التّاسعة مساءً، قضيتْ بضعة أيّام هادئة منعزلة في منزلي الصّغير، أُمارس الفراغ بأبهى أشكاله المحمودة بالطبع، عُدتُ بطاقةٍ جديدة، وهذا الانعزال الدوريّ الذي أقوم به بين الحين والآخر أُشير إليه بالامتنان ولكن لن أخوض كثيرًا في أمجاده. أحب لحظات الهدوء هذه، خاصةً بعدما سكنت تساؤلاتٍ في صدري، لا أشعر بها، وإن شعرتْ فإنّها لا تحرّك ساكنًا بي، هذا يعني أنّها بداية تعافٍ وعقود صلح بين المرء وداخله، حيث لا أصواتٍ تتعالى، ولا أخفافِ مواقفٍ تقرع على ضلع صدره، ولا حواراتٍ مؤذية للضّمير، المرحلة التي يكون فحواها: “فليحدث ما يحدث”، كل هذا بعدما ودّعت -مجازيًا- أحد الأشخاص المقرّبين، كتلك الوداعات الباردة والتي نترك لقائلها إثمها دون رد، ولا محاولات، بعدما يصدح بصوته عهدٍ على نفسه ألَّا يعود للتعامل معك، إذن، ما الطائل من المحاولات؟، قرأت مرّة بأنّ المرء لا ينفصل عن الآخر دفعةً واحدة، إنّما بالتدريج، وأنا أُؤكد بأن أوّل الانفصالات تكون عن طريق العاطفة، حيث يهذّب نفسه ألّا يبدأ الحديث معك، وإن لحق بكَ سوءٍ ما يواجه بالاستخفافِ مرّتين، مرّةً لشعوره بالخوف عليك، ومرّةً بأنّ ما بك لا يستحق الالتفات له والخوض فيه، ثمّ إن حادثته لا يستجيب، وإن استجاب لا يهتمّ، هكذا يُربّي نفسه حتى يُصبح لا يهتم فعلًا، يستنزف كل أبجديات اللامبالاة وأنت لا تشعرْ، ويصحو وفي صدره خطط الهجر وأنت لا تعلم، المشهد الذي يُكرّس فيه الإنسان أخبث نواياه وجهوده ومسالكه الملتوية للانفصالِ عنك، بينما تظنّ أنت أنّ الأمر لا يعدو كونه انشغالًا طبيعيًا ومساحة شخصيّة، فتصطدم أخيرًا بأن لوحة الوداع خُطِّطت أمامك، ورُسم قواعدها، وتلوّنت، كل تفصيلٍ بها كان أمامك، ولكنّك لم تنتبه لأنّ نيتك بيضاء، وحسن ظنّك -مأجور عليه- ولكنّه اُستُغِلْ، وأنّ وفاؤك ساذجًا، للعلمِ؛ حين تُدرك أنك ساذج هذا جرحٌ آخر، هكذا الحكاية، حيث لا يوجد هناك أبطال الطريق المختصر، ولا تَرِدْ في قواميسهم النّية الواحدة، والكلمة الواحدة، بل يسلكون ألاف مؤلفة من الطرقات لرغبةٍ واحدة وهي فراقك، فتُصبح ركلاتهم طوال كل تلك الطرق ضيوفك في ليلةٍ واحدة، لكنّك مُجبر على تحملها، فذلك السبيل الوحيد للشفاء مِمَّا ستتسبّب به فيك.
على جانبٍ آخر، أُقدِّس الذكريات، مهما تجلَّى السّوء فيها، لديّ مبدأ: اصنع الذكريات السّعيدة في الأماكن الحزينة، وعلى أثر ذلك صنعت اليوم فنجانًا من القهوة التركيّة، في آخر فنجانٍ منها وتحديدًا قبل ثمانية أشهر ودّعت شخصًا غاليًا، وفي اليوم التالي أجريت عمليةٍ جراحية مباغتة، حينها كان الحزن يقبض على صدري، بالتأكيد لا أوجّه لها أسباب ذلك الأسبوع السيئ من حياتي، ولكن كانت تُرافقني فيه كنوعٍ من التخفيف، فتكوّنت كل تلك الذكريات ولازمتها، كما أنني عاهدتُ نفسي ألّا أشرب القهوة التركية ثانيةً إلا عندما أكون في أكثر أيامي سعادة وانشراح خاطر، بعدما تتغيّر نظرتي لتلك الفترة، وها أنا الليلة أكتب هذه المقالة وبرفقتي الفنجان السّعيد، وكومةِ وداعات، وقلبٍ هادئ، وأفكار.. بالتأكيد ليست باكية، إنّما تشاركني القهقهة على سذاجتي في أيامٍ مضت، نخب السّاذجين الأوفياء.

