مذكرة يومية: الأحد!

     الخامسة مساءً، ليس موعد كتابة التدوينة، بل ساعة القرار بنشرها.. نعم! هنا شخص مزاجيّته طاغية، وإمكانية تخلّيه عن فكرة تنشيط الذهن لكتابة اليوميات واستعادة اللياقة في المجال تُقهقه عند عتبة باب القرارات، كنتُ قد فكّرت بتغيير المسار لمذكرة أسبوعية عوضًا عن يومية، وأعرفْ تمام المعرفة والتأكد أنّه ما كان ذلك إلا تمهيدًا لمذكرة شهرية، ثم هوب.. لا يوجد كتابة! مجرّد مراوغات ألعبها مع الالتزام.. ولكن؛ لديّ طاقة سارّة، إذن لا داعي للقلق فليس هناك غضب ولا جدوى من تغيير الخطط🙂!

     لم يخطر على بالي في البارحة أنني سوف أستيقظ فجرًا بكل هذه الطاقة، والأخبار السّعيدة، لذا صدقًا كان نصيب أكل الفطائر اليوم، عفوًا فما خبزته لا يحمل شكل الفطائر الحقيقي، ولكنّها محاولة جيّدة ولا أُلام، هكذا كما جاء من قلبي، أحب الجبن رغم السّوء الذي يُلحقه ببشرتي، وأيضًا لا أُفضِّل الزيتون، لا أعرفْ لما وضعته، ولكن المزاج الجيّد يا أصدقاء. أثناء إعدادها فكّرت: إلى أي حد أنا مرنة؟ وأعني أن المرونة بحد ذاتها تقبّل، ثم قابلية للتغيّر، لخطة أخرى، لطريق آخر، لشعور آخر، رغبت الاطلاع أكثر على المرونة كمصطلح، ثم كفلسفة نحملها لدروب فكرٍ مختلفة ولم أصل لمقالة أو مقطعًا يُشبع الفضول والبحث جارٍ.

     حَمِل الشروق طقسًا لطيفًا، يعني من المُمكن شُرب الشاي السّاخن. أيضًا استلمت في الصّباح وأخيرًا هديتي لنفسي كمكافأة بعد السّنة الدراسية الطويلة والصعبة، وقد كان هذا هاجسي، فالتأخير في استلام الطلبات من شركات الشحن وتلف الكثير منها الفعل الفارق في ذروة المواسم كهذا، بالإضافة إلى الفستان الأبيض الذي اخترتهُ بعناية، اللون الذي لا أجِد مثيله في عكس هذا الارتياح والاستقرار -ولا أُعير الاهتمام لما يقوله علم الألوان-، نعم.. هذه مسرّات الأنثى البسيطة جدًا. قرأت بعد ذلك القليل من رواية عالم صوفي، لا أذكر متى كانت آخر مرّة قرأتها، ولكن الفاصلة وُضعت في الصفحة الستين، حاولت استكمالها، ولكن ما هذه الصّعوبة؟ لم أقرأ رواية بهذا التعقيد الذي يجعلك في لحظة اللقاء كما (الأطرش بالزفة)، فتضطر للعودة إلى الصفحة الأولى. اشتريتها في التاسع عشر من يوليو، 2022م! سنّة إلا شهر وهذا فقط محصولي منها.. صفر!! لكم أن تتخيّلوا هذا الانقطاع الكارثي بحق قراءة الكتب، على كل حال أستطيع تصنيف هذه الرّواية من الروايات والكتب التي ليس من صالحك وضعها على الرف بعدما تبدأ القراءة فيها، تأكّد أنك حالما تعود لإكمالها ستعود لصفحة العنوان، لا محالة! 

     مخرج: تأجّلت خطط السّفر، ولسان الحال: “وأنا ترا ملهوف حيل صوب الرياض الغالية”.

مذكرات يومية: السبت!

