ميلادٌ جديد

مرحبًا، تستلم مهمة إكمال الحياة هاجرٌ أخرى، تحتفلُ بيوم ميلادها -الرابع من شهر صَفَر-، وتقفزُ للسنة الرابعة من سنوات الرشد، وتسدل الخمسة وعشرين ربيعًا بازدواجيةٍ مشاعرية، ولكن للفرح غير المعهود حضوره الطاغي.

اليوم أعيش لذّة مختلفة بانتصاف العشرين السّعيد، بحقلٍ من التجارب والنجاحات، وبأيامٍ متفاوتة بالمكتسبات والمكتسب العظيم الصحة الكاملة التامّة ولله الحمد لنفسي وعائلتي ومن أُحب، بقلبٍ راضٍ أُزيّنه بالقناعة بعون الله، وبعقل أجاهد ليكون بمأمنٍ من الصراعات الدنيوية، وبنفسٍ ساعية. أجدني مختلفة، لا أُشبهُ أمسي، بل أفضل، لم أُضيّق نظرتي للمفاهيم الشائكة، النجاح، المال، الفشل، المبادئ، الوحدة، التعلم.. ولا يُشبه تعريفي لها ما هو متعارفٌ عليه الآن، بتُ أرى في كل شيءٍ أشياء، وفي الرقم العمري ضعفيه من الحكمة، كما التي تملك مجهر مميز، له امتيازاته الخاصة والتي يخصّني بها.

لسان الحال في: “وَاِستَمَرَّ الحُسنُ في الدُنيا وَدامَ الحُبُّ فينا”

إيليا أبو ماضي

مسرَّاتٌ صغيرة، سعادةٌ كبيرة!

أهلًا يا أصدقاء مُزدَانة في إحدى نشرات الشهر، كيف حالكم؟. . أنعم اليوم بلحظاتٍ هادئة ويسيرة على نفسي، وأحظى بوقتِ راحة بعدما انتهيت من المهام المُتراكِمة، وفي رأسي الكثير من الحكايات لا يَسعني البوح بها إلا هنا، حيث المساحة الافتراضية التي شكّلت بالنسبة لي منزل مُصمّم كما أُحب، وهذه مسرّتي الصّغيرة، فالحمد لله.. عمومًا يُوافق الأسبوع المقبل بداية مرحلة الاختبارات النهائية في الجامعة، ولا أخفي أنِّي مُتحمّسة جدًا لما سأُقدّمه في اختباراتي، وعلى هذا السياق أود مشاركتكم نهجًا اتبعه منذ سنتينِ، وهو أن أُخصّص قائمة تحوي أهدافي قبل بداية كل فصلٍ دراسي، وأكتب فيها هدفٌ كبير أودّ تحقيقه، وتحته أهدافٍ صغيرة متفرّعة لكل مقرر، ومنحنيات تخطيطية لبلوغها، وأضع القائمة نصب عيني طوال الفصل، إنها طريقة فعّالة لاحظت منها أنّي أولًا أتطوّر في مهاراتي وأُجدّد بها لحظات الفتور والكسل والتفريط، وأصبح استقبالي ونظرتي للدراسة بشكلٍ عام أفضل ومليئة بالامتنان، في الواقع وضعت هدفين كبيرين لهذا الفصل: أوّلهما: المحافظة على رتم معدلي العالي في صورته المتصاعدة، والثاني: أن أُخصّص دفترًا خاصًا للمسار الذي أدرسه، وهو المحاسبة، وأُدوّن فيه كل المعلومات والمراجع التي ستُسهّل علي تأسيس نفسي لتحقيق هدفي الأكبر والأعظم: إكمال الدراسات العليا في المسار، وأشرح فيه كل شيء أتعلّمه وينفعني فيه بطريقتي الخاصّة والسليمة، لربما تكون الخطوة هذه متأخرة قليلًا، ولكن أُعوّل على نفسي ثم عليها في تمهيد طريقي وشغفي في المحاسبة كدراسة ومهنة أطمح التخصص فيها، أما فيما يخص أهدافي المتفرعة لكل مقرر والخطة عمومًا فهي ماضية في الطريق السليم الحمد لله.. جربوها إن كنتم تملكون هدفًا كبيرًا في دراستكم.

للقوائم التنظيمية سحرٌ في تحقيق التوفير والاستقرار

هاجَر المطيري

مرّ العالم بنصفِ سنةٍ مُغرية على الصّعيد الاستهلاكي خاصةً، واصطفّ الكثير من الناس على انتظار الديون والمستحقات التي تراكمت بفعل الأيام المليئة بالخصومات والشدّ والجذب الشرائي، الحمد لله أنّي ثبتُ أثناء هذه العاصفة، وكنت خلالها قد استغنيت عن تطبيقات ومواقع التسوق الإلكتروني من أجهزتي، وانشأت للمطبخ قائمة تسوق أُدوّن فيها ما ينقصه من موادٍ غذائية ونحوه، وعندما أخرج لشرائها أخذ معي هذه القائمة، دون المرور على كل رفوف المحال وشراء ما تلمسه يدي، ولا حالات النسيان التي كنت أُصاب بها فأخرج وأعود وأنا لم أشتري الناقص فعلًا، وعند التسوق في نطاق الملابس فإنني أصبحت أنظر أولًا لما تحتويه الخزانات، وشراء ما ينقصها، وهكذا في كافة الأمور الأخرى، وهذا التوفير كان أول سببٍ له هو حذف تطبيقات التسوق الإلكتروني، وانعدم بذلك الرغبة الاستهلاكية الغير مسؤولة والجنونية وغريزة تكديس الأشياء بأنواعها، وبشكلٍ عام، فإن لقوائم التسوق وما يُماثلها سحرٌ في تحقيق الاستقرار المادي والتوفير، جربوها إن كنتم تُعانون من جنون الشراء.

  • ركن القراءة:

من ضيوف مكتبتي الإلكترونية: نسخة صحيح البخاري، وسُبُلًا فِجاجًا لحُذيفة صالح العرفج، قمت بتحميلهما إلى تطبيق (الكتب / iBooks )، وأسعى لشراء النسخ الورقية منهما، وأنصح بـ سُبُلًا فِجَاجًا كرفيقٍ للحظاتِ اليائسة والهادئة أيضًا.

أما في المكتبة الورقية فإنّ ضيفي كتاب: (الروايات العشر) لصاحبه: رائد المقبل، راقت لي لغة الكتاب السلسة والبسيطة في سرد القصص، وكوّنت داخله أوراقٍ صغيرة كعلاماتٍ مرجعية كيلا أُفسد جمالية ما كُتب في صفحاته، أُدوّن فيها ما يجول في رأسي عن القصّة التي قرأتها منه، وأستطيع القول إنه ضيفٌ لطيفٌ بالقراءة، ويجذب انتباهي.. لكنني لم انتهِ منه بعد!

  • مسرَّاتٌ صغيرة، سعادةٌ كبيرة!

تحيط بنا الكثير من الأمور الجانبية الصغيرة جدًا، لكنها تُشكّل فارقًا في أيامنا، وقلوبنا، وإيماننا، وأُفُق تفكيرنا، قد نتأخر في الانتباه لها، وقد لا نُلقي لها بالًا قط، وكثر الاستهزاء بها، والتقليل منها كثيرًا في الآونة الأخيرة، هذا ما لحظته حقيقةً وبشكلٍ يُذهل منطقي، فقلِّة من لم تعد حياتهم طبيعية وعاديّة بمقارنة مستمرة مع حياةٍ أُخرى لا نلمحُ إلا قطرةٍ منها عبر التقاطةٍ قصيرة تزدان بها صفحات العالم الافتراضي، أصبحت تلك الأمور الصّغيرة التي تحتوينا بلُطف الله وعنايته مُحتقَرة، انغمس العالم الحقيقي بالافتراضي كثيرًا، والكل يريد حياةِ الآخر ولو استطاع نهبه لنهبه، فمالنا هكذا؟ فلنتأمل ما نحن به الآن، ما ننام وتستيقظ برفقته، وما نقضي به نهارنا وليلنا، سنجد أننا محاطون بتفاصيلٍ ومسرَّات صغيرة، حتى تلك اللحظة التي تُنهي بها جميع أعمالك وفروضك ومهامك وتستلقِي براحة ضمنها، لحظةٌ لا تُقدّر بثمن.. أيضًا كل ما دونته في هذه المقالة أعتبره من مسرّاتي البسيطة، كما أن كل ما في حياتنا يستحقُ منا لفتةُ تقديرٍ وامتنانٍ وشكر، فلننشغلُ بها.


