيائي ونُوري، وصُدفتي الجميلة، سقط الضّياء بسببِ كذبةٍ لم يكن لها دافعًا غير: “لا أُريد النزاع”، وما الكذبُ بذاته إلا نزاع لا يُغتفر، وخصامٌ لن تُليّنه مئات الدوافع والاعتذارات، فأنا أعرف الكذب تمرير لعدم أحقيّتي للصدق! والصدق حين أتذكّره أغفر ما لا يُغتفر.

لستُ شخصًا مُنظّمًا إلا بالوقت، التزم بهِ بطريقة تُثير أعصاب كل من يعرفني، أشعر أنّني مُحاسبة على الثانيةِ والدقيقة، بخلاف ذلك فأنا كائن فوضوي في أشيائه، مكتبي شاهدٌ على ذلك، ولكن أُبعثر ثمّ أُنظّم، وإن كانت بعثرتي على حالها لأيّام، فهذا يعني أنني لستُ بخير عاطفيًا. الشّكر لأحداث الشهر العنيفة التي طحنت تنظيمي، فما نهضتُ من حدثٍ إلا وجاءني آخر بصفعته. أدفعُ ثمنًا باهضًا لهذه التكنولوجيا، والسّرعة في تناقل الأخبار واطلاعي على الأحداث رغمًا عني، فحيث تكون، هناك خبرًا يطير من فوقك، ولإنسانيّتك العظيمة لن تجرؤ على منع حطّه عليك، أو تناثره. لم أُصنِّع، ولم أُشارك حتّى في ذلك، لكن وبمجرّد امتلاكي هاتفًا مطوّرًا، ومن ثمّ حسابًا على أي وسيلةٍ اجتماعية، أو بريدًا الكترونيًا، أُعتبَر مُشاركة! بربكم!  لم آتِ بعد إلى تخوّفي من هذا الاتّكاء الكلي للتكنولوجيا في تسيير حيواتنا وأعمالنا وأرزاقنا، الكثير من المخاوف التي لا أفصح عنها بعد!

لا بأس أشعر وكأن هناك ماراثونًا للأحداث والامتعاضات التي جئتُ بها إلى هذه المساحة الشخصيّة، ولكنني أُحب الرّبط بين المشاعر المُماثلة، وهذا ما يُخيفني بشخصيّتي! عمومًا، أنت قارئ مُخلص إن وصلت إلى هذا السّطر، ثمّ ضع في عقلك أن أصعب ما يفعله المدوّن أن يُواجه الزحام في داخله بالاختصار.

11:50 صباحًا، الجزء الأول: تمّ.

رأي واحد حول “تدوينة الصَّباح (1)

  1. “مهارة التمييز، قدرة المرء على إدارة توجّهاته لما هو أصلح له بالمنطق والعقل، ليسَ وفق عاطفته”
    “وما الكذبُ بذاته إلا نزاع لا يُغتفر، وخصامٌ لن تُليّنه مئات الدوافع والاعتذارات، فأنا أعرف الكذب تمرير لعدم أحقيّتي للصدق! والصدق حين أتذكّره أغفر ما لا يُغتفر.”

    “عمومًا، أنت قارئ مُخلص إن وصلت إلى هذا السّطر” =) تفاجأت بوصولي 🙂

    “ثمّ ضع في عقلك أن أصعب ما يفعله المدوّن أن يُواجه الزحام في داخله بالاختصار” هذا الزحام الذي نصبر وننتظره.

    Liked by 1 person

أضف تعليق