    السّبت، أضع قناع الزبادي والقهوة، ولا توجد خلفيّة صوتية، هدوء مُزعج، الطقس حار جدًا وأشعر بالشّمس فوق رأسي، لكن منظر الأشعة مبهج، انتهيت من مسلسلٍ قصير جدًا، غاضبة، ولكنني أُدير الأمر والشّعور، عادةً عندما أحس بهذه الشرارة أرمي كل ما حولي في حضن الحائط، ويستقبلهُ مني ويُقهقه: هل من مزيد؟ ولكن الآن وفي هذا الغرق أضع قناعًا واتأهب للكتابة، وعلى يميني فنجانُ قهوةٍ أصبح كالصقيع، إذن.. هذا تغيّرٍ للأفضل! برأيي.. دقيقة؛ لا أستطيع إيقاف قدمي عن ضرب الأرض! هذا السلوك الفاضح للهدوء المُصطنع، على كل حال، جهّزت في الصباح الباكر خليط فطائر منزلية، كنتُ في وقتها متحمّسة لخبزها وتناولها مع كأس شايٍ بالنعناع، ولكن حتى الآن ظلّ الخليط يُنازع نفسه ولن يتم خبزه، فالطاقة المزاجية الجيدة هربت بعيدًا، سأحفظه، ربما كان نصيب أكل الفطائر في الغد. 

    في أحد أركان معرض الكتاب ذاع صيت أحدهم، والمُتهم بالاعتداء على القاصرات وقد قضى محكوميته سنوات، تراود اسمه كثيرًا، للحظة فكّرت بأن هذا الاسم ليسَ غريبًا علي، وسلّة جرير الإلكترونية فضحته أخيرًا.. قبل فترةٍ طويلة أوصاني شريكي والذي كان بعيد كل البعد عن قراءة الكتب والقراءة عمومًا بطلب مؤلفًا للمتهم مع مجموعة الكتب التي أردت شراءها لأن وجهتنا بعد وصول الكتب ستكون واحدة، لذا سأُناوله الكتاب بيده ثم سأذهب بكتبي للرّياض الحبيبة، فرحتْ، أخيرًا سيُصبح هناك نورًا مشتركًا! تذكّرت المتهم، هو بذاته صاحب هذا الكتاب، قرأت ملفّه الجنائي ولحسن الحظ أن القضاء هناك كان شفافًا للغاية، وشعرتْ للحظة أن هناك خصلة بيضاء شقّت طريقها في شعر رأسي من هول ما يحويه، ليس مزاحًا، ولا افتراءً، وبعد قلب المنزل رأسًا على عقب وجدته ومزّقته، ثم حرقته، فلستُ أفخر بمثل هذه المؤلفات في منزلي وإن كانت ليست لي، وجودها لوحده بغيض ولن أسمح به، ويا ليتك يا شريك عندما اخترتْ كتابًا لتسلك طريق القراءة خلاله كان مؤلفًا محترمًا، هذا سبب آخر أستطيع البوح به من نوبة الغصب التي تحتضنني اليوم، أيضًا الجانب الساذج أن الكتاب لم تُطبع عليه بصمات أصابع منذ وصوله، لذلك أشعر أنني وضعتُ رزقًا في السّوء، وفتحت منزلي وخزائنه على مصراعيه لاحتضانِ تفاهةٍ ما -ولا يسعفني احترامي لنفسي كتابة كلمةٍ سيئةٍ أخرى لتصف حقيقة ما يجول في خاطري، فحتى الرّماد الذي تحوّل إليه الكتاب لم يشفي الغليل على كل أسباب الغضب. بالمناسبة؛ أتمنى أن نُنظّف دور الكتب والمطابع وما إلى ذلك من هذا الاجتياح فاقد القيمة.