  • جادّة أفكار – مساحة لنصوصي القصيرة .. حيث أكتبها وأُشاركها:

هناك فتاة تنتظر بجانب سكَّة الحياة، وأخرى تُجدف نحو مستقبل تراه أفضل في الضفة الموازية، وأحدهم يهز ساقيه على كرسي الانتظارِ، وآخر قد ملّ الوهم، وشيخ مسكين لا يعرِف لمنزله طريق، كما إنِّي ألمَحُ الغربة في عين إحداهم، إنها تنظرُ للزمنِ كصورةٍ مُستنكَرة وعادةٍ غير مألوفة.. والكثير من المناظر.. لكنّها في رأسي! اختزنها من الشوارعِ والطرقات، ومن الأوطانِ والشعوب، وبضعُ تدويناتٍ قصيرة ظن أصحابها أن لحظة الانتهاء من قراءتها ذاتها اللحظة التي تنتهي فيها من عقولنا، ولكنني لا أنسى شيئًا، واحتفظ بكل شيء في موطنٍ صغيرٍ جدًا شُيِّد داخل ذاكرتي، وتسترجِعُ الأشياءُ نفسها في لحظةٍ مباغتة واصطدمُ بها رغمًا عني.. لا أعرفُ هل هيَ نقمةٌ أم نعمة.

هاجَر المطيري

إنَّ الأيَّامَ خزائنٌ!

هل بإمكان الأيَّام أن تكون كمِنْدِيلٍ لَطيف الملمس تمسَح به على قلبك فيُضمد جرحك؟ إليك رأيي، إن هذه الحياة تهون إن حَمِلَ همَّها شخصان، وحَمِلَ هذين الشخصين هَمْيِّ بعضيهما، ويدًا بيد مضيا، ونتذكَّر في هذا مشهد الغارِ الذي شَهِدَ على محبّة وتوافق الرسول -صلى الله عليه وسلم- ورفيق دربه الصِّدِّيق أبو بكر -رضي الله عنه-، اللذَيْن حَمِلا همومَ الدعوة والإصلاح وتلبية النداء معًا، وبينما الصِّراع قائمٌ حول الغار، إلا أن داخله مُطمئنًا بطمأنينة ساكنيه، وساكنٌ بترتيلِ الآيات الكريمة، وتربيت الكتف التي يحفظَان بها رباطة جأشهما.

لكمّ مر على رسول الله ورفيقه المتاعِب، ولكن الله منحهما القوة من عنده أولًا ثمّ من بعضيهما، يُروى أنه قال -صلى الله عليه وسلم-: (… ولو كُنتُ متخذًا من أهل الأرض خليلًا لاتخذتَ أبا بكرٍ خليلًا) وفي اللغة العربية يُرمز بالخليلِ بالوَفاءِ والإخلاصِ وحُسنِ الرِّفقة، يا الله! منزلةٌ عظيمة بسلامة سريرتهما، وإعانتهما لبعضهما، وماهيَ إلا مضرب مثلٍ يُشاد به البنانَ في علاقاتنا الاجتماعيةِ الآن، وبخلافِ التصنيفِ إن كانت صداقةٍ أو أُخوَّةٍ أو زوجٍ وزوجة وأُم وطفلها وأب وطفلته، هذه الحياة تُصبح سهلةً متى ما كانَ هناك من تشدّ عضدُك به، أيضًا.. ألم تَقُل لك والدتكَ يومًا صَاحِب الصَّالحين تصطلحُ بهم؟ أعتقد أن جميعنا نُصحنا بهذه النصيحة الثمينة.

ثمّ إن كل تلك التفاصيل التي تمرّ بها مع الشخص الآخر إن كان صديقًا، أو أخًا، أو زوجًا، أو زوجةً، وما إلى ذلك.. تجتمع لتَكبُر، وتكوِّن تلك العقدة السميكة التي يُقال عنها المواقِف، والتي تُحافظ على عدم وصولِ علاقتكما معًا إلى نقطة النهايةِ الحزينة تلك، أيّ الافتراق.. وربما هيَ أيضًا من يُعجِّل بانتهاءِ علاقتكما، الأمر أشبه بأن يكونَ لك وعاءً واسعًا وكلاكما تضعانِ فيه همومكما، حديثكما الذي لن يخرج، وحزمة مشاعركما باطمئنانٍ أنها لن تُهِزّ نظرة أحدكما بالآخر، أيضًا كل تلك الكلمات التي تشدّان من أزركما بها، والوقفاتِ التي تُهوِّنا عن بعضيكما بها، هذه كلها تصنع أيامًا حنونة ودافئة تُصبح كالضماد الذي حال أن تتذكرونها تتنهّدانِ العزيمة والصّبر، والأمل، والتفاؤل، والإصرار.

ولهذا يُمكن للأيّامِ أن تكون كمِنْدِيلٍ لَطيف الملمس تمسَح به على قلبك فيُضمد جرحك، وتقوى خطوتك، وتصلُح نفسك، وإنّ الأيّام التي نقضيها مع شخصٍ آخر نُنزله منزلة الخليل ما هيَ إلا قوى نستهلِك منها ما يزيدنا بصيرة للسيرِ في متاهاتِ الحياة، ثمَّ إن الأيَّام خزائنٌ فانتقِ الذي يملؤها معك كما يُحب الله، ويُعينك على ذلك.

توقَّـف.. وتأمَّل!

مرحبًا بكم، سعدت جدًا بنشر هذه السلسلة على صفحاتي الشخصيَّة في منصتي TwitterInstagram وكانت ردود فعل القُرَّاء جميلة، والآن أسعد أن أُثبّتها في مساحتي الجميلة هذه!

بدأت سلسلة توقَّف تدور في بالي أثناء قراءات المحتوى الذي يدعو إلى مواجهة وتيرة الحياة المتسارعة التي صِرنا في عُمقها اليوم، ولا سبيل منها إلا بالعزيمة والإصرار، ومِمَّا كنت أحتاج سماعه صغت هذه السلسلة، وكما يُقال: من القلب إلى القلب.. بدأت الرحلة بالتذكرة الثالثة، وسُئلت لماذا لم أبدأ بالرقم واحد أو اثنان، لأن موضوعي هذه التذكرتين خاصٌ جدًا ودراميٍ بشكلٍ هائل، فعندما كتبت السلسلة من التذكرة الأولى، فضّلت أن أنشر بدءً من التذكرة الثالثة، فأهلًا بكم!

  • تذكرة رقم #3

هناك صوت في داخل كل إنسان يُرافقه كروحه، ويأتيه حين يُذنب، يَحزن، يَنكسِر، يَفشَل، يَزِلْ، يُخطئ، يَتوه، يَنجح، يَبتكر، يَتطوّر.. إلخ! ولو تأملت فيه قليلًا، ستجده حاضِرًا في كل حالاتك، وإن نجحت سيأتيك على هيئةٍ يستنقِصُ بها ما نجحت به، لكن سيُصبح أكثر حِدَّة حينَ تضعف، وَ وجودِ هذا الصوت له حِكْمَة، وكنت أتصالح مع استقرارِه ودوافعهِ وغاياتِه، حتى باتَ يُطيل الحديثَ معي عن أهدافي المرسومة على حائِط المكتب، ومتطلباتي في عملي ودراستي وما إلى ذلك، حتى شكَّلَ شخصًا آخرًا منّي، أكثر جزعٍ وجوعٍ وتيهٍ في دهاليز الحياة، لا يُرضِيه تقدُّمًا ولا سعي.. ولا أخجَلُ فضحه.

