السّبت، أضع قناع الزبادي والقهوة، ولا توجد خلفيّة صوتية، هدوء مُزعج، الطقس حار جدًا وأشعر بالشّمس فوق رأسي، لكن منظر الأشعة مبهج، انتهيت من مسلسلٍ قصير جدًا، غاضبة، ولكنني أُدير الأمر والشّعور، عادةً عندما أحس بهذه الشرارة أرمي كل ما حولي في حضن الحائط، ويستقبلهُ مني ويُقهقه: هل من مزيد؟ ولكن الآن وفي هذا الغرق أضع قناعًا واتأهب للكتابة، وعلى يميني فنجانُ قهوةٍ أصبح كالصقيع، إذن.. هذا تغيّرٍ للأفضل! برأيي.. دقيقة؛ لا أستطيع إيقاف قدمي عن ضرب الأرض! هذا السلوك الفاضح للهدوء المُصطنع، على كل حال، جهّزت في الصباح الباكر خليط فطائر منزلية، كنتُ في وقتها متحمّسة لخبزها وتناولها مع كأس شايٍ بالنعناع، ولكن حتى الآن ظلّ الخليط يُنازع نفسه ولن يتم خبزه، فالطاقة المزاجية الجيدة هربت بعيدًا، سأحفظه، ربما كان نصيب أكل الفطائر في الغد.
في أحد أركان معرض الكتاب ذاع صيت أحدهم، والمُتهم بالاعتداء على القاصرات وقد قضى محكوميته سنوات، تراود اسمه كثيرًا، للحظة فكّرت بأن هذا الاسم ليسَ غريبًا علي، وسلّة جرير الإلكترونية فضحته أخيرًا.. قبل فترةٍ طويلة أوصاني شريكي والذي كان بعيد كل البعد عن قراءة الكتب والقراءة عمومًا بطلب مؤلفًا للمتهم مع مجموعة الكتب التي أردت شراءها لأن وجهتنا بعد وصول الكتب ستكون واحدة، لذا سأُناوله الكتاب بيده ثم سأذهب بكتبي للرّياض الحبيبة، فرحتْ، أخيرًا سيُصبح هناك نورًا مشتركًا! تذكّرت المتهم، هو بذاته صاحب هذا الكتاب، قرأت ملفّه الجنائي ولحسن الحظ أن القضاء هناك كان شفافًا للغاية، وشعرتْ للحظة أن هناك خصلة بيضاء شقّت طريقها في شعر رأسي من هول ما يحويه، ليس مزاحًا، ولا افتراءً، وبعد قلب المنزل رأسًا على عقب وجدته ومزّقته، ثم حرقته، فلستُ أفخر بمثل هذه المؤلفات في منزلي وإن كانت ليست لي، وجودها لوحده بغيض ولن أسمح به، ويا ليتك يا شريك عندما اخترتْ كتابًا لتسلك طريق القراءة خلاله كان مؤلفًا محترمًا، هذا سبب آخر أستطيع البوح به من نوبة الغصب التي تحتضنني اليوم، أيضًا الجانب الساذج أن الكتاب لم تُطبع عليه بصمات أصابع منذ وصوله، لذلك أشعر أنني وضعتُ رزقًا في السّوء، وفتحت منزلي وخزائنه على مصراعيه لاحتضانِ تفاهةٍ ما -ولا يسعفني احترامي لنفسي كتابة كلمةٍ سيئةٍ أخرى لتصف حقيقة ما يجول في خاطري، فحتى الرّماد الذي تحوّل إليه الكتاب لم يشفي الغليل على كل أسباب الغضب. بالمناسبة؛ أتمنى أن نُنظّف دور الكتب والمطابع وما إلى ذلك من هذا الاجتياح فاقد القيمة.
على كلٍ قرأت اليوم مقالًا رائعًا، شعرتْ به يُجسّد ما يجول في خاطري عن الاستقرار، (انقر هنا للقراءة)، أيضًا في نهايةِ المسلسل تُختبر العائلة الفقيرة بمنزلهم، تظنّ الأم أن المنزل مأوى، وهذا ما كنتُ أظنّه أنا، فيأتي الأب ليبدد كل هذا الظنّ بقوله: “ما تقولين عنه مأوى هو عائلتك، أولادكِ هم المأوى، أنا المأوى، المأوى ليس أربع جدران، ليس مهمًا أين تضعين رأسكِ على الوسادة، المهم مع من تضعين رأسكِ على الوسادة، ليس مهمًا أين تغلي طنجرتك! مأواك هو الملاعق التي حولها وعدد تلك الملاعق، الجدران لا تبكي ولا تضحك معكِ يا علياء، تتكلمين ولا تُجيبك! إن كانت عندكِ عائلة، هذا يعني أنكِ عندكِ مأوى أساسًا.. المأوى هو عائلتكِ يا علياء”. فلنهطل مطرنا المالح على العائلة، ولتكن منازلنا هي مأوانا، وليفرح كلٍ مع عائلته، ولعائلته.