    على كلٍ قرأت اليوم مقالًا رائعًا، شعرتْ به يُجسّد ما يجول في خاطري عن الاستقرار، (انقر هنا للقراءة)، أيضًا في نهايةِ المسلسل تُختبر العائلة الفقيرة بمنزلهم، تظنّ الأم أن المنزل مأوى، وهذا ما كنتُ أظنّه أنا، فيأتي الأب ليبدد كل هذا الظنّ بقوله: “ما تقولين عنه مأوى هو عائلتك، أولادكِ هم المأوى، أنا المأوى، المأوى ليس أربع جدران، ليس مهمًا أين تضعين رأسكِ على الوسادة، المهم مع من تضعين رأسكِ على الوسادة، ليس مهمًا أين تغلي طنجرتك! مأواك هو الملاعق التي حولها وعدد تلك الملاعق، الجدران لا تبكي ولا تضحك معكِ يا علياء، تتكلمين ولا تُجيبك! إن كانت عندكِ عائلة، هذا يعني أنكِ عندكِ مأوى أساسًا.. المأوى هو عائلتكِ يا علياء”. فلنهطل مطرنا المالح على العائلة، ولتكن منازلنا هي مأوانا، وليفرح كلٍ مع عائلته، ولعائلته.

مذكرات يومية: الجمعة!

(1)

         الجّمعـة، الثانية والربع ظهرًا، على الأريكةِ البيضاء، أحظى بوقتٍ هادئ بعدما أنهيتُ كافة الأعمال المنزلية، وفي الخلفيّةِ الصوتية: (أنا محمد الحاجّي، وهذ بودكاست آدم من ثمانية). أُتابع الحاجي من سنواتٍ طويلة، وفي أوقاتٍ سابقة كان هو الشّخص الوحيد الذي احتمل الاستماع إليه لأتفكّر وأتدبّر، وفي لحظاتٍ أخرى كنت أتقبّل النصيحة منه فقط وأرفضها من غيره. بخلاف أن تخصصه كان من طموحاتي التي تخلّيت عنها، يتناول في الحلقة هذه الطموحات الخاطئة والتخلِّي عنها، أعتقد أنّ العنوان بذاته يضرب بقعةٍ عميقةٍ داخلي! فأنا بذاتي أعيش طموحًا خاطئًا، ولكني أرفض التخلِّي عنه بأسبابي الخاصّة، يقول محمد: “هذه كلّها تكاليف غارقة، تجعل التخلّي قرارًا صعبًا للغاية، وتجعلنا نستمر حينما تجب علينا المُغادرة”، وفي موضعٍ آخر يقول: “نشعر بحميمية مع قراراتنا”، وهذا ما يُبرّر لي الاستمرار في طريقي، وبما أراه؛ فلم تكن المساوئ المقدرة مجدية للتخلِّي، وربما من الأساس هذا الطموح ليس خاطئًا وأنّ المشكلة في نظرتي أنا ومحيطي. نعم.. هذه مشكلات الإنسان.

          على جانبٍ آخر، أكثر بهجة: صدرت اليوم نتائج الفصل الدراسي النهائية، في الحقيقة كانت سنة صعبة للغاية، ثلاثة فصول بذلت فيها جهدًا مُضاعفًا، وجاء مقابله على قدره، فللعامِ الثاني على التوالي أحجز مقعدًا على مسرح التفوق، فالحمد لله حمدًا كثيرًا، والآن.. في عقلي تتراقص أفكـار (الصملة) التي يتحدّث عنها محمد الحاجي في الحلقة، فهدفي أن أُحافظ على مقعدي، و(أصمل) في آخر فتراتي في الجامعة، اسأل الله التيسير والتوفيق والسداد.