وبينما كان ينمو، كنت أنا من يُغذّيهِ، ويُحسِّن هندامه، ويَدعم معتقداته، قبل أن أجزم التغيير وأهدم بُنيانه، فسابقًا لم أكن مِمَّن يتساهلون حين لا تسِير أهدافهم وفق أهوائهم، بل كان الأمر محط جدالٍ داخل عقلي والكثيرِ من التساؤلاتِ الذي يُضخِّمها هذا الصوت بترحيبٍ مني، واستنزِفُ بها صحتي، وهذه الصِّراعات تتطلَّب موقفًا حازمًا منك فقط، فوحدك تستطيع تولِّي زمام الهدنة، والتحسين، وأوَّل ما سعيت له في رحلةِ توقَّف، أن أتدرّب على جعل المرونة أول سِمات العلاقة بيني وبين ذاتي، فليسَ كل شيء بإمكاننا إنجازه، ولسنا دائمًا في موضعٍ يسمح لنا بالعمل والإنتاجية وتحقيق كل ما نرسمه بمثالية.

بل ربما الإصرار على الإنتاج وتجاهل الحاجة الذهنية والجسدية والنفسية للراحة واستجماع القوى يجعلك أكثر سوءٍ في السلوك والتفكير، فتوقّف قليلًا، خذ قسطًا من الراحة من كل ما يؤذيك ولو كنت تحبه، اصنع فجوة تساعدك على الرؤية الواضحة، فليست كل الفجواتِ ضررًا، لا تفزع، أنت بمأمنٍ طالما تستطيع السيطرة على هذا الصّوت بداخلك.

  • تذكرة رقم #4

“لن تكوني أُمًا صالحة إن لم تعتني بنفسكِ”، إحدى حوارات فيلم الأمومة المُلهِم (Tully)، والذي يُرمز لاسم المربية الليلية التي جاءت للأُم مارلو كمُعجزَةٍ من السَّماء، لتمدَّ لها أيدِ العون والمواساة للأُمِ المُنهَكة، في بدايةِ الأزمة لم تُحبّ مارلو طلب المساعدة من أحدٍ قط، رُغم أن الجميع حولها يحاولون تقديم المساعدةِ لها لكنها ترفض وتُناضِل المسؤولياتِ وحيدة، وفي نهارٍ ما زادت نوبة بكاء طفلتها الرضيعة، ومع كل صرخةِ ضغطٍ صرختها مارلو، اتضح لها أن المُكابرة على طلب المساعدة لا يزيدها إلا توترٍ وتقصيرٍ واضطرابٍ نفسي وسلوكي، فقررت طلب المساعدة من هذه المربية تالِّي، وما إن بدأت تالِّي عملها، لاحظ الجميع تحسُّن الأُم، الفيلم مليء بالتفاصيل التي تُغيِّر نظرية بعض الأُمّهاتِ لفكرة طلب المساعدة مِمَّن حولهن، لذا يستحق المُشاهدة.

عمومًا ليس فقط الأُمّهات من يحتاجون لتقبُّل هذه الفكرة، بل الجميع، الآباء والأطفالِ والأصدقاءِ والإخوة، وكل إنسان يجب أن يتقبَّل أنه لا عيبَ في طلب المساعدة لإنجازِ أمرٍ ما. فمهما بلغت من الهمّة والاحتراف والإتقان والمعرفة والجودة والسرعة وحب العمل الفردي والإخلاص هناك حالات يستوجب عليك طلب المساعدة فيها رأفةً بك، وتوقَّف عن احراقِ نفسك واطلب العون ولا تُناضل في كل جهاتك وحيدًا، شُدَّ ساعدك بمن تثق بهم وبرأيهم.

  • تذكرة رقم #5

هناك حِيلة يُمارسها الإنسان على ذاته وهي التأخيرِ أو التأجيل، ولا ضرر في ذلك إن كان في حدودٍ سليمة تَرفَع لا تُسقِط، تُهذِّب وتُحسِّن لا تُفسِد، وكما قِيل:(لا تؤجل عمل اليوم إلى الغد)، العبارة التي كانت تقولها والدتي في طفولتي بسخرية، طمعًا في إنهاءِ واجبات الخط العربي المتراكمة، لم أكن أعرف أنها فضفاضة لاحتضانِ كل هذه الأبعاد النفسية إلَّا عندما كبرت بما يكفي لأُصبح واعية أن بإمكان الإنسان خِداع نفسه بالعباراتِ الرنَّانة بسهولةِ خداعِ شخصٍ آخر، لا أنوي التطرق لهذه الحيلة بلهجةٍ حادَّة تُبعثرك، لكن هذه المحطة هي أساس بناء علاقة صحيَّة بين الفرد وذاته. لماذا؟ لأنّ نفس الإنسان مكشوفة عليه، لا أحد لا يفهم نفسه، ولا يعرف حقيقة ما يبدر منه، جميعنا نملك مفاتيح أنفسنا، لكن الغامض أننا أحيانًا لا نودّ التعامل بوضوح، فعندما تريد أن تُحسِّن من علاقتك بنفسك يتوجب عليك أن تكون صادقًا معها، عطوفًا، حنونًا، متفهّمًا، واضحًا بلا حيل!

ومن صور الحيل النفسية الدارجة الآن: بعدين!

بعدين في القرارات المستقبلية، بعدين في الدراسة، بعدين في الوظيفة، بعدين في الزيارة، بعدين في التحسُّن، بعدين في التوبة، بعدين في التفقّه، بعدين في كل شيء تقريبًا، صغير أو كبير، مُباشر، أو غير مباشر!

فتوقَّــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــف

توقَّف الآن وتأمل في كل التأجيلات التي قمت بها في حياتك، وضع النقاط المناسبة للحدّ من تفاقم مشكلة التأجيل معك، وتفهَّم بأن هدف هذه الرحلة ليسَ بالضغط عليك بما لا تطيق تحمّله، إنما الهدف أن تُبصر على نفسك لغايةِ التحسُّن، وألا تُراكم الصغائر وتحتقرها.. وتذكر بأن كل صغيرة جسر عبور لحدوث الكبيرة.

  • تذكرة رقم #6

هناك محطَّات يمر بها الإنسان ويعبرها، لكن لن يعبرها كمَا كان! سيركن على جانبِ المحطَّة شيئًا منه، ويَمضِي بشيءٍ آخر بإدراكه أو رغمًا عنه، ربما عادة كان يُمارسها، أو مفردة ردّدها كثيرًا، أو سلوكٍ ما ومُعتقَدٍ لطالما آمن به، ربما يَخسر صديق أو مهنة وربما يكسبهما معًا، وغير ذلك الكثير، ظاهرًا أو باطنَا، يُحبّه أو لا يُحبّه. فالمخلوقات مرغمة على تجرُّع حُزن الخسارة ولذَّة الكسب، وهذا مِمَّا لا شكّ به، ولكن هل تعرِف أحدًا حطَّ رِحالهُ في محطَّةٍ ما مليئة بالأمتعة الحَزينة، وهو مجبرًا على حملها والمُضيَ بها، لكنه نَسيَ أن يَحمِلَ نفسهُ معها؟ هُناك من يدخل علاقة ويَعود منها خاسرًا نفسه، مكبّلًا بآفةٍ نفسية، وتمر فصول الحياةِ من جانبه وهُو ساكن! يَضع نقطة نهايةِ حياته بيدهِ ويطلب من الدَّنيا التوقف معه، متجاهلًا أن الدنيا لا تأبه بخساراتِه ولا تتوقف لتوقّفه! وأتطرّق للعلاقات لأنها مثالٌ حي ولا زال الوعيُ به قاصرًا، أيضًا هناك من يتلذَّذ بنُسخته الحزينة وكلما همَّ بالخروج دَفَع نفسه داخلها بعُنف، حقيقةً هناك من لا يَرغب بالتغيير أبدًا، وهؤلاء ليسوا محور التذكرةِ، إنما أكتب لأولئك الذين يرغبون بالتحسّن والتغيير فعلًا لا قولًا، لكن يجهلون السَّبيل لذلك، أقولُ لهم: توقَّف! ما دُمْتَ مُدركًا للأمر فستنجو، ما دُمْتَ موقِنًا بفصولِ الحياةِ التي يُرتّبها الله بأمره وحكمته فستَصِل! فتوقَّف، وراجع محطَّاتِك التي حملت كل شيءٍ فيها عدا نفسك، عُد إليها مجازًا، وأَنِرْ أضواء حاضرك بالقناعةِ والرِّضا بأنَّ كل هذه المحطَّات إضافة فقط، كل ما حولك إضافة، فتأمَّل متى ستكون هذه الإضافة نِعمةً أو نِقمة.