(2)

عندما أعلنت الإجازة فرحًا بها، ظنّ من حولي أنني سأُعوّضهم بوقتٍ أطول نتبادل خلاله الحديث والهموم، وأنه سوف أكون متفرِّغة فجرًا وظهرًا ومغربا، فأصبح الهاتف يُضاء على غير عادته و (الشرهات) لهذا الاختفاء تتزايد، وحمّلني الأقربون عبء التواجد، في الحقيقة منذ ذلك الوقت حتى الآن أود العيش في عزلة، أرغب بتصفية ذهني والتواجد مع نفسي أكثر من التواجد مع من حولي، أودّ التركيز عليْ، ما سأفعله وما أُريده، والتواصل مع عقلي، هذا ما كنتُ أنتظره من الإجازة، وهذا من الأساس نظرتي لمفهوم الإجازة، فما كتبته سابقًا عن لذة ترقب الإجازات: “كنت قد أخذت بجديّة منح نفسي أفضل الهدايا والأوقات، ولم أجد هدية أفضل وأصح من المزيد من الوقت الذي اسمح لنفسي فيه أن تعبث بالروتين كما يحلو لها، دون التزاماتٍ ولا أعمال”، وأُضيف إليها الآن الوقت الذي تعتزل فيه حياتك الاجتماعية قليلًا لتحظى به مع نفسك، ولنفسك، ليس أمرًا شخصيًا، ولن يكون كذلك قط.

أيام فوضوية..

     الخامسة مساءً، أتحفّز لكتابة هذه التدوينة ولا أعلم متى سأنشرها، ما أعرفه أنّها ستكون مزيج فوضوي جدًا من عدّة أيامٍ مضت ومشاعر. والخلفيّة الصوتيّة المُرافقة: “بكيت من العطش وأنا في غديرك.. شربت من الظمأ دمعات عيني”.  بعد هذا الانقطاع الطويل عن النشر في أكثر من منصّة اجتماعية، وعن المدونة، وتوقّف استلام أعمال المحتوى لأكثر من شهرين، إجراءات كانت بالسّابق عصيّة على التنفيذ، ولكن كنتُ حازمة وأخيرًا بشأنها لهدف التركيز على الدراسة، وتجلّى لي أنّها من أفضل قرارات السّنة، أحملُ منها الكثير من المباهج وأودّ مشاركتها كلها، وفي رأسي الكثير من الأمور التي ادّخرتها للكتابة، لكن المعضلة المستمرة: ما هو التمهيد المناسب؟ 

    عندما أشعرْ بالضيق وتتكدَّس الضغوط حولي، أسير عكس التيار، أتوقف عن ممارسة الأنشطة المُفضَّلة، أكره التفاعل مع المحيط الاجتماعي، لا أتحدث مع أحد وأكره أن يحادثني أحد، أتحوَّل لكل شيءٍ قابلٍ للاشتعال، انغمس في الضغط للحد الذي يجعلك تظن أنني أُرحِّبُ به، ولكن الواقع أنّ تلك طريقتي لمعالجته، آخذه معي لمساحةٍ فارغة، أو اصنع له من الازدحام فراغ، وندخل سويًا كهفَ الدَّواء، لذلك تكثر المشاكل والخصام مع من حولي في هذه الفترات، ولا أُحمِّلهم من الخطأ مقدارا. بل بدأتُ أفهم تقلّبات الإنسان الذي يبقى مرهونًا لتشكيل الظروف والضغوط حتّى يخرج منها سالمًا، الأمر متشعّب ومعقّد وله فلسفته الخاصّة، ويستحق عناء الخوض فيه لنفهم بعضنا بشكلٍ صحيح، لكن مع من؟ 

(2)