تأملات في العزلة المزمنة

قديمًا كانت العزلة الإجبارية نوع من أنواع العقاب للإنسان المُذنب، ويتم تعذيبه نفسيًا وعقليًا بحبسه فترات طويلة في غرفةٍ ضيّقة وحرمانه من الخُلطة في المجتمع حوله، ومن هنا ظهر مبدأ السجون الانفرادية كوجه آخر من أوجه كف أذى المذنب عن الناس، ويُعاقب الطفل المثير للفوضى والعصيان في غرفته أو حدود المنزل وحرمانه من الخروج، كذلك في اعتزال الصديق أو القريب الذي أساء إلينا وعدم تكرار الحديث معه، ومن هذه السلوكيات قد يُخيّل أنها ردة فعل صحية ولكنها جاءت ببند التعذيب، تعذيب الشخص ذاته أو تعذيب أحد المحيطين به، أو تعذيبٌ للإقرار بالخطأ والعدول عنه، وبينما للعزلة مستويات للخطر أود التأمل في المرتبة التامّة والحادة، أو المزمنة إن صحَّ الوصف، تلك الحالة المفترسة بذاتها من حالات العزلة.

وبخلاف أن للعزلةِ مراتبٍ ودرجات قبل الوصول للمقامِ القاتل، إلا أنه هناك فرقًا جوهريًا بين العزلة والوحدة والاختلاء بالنفس، وتلك المفترقات هي المحرك الرئيسي لدوران عجلة الخوض في العزلة كمفهومٍ مُشوّه حتى القرن الحالي، مما أنتج تأملاتٍ فلسفية كلٍ بما تملي عليه مآل نفسه، وتتجلَّى كانعكاساتٍ لحالته النفسية، والوعي بحد ذاته بمتاهات العزلة النفسية والعقلية دافع للاتزان، فالعزلة ستُصبح أجدى علاجيًا إن مُورست بطريقتها الصحيحة، ولن تعرف مجالًا للممارسة السليمة إلا إن اتبعت مبدأ الخلوة بالنفس بطريقةٍ سليمة أيضًا.

بالنسبة لي أرى العزلة كقطعة نقدية ذات وجهين، يحمل كل وجه منحنيات غير مرئية تتصل باتصالٍ وثيق في الحاجة الغريزية للإنسان ومشاعره ومولّدات صحته النفسية الطبيعية والعقلية كذلك، وتؤدي التأثيرات المخالفة لكل ذلك إلى حالة من الاضطراب قد تتعمق لتولِّد بدورها اختلال في طبيعة الإنسان يستنزف جلسات علاجية تستهدف إعادة البناء في جذور الغريزة الإنسانية، ليبدو إنسانًا صحيًا سليمًا، ولهذا أُشبّه العزلة المزمنة بحالةٍ مُفترسة، لن تنتظر لك رأي، قد تصيبك وتزعزعك من أضعف حالاتك الوجدانية، عندما تفقد حلم/حبيب/عزيز/بيت/سيارة، أو يخيب أملك، وهذه الحالات الوجدانية الضعيفة في الإنسان والتي من خلالها تدخل العزلة لحياته وتمهّد للاكتئاب وبقية الآفات النفسية مجلسًا، لذلك فإن العزلة ليست ردة فعل صحية مطلقة، والإفراط بالاعتزال يسبب نتائج وخيمة.

إذًا كيف نتزن بالعزلة؟

نتزن بالعُزلة إن أصبح في مخزوننا تنشئة مستمرة للعلاقة بيننا وبين الله، فإن كانت عُزلتك لا تبصرك لطريق الله ولا تحبّب لك أحب الأعمال لله فأنت في عزلة مرضية ليست صحية، فهذه الفائدة المنزهة عن كل خزعبلات الفلسفة العصرية، فالعزلة في مكنونها الجوهري إنارة البصيرة في الدين والتفرغ لأداء الواجبات الدينية وكف الأذى غير المُحتمل، وتخفيف حمل الدنيا على العواتق، كذلك العزلة لا تحرم الإنسانية من الحضور وهذا من حكمة الله في تطبّع الإنسان أن يكون إنسانًا، فالإنسان يحيا بالإنسان، فإن كانت إنسانيتك حاضرة في محيطك فأنت معتزلٌ متزن.

ومن غايات العزلة الحميدة أن تكون رفيقًا لنفسك، تسمعها، تتفهمها، تعذرها، تحنو عليها، فإن لم تكن رفيقًا لنفسك فلن تُصبح رفيقًا لأحد، فالاختلاء بالنفس وممارسة طقوس الرفقة والرفق عليها ومعها يجعلك واعيًا بذاتك وبالتالي واعيًا بمحيطك، وهذه الاختلاءات بالنفس تجعلك متزنًا بالعزلة وفي مواجهة الحياة.

بالنسبة لك قارئي العزيز، كيف نحقق الاتزان في العزلة؟

ما الذي يُشعرني بالاتزان في حياتي؟ [ وسائل الاتزان ]

ما معنى أن يكون في جُعبتك وسائل مُعينة على تحصيل الاتزان ومواجهة الاختلالات الطارئة في الحياة اليوميّة دون تدفق المزيد من الاضطرابات النفسية والسلوكية والذهنية؟ كان هذا مصبُّ اهتمامي بالفترة الماضية بعد أن عصِفت بي ظروفًا على كافة الأصعدة، اجهدت نفسي في محاولة إيجاد الحلول المُناسبة التي تحتوي الموقف وتعالجه كاملًا من جذوره، ولم أكن أطمح للتهدئة، أو الاحتواء المؤقت، وهذا ما جعل الأمر طويلًا، واستنزف الكثير من مكاسبي المختلفة كالنفسية مثلًا! وبالتأكيد سيبدو الحديث سهلًا ومنمقًا ما لم تعير تنبيهات الحياة الاهتمام المستحق، وبطبع الحياة أيضًا؛ أن من يتجاهل حدثًا منها جاءته محملة بالأحداث الأشد وطأة، هذا حقيقة ما كان يحدث معي.

خلال بحثي في نفسي أولًا عن تركيز الخطط الطارئة في جوانب حياتي المختلفة، كأن أضع مصروفًا مخصصًا للظروف المادية الطارئة في حسابٍ بنكيٍ مُستقل لا اقترب منه إلا في حالات الحاجة الشديدة، وأن أشتري قميصًا يأخذ شكلًا لطيفًا مع ثمانية تنسيقاتٍ بدلًا من قميصٍ لا يُحتمل إعادة تنسيقه، أو الاكتفاء بأربعةِ حقائب ذات ألوانٍ مُحايدة لمدة سنتين مثلًا، وما على ذات المعنى؛ بالإضافة إلى ابتكار حلقات وصل في داخل عقلي لأتمتع بمزاجٍ معتدل لأطول فترة ممكنة دون الحاجة إلى كتم مشاعرٍ تكابد عناء الخروج، كأن اعترف بأن حالتي المزاجية قد أنارت الحمراء تنبيهًا لي بأنني اليوم احتاج مساحة راحة، ومن ثم التهوين عليّ بأنها ليست حالة مستمرة، و التخفف من الأثقال التي أدت إلى هذا الاضطراب المزاجيّ، و إعطاء المناعة وقتها الجيّد لتقوم بوظيفتها وتغذيتها غذاءً مفضلًا لها ويزيدها قوة، وغيرها الكثير من الأساليب المهمة التي لا بد من جعلها نمط حياة ولا تقتصر على جانبٍ فقط دون الآخر، بل شاملة للمادة والذهن والفؤاد، وجدت أنني مقصرة جدًا في انعاش الخطط الطارئة في حياتي، وغالبًا لا أفكر فيما سيصبو إليه الغد راكضة وراء اليوم ولحظاته، وفي رحلةٍ مليئة يشهد عليها دفتري الخاص، أوجبت على نفسي عدم انتظار الصفعة من الحياة لأصحو على ما فرّطت، منوهة لنفسي أن هذا كله سأتحصَّل عليه بعد سرقة لحظاتٍ منفردة مع ذاتي، وبداية الفكرة في أمورٍ صغيرة وبسيطة قبل أن أُطبّق الخطة الطارئة مع الأمور الكبيرة والمعقدة في المواجهة، ومؤكدة بأن الاستعانة ببوصلة تبصرني على نفسي ليس أمرًا مستحيل الحدوث، ولكنه مؤجل حتى هذه اللحظة، ليقيني بأن لا أحد بإمكانه فهم شخصٍ ما إلا الشخص ذاته، بخلوته ومحاورة ذاته، والتوصل لنتائج تناسبه.

فما الذي يشعرني بالاتزان في حياتي؟ بعض عادات صغيرة وسلوكيات حياة بسيطة هي الفارق في الحالة المتزنة التي أشعر بها هذه الفترة، سأذكرها هنا للفائدة وآمل أن تُشكِّل فارقًا بالنسبة لكم أيضًا، ورغبة مني في توثيقها هنا، إذ أنني شاركتها مع الأصدقاء على صفحتي الشخصية في الانستجرام.

  • تبنِّي قاعدة التخفف :

قبل أن تَعصِف بنا جائحة كورونا، تابعت إحدى الوثائقيّات الشيِّقة والتي تختزل تجارب في فنّ التخفُّف، أو ما يُعرف بـ: The art of letting go.. Minimalism ، والتي ألهمتني لإعادة ترميم بوصلتي في إدارة حياتي ومُختلف جوانبها لتحقيق المعنى الحقيقي للحريَّة، بلا شعاراتٍ أو أنماط وهميَّة مهترئة، وكانت فترة الحجر المنزلي الفرصة الثمينة بالنسبة لي لترجمة الأمر إلى واقع أستطيع لمس محاولاتي فيه وملاحظة نتائجه وتقييمها، ولم يقتصر مفهوم التخفف على الماديّات فقط، بل يطول الأمر إلى نوعية البرامج المُحمَّلة في هاتفي المحمول، ولم أبدأ بصغائر الأمور كما اعتدت، بل بدأت بأكبر شيء أُريد تحقيق الحريَّة فيه أولًا، المنزل، فالصناديق التي تملئ أرجائه باعثة لحالات المزاج القلق، وتكدّس الكثير من الأشياء زيادةً على المخزن الذي لا أجد فيه مكانًا لأضع قدمي، كان الأمر مريعًا يا أصدقاء، الفائض مُحبط جدًا رغم أنه يعطي شعورًا بالحريّة، لكنها حريّة مزيفة ما تلبث أنّ تنهار وتصبح مصدر قلقٍ وتعاسة، وهنا نجد العقدة التي تفصل في معانِ الحرية الحقيقية، على كلٍ؛ استغرقت عملية المسح الأوليّ لما يحتويه المنزل قرابة العشرة أيّام، ومن ثمّ عشرةٍ أخرى للمسح الثاني، وفترةٍ لم أحصيها للفرز النهائي وملئ الصناديق بالفائض، وتجهيزها للتبرع بها أو إهداءها لمن حولنا، وأخيرًا، أصبح هذا الفراغ مصدرًا استمد منه قوة الاستيقاظ، والعمل، والدراسة، والترفيه، أصبح المنزل يتنفّس إن صحّ التعبير، وانتعش بذلك ساكنِيه، وهكذا إلى أن أوجدنا مواطن قوة الحب للمنزل بتخفّفه من الفائض، تبع ذلك تطبيق القاعدة على المصروفات الشهريّة ما بينَ المهمة والكماليّة وتحصيل الجودة، ومن ثمَّ التخفف النفسي والسلوكي وإعادة بناء البيئة المحيطة وتغذيتها بالأنشطة المحببة والتي تساعد على إيجاد حلقة الاتزان النفسي بداخلنا، وعلى ذات سياق القاعدة، لم تُستبعد تطبيقات الهاتف من دورة التخفف، كحذف تلك التطبيقات الخاصّة بالتسوق وخدمات المطاعم، وإغلاق تنبيهات العروض المُغرية، بالإضافة إلى مراقبة منصات التواصل الاجتماعي ذات التأثير السيئ ومتدنية الفائدة والاستغناء عنها كليًا، والمحافظة على جودة محتويات الخط الزمني في تويتر وانستجرام وصندوق البريد، ولم أتوقف عند هذا الحدّ! بل بسطت القاعدة جاذبيتها على وتيرة حياتي، وقمت ببيع/إهداء/التبرع بالكتب التي أنهيت قراءتها أو التي لم أعد بحاجة إليها لمن حولي، كذلك عرضها عبر حساباتي الشخصيّة للبيع/الاستعارة وخاصةً الكتب الجامعيّة، وهكذا طالت الحلقة لتُحيط تفاصيل منّي، وآمنت فعلًا أن التخفف أسلوب حياة يحافظ على مكتسباتنا الملموسة وغير الملموسة بجودة وحريّة حقيقية، وليس بالصعوبة التي تتبادر إلى ذهنك حالما تقرأ تخفّف، بل المعنى أن تعيش مع ما تحتاجه فعلًا، لا مع كل ما تملك.

  • تحرر من القوالب المجتمعية:

تُفصِّل المجتمعات من حولنا ثيابًا ليست صحيحة المقاس دائمًا وبأقمشةٍ تُصيبنا بالحساسية المُفرطة تجاه الحياة وتقذفنا في مضمارٍ على هامشها لنواصل الركض كما يحلو للعادات والتقاليد، سالبة منا حقنا في عيشها وتحقيق نصيبنا منها، قد نناضل، أو ننكر وجودنا في هذه الدائرة، ولكن هذا ما يُخيَّل لنا، نحن بشكلٍ أو بآخر نُحلِّق في مدارٍ قد رُسم لنا سلفًا من قِبل المجتمع، وضوابط حياتية ما أنزل الله بها سلطان، تدور بنا إلى أن نتبنى شيئًا منها جبرًا في غالِب الأحيان، واعتلت الوتيرة في هذه الفترات أكثر من قبل وأصبحت القوالب المجتمعية تحصد أكبر عددٍ من الصحة النفسية للأشخاص، وفي قرن التكنولوجيا والوسائل الرقميّة أصبح الاصطياد سهلًا وسريعًا كالفايروس، ونسابق الزمن وذواتنا لنحقق ولو واحدًا منها لنبدو في صورة المجتمع ناجحين وأكِفَّاء، الذي يحصر جميع جوانب الحياة الرحبة في قوالب مادية بحتة، وبث الشعارات الوهميَّة في عقول الفئة الشابَّة خاصة بأن النجاح والإنجاز هو مال فقط، مِمَّا دفع الكثير للتخبُّط لتحصيله، وتشويه الوظيفة في أنظارهم بأساليبٍ مموهة، والكثير من الآفات المجتمعية التي يصعب تركيزها في نقاطٍ محددة، إذ أن كل فرد يُمارس عليه أسلوب ضغط إمّا في دراسته أو وظيفته أو عائلته أو أصدقائه أو نسبه والجميع كذلك، المتعلِّم والأُميّ والعاطل والكبير والصَّغير، والأُم والصبيَّة، الجميع بلا استثناء يتعرَّض لضغط مجتمعي، البعض قد يواجه والآخر يستسلم، لكن المهم أن نعرف أن هناك ثياب اجتماعية لا تناسبنا، وقوالب تدمّرنا، وأن النجاح يبدو جليًا في أصغر التفاصيل، ليس مالًا بشكلٍ كامل، ويجب أن نعي أن ليس كل ما يتبعه الناس صحيح، ولا كل ما يُقال كذلك، ويجب أن نتحرَّر من القوالب الاجتماعية التي تُفسدنا لنحقق الاتزان الذي يجعلنا آمنين نفسيًا بعيدًا عن المقارنات والوتيرة التي لا تشبهنا.