         في رمضان، قطعتْ مسافة ست ساعات بالسيّارة إلى مدينةٍ ما، أردت بحرها فقط، كانت إجازة قصيرة مُباغتة لم يُخطّط لها وبمثابة إعادة تأهيل للخاطر، من الإفطار، حتّى الإمساك، الغروب والشروق والبحر، تأمّلت أكثر المشاهد التي أُحبّها مباشرةً، بلا أي حواجز، ورغم ما مضى، عاطفيًا لا زلتُ هناك! حيث السجّادة البيضاء الرّقيقة، والحقيبة التي تضمّ كل الاحتياجات، كانَ كابوسي أن اضطر لشيءٍ ما فلا أجدهُ فيها وأتركْ البحر لأذهب وأجلب ما أحتاج من الفندق، لذلك كانت الحقيبة بحجم حقيبةِ السّفر. خلالها لم أفرّط بالعمل على ملف المشروع، كنتُ أُواجه النافذة المُطلَّة على البحر، وأكتب، أكتب الكثير من الهوامش والمراجع والتفسيرات، وفلترة الكثير من الملفَّات، الأمور التي لم أكن سأقوم بها بهذه الدقِّة لولا توفيق الله ثمّ هذه الإطلالة، مُتأكِّدة من ذلك. ولا زلت أُحاول أخذ الإذن لنشر البحث للعامة. 

          عُدتْ لمنزلي ولمكتبي، وللمسؤوليات التي لا مفرّ منها، وازدادت السّاعات التي يسرقها منّي مشروع التخرج، وافتُعِلَ بيني وبين إحداهن من فريق العمل سوء تفاهم يتعلق بحقوق التوثيق، شعرتْ أنّ الحل في انفصالي عن الفريق، لم تكن المبادئ المُطبّقة تمثلني، لولا محادثاتي مع العزيز تركي، بالمُناسبة، أشعر بالامتنان له لوقوفه الصّادق ودعمه المستمر لي، عمومًا لم انفصلْ، ورغم أن الأمور سارت كما ينبغي، لم تتغيّر نظرتي للعمل الجماعي، فلستُ من الصنف الذي يُفضِّل العمل ضمن فريق، وأرجو أن يحترم العالم أن هناكَ فردًا كجزء منه لا يُجيد العمل بهذه الطريقة الفوضوية، هُناكَ من يكون جودة عملهم المُستقل بجودة عمل فريق، وأكثر، لماذا هذا الإصرار في فرض وتطبيع هذا النوع من الجماعة؟ دعونا نتنفَّس ونُفكِّر ونُبعثر ونُنجز بطريقتنا. وبرأيي أن هذا لا يُنافي التنوّع بالأفكار وتوفير الجهد وما إلى ذلك من التبريرات، لم تقنعني. 

(3)

          حزينةٌ اليوم، أرغمني هاتفي على محوِ كثيرٍ من الصّور لتحرير التخزين، كنتُ أنتظر رسالة مهمّة جدًا، ما إن وصلتْ اقترن بها تنبيه التحرير، وإلَّا لن أستطيع فتح الرسالةِ وإكمال قراءة محتواها، مرّات كثيرة وجدتُ نفسي تحت سيطرة اختيارٍ سريع، كان هذا الأسوء بينهم، عندها كنتُ في الخارج ولم يكن معي إلا هذا الهاتف، لذا كان خيار نقل الصّور للحاسوب أو لجهازٍ آخر غير متوفّر، أو حتى رفعها سريعًا لسحابة تخزين، ولحاجتي لمحتوى الرسالة حذفت نصفها إرضاءً للسيد الهاتف. الموقف جعلني أفكّر مليًا بشأن طباعة الصور والذكريات التي أحتاجها، أو نقلها لأداة تخزينٍ خارجية، لا أعرف، ولكن هذه الأجهزة ليست جديرة بالثقةِ أبدًا. 

          علاقتي مع الطبخ متزعزعة ومرهونة بالحالة المزاجية، في الأيّام السّعيدة أُعد ما لذ وطاب، وتمتلئ السّفرة، وإلّا من ستعدّ البيتزا والفطائر في الساعة الثالثة فجرًا إن لم تكن سعيدة؟ كما أنّه يعجبني عندما يُلاحظ من سيشاركني الأكل ذلك من محتويات سفرة الطعام، فيرمقني بنظرة ضاحكة: أنتِ سعيدة اليوم! 