  • تعلّم فن إعادة التدوير:

من أكثر الأساليب التي ساعدتي جدًا في تحقيق الاتزان الداخلي حين تعلمت كيف أُعيد تدوير بعض السلع والمنتجات وربما الخدمات بأقل التكاليف المادية والنفسية والجسدية، عندما كنت صغيرة في المرحلة الابتدائية كنت أدمج الأقمشة ببعضها لأحصل على مجموعة مميزة للبس، واستخدام معدات التزيين كاللؤلؤ والشرائط الملونة لتزيين أطراف القطع العلوية أو السفلية، واستخدام الخيط والابرة ومحاولة تعلّم الخياطة اليدوية النظيفة، كنت أفشل أحيانًا وتخرج من يديّ قطعة فضيعة القُبح، ولكن أيضًا هناك بعض التجارب التي لاقيت عليها مديح العائلة، وإلى الآن استخدم الخيط والابرة لتوسعة/تضييق/تقصير ملابس والدتي، وتروق لي هذه الثقة الجميلة منها، والدتي التي شهدت على كل هذه التجارب في إعادة تدوير الملابس بصدرٍ رحب، إذ أنها لم توبخني يومًا إن ضاع شيئًا من حقيبة الخياطة المفضلة لديها.

إن فن إعادة التدوير رحب ومتنوع وشامل جميع جوانب حياتنا والأشياء التي نملكها، فليس مختصرًا على الملابس فقط، ومما تأكدت منه في هذا الفن أنه يبعث على الاتزان النفسي ويُهدئ الذوات المتعطّشة للحياة المتسارعة والأنظمة الرأسمالية، ولهذا كان صاحب الأثر الأكبر فيّ.

  • أوجِد مساحتك المفضلة:

فكرة إيجاد شيء في حياتك تستمتع به جدًا وتهرب إليه من ضغوط العمل أو الدراسة أو المسؤوليات والمشاعر، وأي شيء من شأنه أن يُبعثر اتزانك، فكرة منطقية وضرورية، ربما مكان، كتاب، هواية، مهارة، طقوس، كل شيء بوسعه إضاءتك في أظلم حالاتك يمكنه أن يكون مساحتك المفضلة، بالنسبة لي منذ صغري كنت هاوية في تزيين الأوراق والكتابة وصُنع الفواصل واقتناء الكثير من كتب التلوين، وحتى عندما كبرت كبُر معي حب هذه الأشياء، فحافظت على تواجد الألوان والدفاتر والأوراق القوية في مكتبي، أهرب إليها في كل مرة أشعر بخمولٍ في الإبداع أو الكتابة، أو القيام بالمسؤوليات.. غالبًا المساحة المفضلة لدى أي شخص هي بالواقع أمر مارسه في صغره بصورةٍ متكررة، فابحث عنها.

  • مارس جلسات الاختلاء بالنفس:

يُقال أن الذي يُحاور نفسه كثيرًا ويفهم نفسه وانفعالاته وسلوكياته يُصبح متزنًا ومنضبطًا أكثر، أؤمن بهذا، لذلك كما تحتاج أهدافي وطموحاتي لمراقبة وتتبع كذلك نفسي، فالاحتواء الذاتي مطلب مهم جدًا، أن تحتوي نفسك، وتصرفاتك، وتتابع سلوكياتك، هذا سيُقرّبك لذاتك أكثر، فخصص وقتًا تجلس فيه لوحدك، وتتأكد أنك تتمتع بالصحة النفسية والحيوية الكافية.

________________

هذا ما يُشعرني بالاتزان، ولربما تُصبح هذه المقالة مطولة، لكنني سأحرص على مشاركة الجوانب المساعدة التي ترمي بفائدتها على أيامي، لأُصبح أكثر اتزانٍ، وانضباطٍ، وتهذيبٍ ذاتي، ولربما تلمس فيها عزيزي القارئ شيئًا تحبذ تطبيقه وانتهاجه.

فن الحياة البسيطة – 1

مجرد تغييرات بسيطة في عاداتك وتصوراتك، هذا كل ما تحتاج إليه لتعيش حياة بسيطة.

شونميو ماسونو

هكذا ابتدأ الكاتب نصوصه المُثرية، بدايةٌ انفردت بتركيزي للحظات، وشعرتُ معها بدوافعٍ عدة للابتعادِ عن صخب اليوم، وإيجاد بُقعة ضوء انزوي إليها في كل مرة أشعر بمرارة الحياة السريعة وتراكُم الضغوط، أشبه ما تكون بالعادات، لقد ابتدأت رحلتي العميقة مع كتاب فن الحياة البسيطة في أوائِل شهر مايو، بتوصية من صديقة عزيزة، ورُغم تأجيلي المستمر لقراءته، أخيرًا أنهيتُ القسم الأول منه، الذي سَردَ فيه شونميو ماسونو ثلاثين طريقة لتنشيط ذاتِك الحاضِرة، وأحببتُ مشاركة بعضها، المُفضَّلة بالنسبة لي معكم نقلًا من الكتاب.

مقتبسٌ تمهيدي:

“في أيامنا هذه، كثيرًا ما نرى أشخاصًا يفقدون مواطئ أقدامهم – يشعرون بالهم والحيرة ولا يعرفون كيف يعيشون حياتهم، يبحثون عن شيء استثنائي في محاولة لاستعادة توازنهم العقلي. مع ذلك حتى إن نجحوا، تظل الأشياء الاستثنائية خارج نطاق الحياة اليومية.”

شونميو ماسونو

1- خصِّص وقتًا للفراغ (انتبه لذاتك): “كن مع ذاتك كما أنت، لكن دونما عجلة أو تسرُّع”، “تخصيص وقت لعدم التفكير في أي شيء، تلك هي الخطوة الأولى باتجاه تأسيس حياة بسيطة.”

2- استيقظ مبكرًا 15 دقيقة (وصفة ناجعة للقلوب المزدحمة): “عندما ينقصنا الوقت، يمتد هذا النقصان إلى قلوبنا، نجد أنفسنا نقول بشكلٍ آلي: “أنا مشغول، ليس لدي وقت”، وعندما نشعر أننا كذلك، يزداد عقلنا قلقًا وتوترًا.”

3- استمتع بهواء الصباح: “ليست كل الأيام متشابهة، مذاق الهواء الصباحي، لحظة وصول شعاع شمس الصباح، ملمس النسيم على خدك، لون السماء وأوراق الشجر، كل شيء يتبدل بلا توقف، والصباح هو الوقت الأمثل لأن تعيش تلك التغييرات بكل جوارحك.”

4- تخلَّص مما لا تحتاج إليه (سيُنعش هذا عقلك): “فارق الأشياء القديمة قبل اقتناء أشياء جديدة، عندما لا تسير الأمور على ما يُرام، نميل إلى الاعتقاد بأن شيئًا ما ينقصنا، لكن إذا أردنا تغيير وضعنا الراهن، علينا أولًا أن نُفارق شيئًا قبل أن نسعى إلى الحصول على شيءٍ آخر، هذا مبدأ أساسي من مبادئ الحياة البسيطة.”

5- رتِّب طاولة مكتبك (التنظيف يصقل الذهن): “عندما تخرج الأشياء عن نظامها أعِد ترتيبها، عندما تصير الأماكن فوضوية نظِّفها، قبل انتهاء يوم العمل رتِّب الأغراض على طاولة مكتبك، الأشخاص المُعتادون على ذلك يشعرون بصفاء ذهني أكبر.”، “لا تترك الهموم والمشاكل تُعطِّلك، لكي تبقي ذهنك يقظًا ونشيطًا، عليكَ أولًا أن ترتب الأشياء من حولك.”

6- أعدّ كوبًا لذيذًا من القهوة (السعادة التي تجدها عندما تُعطي الأشياء وقتها)، “الحياة تتطلب وقتًا وجهدًا، بعبارة أخرى، عندما نتجنب بذل الجهد والوقت، فإننا نتجنب مباهجَ الحياة، بين الحينِ والآخر، استمتع بالوجه الآخر للرفاهية.”

7- ضع القلم على الورقة بعناية (حوِّل انتباهك إلى الداخل)، “ممارسة فنون الخط والرسم طريقة من طرق التواصل مع ذاتك الداخلية، اترك ما يشتت بالك، واسمح للفرشاة ببساطة أن تتحرك على سطح الورقة، فكر أن تكتب أو ترسم بعناية واهتمام، ليس بنيَّة العرض على الآخرين، وإنما رغبة في رؤية ذاتك الداخلية، ستظهر ذاتك الحقيقية في خط مفرَّد أو حرفٍ واحد.”

8- جرِّب الحديث بصوتٍ عالٍ (طريقة لتحفيزِ نفسك وتنشيطِها)، “حاول أن تتحدَّث بصوتٍ عالٍ مرة كل يوم، حتى وإن كان ذلك بأن تُلقي تحيَّة الصباح بحماسةٍ كبيرة، قد تفاجأ بما يتركه ذلك عليك من أثرٍ قوي.”

9- ابحث عن مقولة تحبُّها (كيف تقضي بعض الوقت بصُحبة عقلك)، “فكِّر في تزيين بيتك بلوحة خط يدوي، يُمكن أن تكون مقولة مُلهِمة أو مقتبسٍ من كتابِك المفضل، أو شيء آخر يسمح لك بالتأمل الذاتي، لا يلزم أن تكون المقولة مكتوبة بخط بارِع الجمال.”

10- قلِّص متاعَك (لاتقتني إلا ما يَلزمك)، “عندما تذهب للتسوق، قبل أن تشتري أي شيء جديد، فكِّر قليلًا إذا كنت تحتاج إليه بحق، وألقِ نظرة أخرى على ما تملكه بالفعل، الظَفَر بالكثير من الأشياء ليس حريَّة، المهم هو الظَفَر بعقلية استخدام الأشياء بحريَّة.”

11- رتِّب مساحتك ببساطة (سيُضفي هذا بساطةٌ على ذهنك أيضًا)، “الحياة البسيطة تعني على سبيلِ المثال، أن يكون القدح الذي تستخدمه كل يوم لتناول القهوة هو القدح الذي تحبه حقًا، القدح الذي تحرص عليه وتعتني به وتستخدمه لوقتٍ طويل، لا تقتنِ إلا الأشياء الجيدة التي تحتاج إليها بالفعل، أسلوب الحياة القائم على البساطة هو الممارسة الأساسية التي سوفَ تصقل ذهنك وتجعله أكثر صفاءً.”

12- لا تضيِّع الوقت في القلق على أشياء ليس لك عليها سلطان (ما معنى أن تُصبح أخفّ روحيًا؟)، “اللحظة التي تنسى فيها إحساسك بذاتك.. سوف يصبح ذهنك شفافًا، والأشياء التي تُثقل على أفكارك عادة سوف تختفي، سوف يراودك إحساس مُفاجئ بالدخول إلى عالم بالغ الصفاء، هذا ما أقصده حين أقول إن روحك تُصبح أكثر خفَّة.”

13- خصِّص وقتًا تكون فيه وحدك، “فكِّر في وضع مفهوم (العزلة في المدينة) موضع التطبيق، ابحث عن مكان يُتيح لك الانعزال عن بقية الناس وقضاء بعض الوقت بمفردك، مكان وسط الطبيعة حيث تستطيع استعادة خلوّ ذهنك، بِضعَ لحظات من العُزلة يُمكنها أن تُنير الطريق أمام ناظريك.”

14- تواصل مع الطبيعة (ابحث عن السعادة الموجودة تحت عينيك)، “أنشئ حديقة مُصغَّرة في عقلك.. حاول أن تتواصل مع الطبيعة أنت نفسك، إذا وقعت عيناكَ على حجرٍ على الأرض ارفعه وانظر إليه، إذا رأيت أزهارًا تتفتَّح على جانبِ الطريق توقف وشمّ رحيقها، ثم داخل عقلك، أنشئ حديقة مُصغَّرة خاصة بك، هكذا ستشعر بالاسترخاء.”

15- ازرع حديقة صغيرة على شرفتك (بُقعةٌ صغيرةٌ لممارسة اليقظة الذهنية)، “إذا لم يكن لديكَ فناءٌ، يمكن للشرفة أن تؤدي الغرض، وإذا لم يكن لديكَ شرفة يكفيك إفريز نافذة، بضع أقدام مربعة هي كل ما تحتاج إليه، داخل تلك المساحة، حاول تجسيد المنظر الذي تتصوَّره في ذهنك، مكان يمكن لعقلك أن يهرب إليه، مكان يُتيح لك أن تنظر إلى جوهر ذاتك، ولربما صار مكانك المُفضَّل.”

16- التمس غروبَ الشمس (استشعر الامتنان كونك عشت يومًا آخر)، “عندما يحل المساء، خذ لحظة لترفع رأسك إلى السماء، استشعر الامتنان كونك عشت يومًا آخر، هذه اللحظة ستملأ روحك بالدفء.”

17- لا تؤجل عمل اليوم إلى الغد (المرء لا يندم على المستقبل)، “كلنا سنموت بنسبة مئة بالمئة، هذا هو قدرنا كبشر، نحن نعرف ذلك، ومع ذلك نظل نتشبَّث بالحياة في مواجهة الموت، بالنسبة إليّ أنا عندما أُلاقي نهايتي، سوف أسعى جاهدًا إلى تقليص تعلُّقي بالحياة بقدر الإمكان، إنني أتمنى عندما يحين موعد رحيلي عن هذه الدنيا أن أنظر إلى حياتي فأقول إنها كانت حياة طيبة، أتمنى أن أُجسِّد مفهوم الزن، ذلك المفهوم الذي يدعونا إلى أن نعيش بطريقة تنسجم مع فهمنا للحياة، وأن نُكافح سعيًا لإنجاز ما نستطيع إنجازه.”

18- ابذل قصارَى جهدك لإنجاز ما يُمكنك إنجازه الآن، سيعود هذا عليك بالخير، “لا جدوى من أن تحسد شخصًا آخر وهبته السماء بعض الحظ، ولا فائدة من أن تتحسَّر على غيابِ الفرص، ببساطة، ابذل قصارى جهدك لكي تنجز ما ينبغي عليك إنجازه اليوم، وبالتأكيد سيُصادفك الحظ على الطريق.”

______________

لقد كانت هذه مباهِجٍ مُثلى، ما إن اتخذتُها نمطَ حياةٍ إلا ولاقيتُ منها ما أسعدُ بهِ في ذهني و روحي، لقد كان وقعُها لطيفًا، واتباعُها خفيفُا، وسوف يمتدُّ بَهجةُ هذا الكتاب لسلسلة طويلة أنقلُ فيها لكم متفرقاتٍ منه، فالرِّحلة مُمتعة.

قوائم الأولويات وعلاقتها بالانتباه!