          في فترة انقطاعي عن الحياة الالكترونية، ثبتَ برنامج Snapchat فكان خاتمة كل ليلة أذهب فيها إلى السّرير وأُقلِّب المقالات، أُتابع المُبتعثة رزان في أتلانتا، أحب الطريقة التي تُفكِّر فيها، عن جمالية المشاهد التي تُلهمها، أحب حقيقتها وإنسانيّتها التي لم تتأثر بشيء من الابتعاث، والمنصات الاجتماعية، وأنّها بعيدة عن الشد والجذب البائس، وعن جودة نقاشاتها، أعرفْ أن ما يظهر لا يعكس حقيقة من خلفه تمامًا، ولكن أرى صدق إنسانيّتها المتجلية من خلف الشاشة. نعم.. لقد اكتسبت عادة سيئة يا أصدقاء، انضممتُ للجماعة التي لا تهنأ بلقمة أو تنعس ليلًا دون أن يكون هناك مقطعًا مرئيًا تتابعه أو خبرًا تُحلّله، هذا نتاج قهقهاتي وشماتتي!

(4)

          الخميس، الرابعة فجرًا، استعد لآخر امتحانٍ في السّنة الطويلة هذه، أعتقد أن عقلي قد اعتاد على السهر في فترات الاختبارات، حتّى لو كنت أموت من النّعاس كما هي حالتي الآن أُناضل لأبقى مستيقظة، في الحقيقة أنها رهبة تولَّدت بعدما فاتني اختبار في المرحلة المتوسطة بسبب النوم، بات هذا كابوسي، لذا لن أنام، لن أستلقي، لن أضع رأسي على المكتب.. بل سأخرج لمكانٍ ما إلى أن يحين وقت الاختبار.. بعد خمس ساعات، يا إلهي! من حسن الحظ أن هناكَ أماكن تفتح أبوابها في السّادسة صباحًا، لذا الأماكن التي سأهرب إليها من النّعاس متعددة، هيا.. ها أنا ذا وصلتُ إلى مقهى أضفته مؤخرًا لقائمة الأماكن التي استلطف الأجواء داخلها، لا أحب الزحام، أيضًا لا أُحب ذاك الهدوء الذي استمعُ فيه بوضوحٍ تام إلى أفكاري، خاصةً الآن، ليس الوقت المناسب ليشرد ذهني عن معالجة الفروقات في العملة الأجنبية -هذا موضوع الاختبار العملي-، وبالطبع فأنا فاشلة في السيطرة على تركيزي لمكانٍ واحد أو لموضوعٍ محدّد، لذلك كان الاختيار لهذا المقهى جيد جدًا. ذهبتُ إلى الجامعة في العاشرةِ صباحًا، تبقّى نصف ساعة، قضيتها في التأمّل بالمارة، وداخل رأسي تموج المعلومات التي حفظتها وفهمتها، وصوتًا سيئًا ظل يُراجع عليّ كل معلومة ويُشكّك في استعدادي، كمّ أكرهه! انتهيتْ من الاختبار تزامنًا مع أذان صلاة الظهر، مبتهجة بالورقة التي لم أترك فيها مساحة بيضاء، وفي طريق العودة شعرتْ أنَّ كل شيءٍ في المدينة قد تغيّر، الحقيقة أن نظرتي تغيّرت، هذه الإجازة، مرحى! نمتُ إلى فجر يوم الجمعة، لا أُبالغ، فأنا مُتعبة، عقلي مُتعب، ومن هنا عادت الأمور إلى سيرها الطبيعي، النوم في الليل، تناول الوجبات المنظّمة، الحالة المزاجية مستقرّة جدًا، الدنيا تعود لألوانها الزاهية، الكتب تحتل مكانها في المكتبة الصّغيرة، القهوة تغرق بالزعفران، الأريكة المهجورة صارت مكاني المُفضَّل لاحتساء القهوة، والقراءة، عقلي يُفكّر بطريقةٍ أخرى.