في ليلةٍ صيفيةٍ باردة على غيرِ العادة، وبعدَ ساعة ونصف من توقف هطول الأمطار على المدينة الصَّاخِبة، توجّهتُ إلى إحدى أمكنتِها التي ظننتُ أنها ستكون هادئة استنادًا على وقت خروجي الذي كان متزامِنًا مع صلاة التراويح، إذ أن المساجِد مُكتظَّة بالمُصلِّين، والتوقيت المِثالي لتجمعاتِ النِّساء في المنازل، وما بين الأطفال ولعب كرة القدم في شوارع الحارة علاقة حُب مَتينة لم تستطع عليها سِياط التكنولوجيا والتحولات الرقمية العنيفة، لقد كانت وجهتي إلى مُنتزه الحي السكني الذي أعيشُ به مؤقتًا، لقد تغيَّر كثيرًا عن آخِرِ مرة أتيتُ إليه، ازدادَ الاهتمام بأرضِهِ وخُضرتِه، رُغم أنني فقدت المقعدِ المُفضَّل نظرًا لعملياتِ التطوير، إلا أنني لم أحزن، ربما لأنني أتيتُ للمشي وليس الجلوس، تمسكتُ بيد عقلي وقدرتي على الإدراك والانتباه، كأمٍ تحكُم قبضتها على كفِّ طفلها المُشاكِس وتوجهه حيث تراه آمنًا له، فقد كان في مُحيط المنتزه الكثير من المُلفتات للانتباه، عطفًا على السَّماعة التي تطنُّ بصوت هاتفي وإشعاراته في أُذني بلا رحمة لحالة الاسترخاء التي أسعى للوصولِ إليها، ورغم كل هذا الضَجيج، تذكرت اقتباسًا لتوني روبنز: “حيثُ يذهب انتباهك تتدفق طاقتك”، فإن أعرتُ انتباهي لهاتفي فلن أنتهي منهُ، وإن خضعت ووجّهته إلى كل ما يدور في مُحيط المنتزه فلن أجني إلا الكثير من الفوضى، فمتى ما ذهب انتباهي بعيدًا عني، ستلحقه طاقتي لا محالة، وسأغرق في مياهِ التشتت والإجهاد النفسي والذهني والجسدي أيضًا، وفي بحثٍ عميق، استنتجتُ أن قوائم الأولويات هي الوقود الفعلي للانتباه، وبعد مرور ثمانية أشهر من الحياة المُنظَّمة، وقوائِم “الأهم فالمهم”، أقررت بجمالية أن يكون ليومك قيمة ومعنى يُساندان الحاجة الغريزية للإنجاز والتطوير المهني أو الثقافي ونحوه، فتلك اللافتات التي تُشجِّع على الالتزام بالقوائم وكتابة المهام بشكل مستمر ودوري لم تكن بلا هدف أو فائدة، بل إن لتدوين المهام اليومية والأسبوعية والشهرية وقوائم الأهداف وتنقيحها بين فترةٍ وأخرى عوائد مهمة وثمينة في تنظيم انتباه الفرد وبالتالي ينعكس على إنتاجيته في حياته الشخصية والمهنية والاجتماعية، بل والدراسية، ولم أعد إيجاد مبرر مقنع لكل من يُقلِّل من شأن هذه الخطوة، وهذا ما أنا بصدد ذكره دائمًا، وللتدوين وإعداد قوائم المهمات وتحديد الأولويات الفضل في الكفاءة الذهنية التي أشعر بها الآن، ولو كانت بشكلٍ نسبي، إلا أنها شكّلت فارقًا في جوانب حياتي، فلم يعد هناك صِراع ذهني وسطوة تسويفية على نمط يومي، وتلك القوائم هي ما ساهمت معي في فصل الجانب المهني عن الشخصي لدي، فأصبحتُ استطيع إيجاد وقتٍ كافٍ لكلاهما دون أن أهضم حق أحدهما على الآخر، أيضًا هناك مُتسع كبير للجلوس مع عائلتي وممارسة الطقوس المنزلية برفقتهم وارتشافِ قهوة العروبة والأصالة، القهوة العربية مع كِبار السنِ في العائلة، فامتطاء المبررات الواهية لن تجلب إلا المخاطر النفسية والضغوط الهائلة، والتسويف من الطرق الذي لا تنتهي إلا بأزمة، فلا تتخذه رفيقًا رحمةً بك، وبانتباهك، ولا شك بأن سحب النفس خارج منطقة الراحة فيه من الصعوبة مالا يُقاس ولا يُحكى، ولن ينجح به إلإ قلةٍ مُتقنة لأساليب التحكم في الذات، فإنني أعد منطقة الراحة إحدى الثقوب التي تُقيّدنا وتُبعثر رؤيتنا صوبَ أهدافنا، ففيها استقرارًا نفسيًا نُصبح في مُحيطها آمنين مُطمئنين بلا مغامراتٍ، ولا دروسٍ، ولا أُفقٍ جديد، وهذا الذي يُغرينا للبقاء بين حدودها، خوفًا من الفشل، وطمعًا في المحافظة على الروتين من أي ، ندوبٍ، إلا أنها تُبطء من نجاحاتنا، وفق تجربتي الشخصية بالتأكيد، فكم سلبتني منطقة الراحة الكثير من الفرص المهنية ونحوه، وكم قيَّدت خطواتي نحوَ أهدافي التي تكالبت عليها السنين بلا رحمة، وأصبحَ إيقاظها صعبًا ويتطلب نفسًا طويلًا، أيضًا من تلك الثقوب: الكسل والتسويف والإنكار، أعتبرهما وجهان لعُملة واحدة، وأحبذ تصويرهما بطريقين حافِلَينِ بالإغراءات، ويجتمعان في نقطة نهاية سوداء، في زاويتها مسكن مهجور لن تجد فيه إلا بقايا طموحٍ وأهدافٍ، وعبارات جلد الذاتِ والتوبيخ ندمًا على ما مضى، وعندما تُنكر أنه قد حان الوقت لوقفة حازمة تجاه ترنح ذاتك على خيطٍ نحيف من المُشتتات والمُغريات بحثًا عن التوازن الوهمي بين الترفيه عن النفس والعمل والاجتهاد، راكضًا ومُتبينًا لافتة (الدنيا قصيرة) بلا عملٍ أو جهد أو رغبة في انحراف المسار لوجهة تليق بالإنسان المكرم بالعقل والعمل، ومُستخلف في الأرض لعمارتها ، وتستمر في الإنكار وإطفاء الإضاءة التي لو قد أعرتها انتباهًا لأنارت لك طريقًا حافلًا بالإنجازات، وإصمات الطفل المتعطش للنجاح في داخلك، إن كل هذا جانبًا مظلمًا من الأمان المزيف الذي قد تشعر به تجاه مداركك الذهنية وأولوياتك بمصفوفة ركيكة، ففي وسط كل هذه المشتتات ووسائل الترفيه المُغرية، تتسوَّل النفس من الانتباه وقتٍ مُستقطع لتُزاحم صحتك الذهنية بالأمور والأشياء الفائضة وتحشوها بالتوافه، ويجدر التنبيه أنني لا أطلب ولا أشجع على تكليف النفس بما هو فوق طاقتها، ولكن لا نسعى لأن نكون مِمَّن ينجح باختلاق الأعذار وتشييد الشمَّاعات التي تلامس السماء بمبررات لا منطق لها، فالوقت لم يكن يومًا عائقًا أمام الناجحين، أيضًا التباهي بالجهل ليس من الدينِ، وكما أن من حق النفس علينا الترفيه عنها وعدم الضغط عليها، كذلك من حقها علينا العمل والاجتهاد.

فالذي لا يستطيع مُجابهة هوى نفسه سيُصبح إنجازه بطيئًا، أو يهجره، وهذا ما أُحاول الوصول إليه حد الكمال، أن أواجه نفسي وأنتزعُ منها سطوتها العنيفة علي، فهذه إحدى بنود التحكم في الذات.