(5)

          صباح السّبت، أول قرارٍ قفز إلى عقلي جرد الملابس وتنظيف أدراج المكتب من الفائض، وتنظيم أدوات التجميل، الجرد الدوري للخزائن والأشياء عادة اكتسبتها من والدتي حفظها الله، كانت بين الحين والآخر تأمرنا بجلب كل شيءٍ لا نحتاجه لدينا، فتملأ الصناديق بالجيّد منها لتتبرع به، والتخفّف من اللاجدوى من اكتنازه، كنتُ أفعل ذلك منذ سنتين، وأُخصِّص العطلة الصيفية للجرد العميق والتخفيف، بالطبع اليوم لم أُطبّق ذلك على كل المنزل ومحتوياته، كان تركيزي فقط على غرفتي الخاصّة، في محاولةٍ لإعادة ضبط التوازن والاستقرار النفسي للمكان الذي أُحب وأقضي فيه معظم أوقاتي.

          تحدّثت حديثًا عميقًا مع أحدهم العزيز، منذ فترة طويلة لم أتجاذب أطراف الحديث طويلًا وبهذا الشكل في شتى الجوانب، اقترحَ علي فكرة عمل، وفي الأثناء قال لي: (فكّري، متأكد بأنّكِ ستُخرجينه بأفضل طريقة إن رغبتِ)، فرحت لهذه الجملة، وأخيرًا بات من حولي يفهم أنّ الرغبة بالشيء هي التي تحرّكني، فعندما لا أرغب.. لن أعمل! ولكنْ لأجله فقط بدأت أعطي فكرته الاهتمام، هل سأُضيف على كاهلي مسؤولية جديدة بجانب الدراسة والعمل الحر، لا أعلم!

          إلى هُنا، النّعاس يطرق بابي.. ألقاكم بخير.

نخب الوداعات، والسّذاجة!

التّاسعة مساءً، قضيتْ بضعة أيّام هادئة منعزلة في منزلي الصّغير، أُمارس الفراغ بأبهى أشكاله المحمودة بالطبع، عُدتُ بطاقةٍ جديدة، وهذا الانعزال الدوريّ الذي أقوم به بين الحين والآخر أُشير إليه بالامتنان ولكن لن أخوض كثيرًا في أمجاده. أحب لحظات الهدوء هذه، خاصةً بعدما سكنت تساؤلاتٍ في صدري، لا أشعر بها، وإن شعرتْ فإنّها لا تحرّك ساكنًا بي، هذا يعني أنّها بداية تعافٍ وعقود صلح بين المرء وداخله، حيث لا أصواتٍ تتعالى، ولا أخفافِ مواقفٍ تقرع على ضلع صدره، ولا حواراتٍ مؤذية للضّمير، المرحلة التي يكون فحواها: “فليحدث ما يحدث”، كل هذا بعدما ودّعت -مجازيًا- أحد الأشخاص المقرّبين، كتلك الوداعات الباردة والتي نترك لقائلها إثمها دون رد، ولا محاولات، بعدما يصدح بصوته عهدٍ على نفسه ألَّا يعود للتعامل معك، إذن، ما الطائل من المحاولات؟، قرأت مرّة بأنّ المرء لا ينفصل عن الآخر دفعةً واحدة، إنّما بالتدريج، وأنا أُؤكد بأن أوّل الانفصالات تكون عن طريق العاطفة، حيث يهذّب نفسه ألّا يبدأ الحديث معك، وإن لحق بكَ سوءٍ ما يواجه بالاستخفافِ مرّتين، مرّةً لشعوره بالخوف عليك، ومرّةً بأنّ ما بك لا يستحق الالتفات له والخوض فيه، ثمّ إن حادثته لا يستجيب، وإن استجاب لا يهتمّ، هكذا يُربّي نفسه حتى يُصبح لا يهتم فعلًا، يستنزف كل أبجديات اللامبالاة وأنت لا تشعرْ، ويصحو وفي صدره خطط الهجر وأنت لا تعلم، المشهد الذي يُكرّس فيه الإنسان أخبث نواياه وجهوده ومسالكه الملتوية للانفصالِ عنك، بينما تظنّ أنت أنّ الأمر لا يعدو كونه انشغالًا طبيعيًا ومساحة شخصيّة، فتصطدم أخيرًا بأن لوحة الوداع خُطِّطت أمامك، ورُسم قواعدها، وتلوّنت، كل تفصيلٍ بها كان أمامك، ولكنّك لم تنتبه لأنّ نيتك بيضاء، وحسن ظنّك -مأجور عليه- ولكنّه اُستُغِلْ، وأنّ وفاؤك ساذجًا، للعلمِ؛ حين تُدرك أنك ساذج هذا جرحٌ آخر، هكذا الحكاية، حيث لا يوجد هناك أبطال الطريق المختصر، ولا تَرِدْ في قواميسهم النّية الواحدة، والكلمة الواحدة، بل يسلكون ألاف مؤلفة من الطرقات لرغبةٍ واحدة وهي فراقك، فتُصبح ركلاتهم طوال كل تلك الطرق ضيوفك في ليلةٍ واحدة، لكنّك مُجبر على تحملها، فذلك السبيل الوحيد للشفاء مِمَّا ستتسبّب به فيك.

على جانبٍ آخر، أُقدِّس الذكريات، مهما تجلَّى السّوء فيها، لديّ مبدأ: اصنع الذكريات السّعيدة في الأماكن الحزينة، وعلى أثر ذلك صنعت اليوم فنجانًا من القهوة التركيّة، في آخر فنجانٍ منها وتحديدًا قبل ثمانية أشهر ودّعت شخصًا غاليًا، وفي اليوم التالي أجريت عمليةٍ جراحية مباغتة، حينها كان الحزن يقبض على صدري، بالتأكيد لا أوجّه لها أسباب ذلك الأسبوع السيئ من حياتي، ولكن كانت تُرافقني فيه كنوعٍ من التخفيف، فتكوّنت كل تلك الذكريات ولازمتها، كما أنني عاهدتُ نفسي ألّا أشرب القهوة التركية ثانيةً إلا عندما أكون في أكثر أيامي سعادة وانشراح خاطر، بعدما تتغيّر نظرتي لتلك الفترة، وها أنا الليلة أكتب هذه المقالة وبرفقتي الفنجان السّعيد، وكومةِ وداعات، وقلبٍ هادئ، وأفكار.. بالتأكيد ليست باكية، إنّما تشاركني القهقهة على سذاجتي في أيامٍ مضت، نخب السّاذجين الأوفياء.

تدوينة الصَّباح (1)

          العاشرة صباحًا، مقهى ليفكو المُشع! أُسمّيه كذلك لتميّزه في المدينة بجُدرانه، من لوحاتٍ واقتباسات، والأغصان الخضراء المُنسَدِلة بخجل، وأشعة الشمس التي لا يحجب نورها شيء، حيثُ المكان الذي يُشبهني! اخترته بعنايةٍ فائقة بعدما تجشأتُ أحداثَ شهرٍ بأكمله. ولكن لم أُعطِها حقّها كما ينبغي، مرّت على نفسي الأفكار ولم أجد متسعًا لفلترتها، لم أرغب إلّا بمكانٍ يتّصلُ مع ذاتي المُحبّة للمشاهد الطبيعية المُحفّزة لتأمّلاتي. وهذا يعني أنّكم على موعدٍ مع تدوينةٍ أخرى فوضوية.

          أمامي مباشرةً نافذة مستطيلة الشكل، أستطيع من خلالها ملاحظة البناء قيد الإنشاء، وخوفي على الرّجل الذي يتواجد على سطحه ويوزّع الأعمال مع مجموعةٍ من العاملين، بالمُقابل وباللحظة ذاتها، لا يغيب عن عقلي منظر الحقيبة التي سحبتها من بين أصدقائها لأُعلّقها على حائط غرفتي، بمحاذاة مكتبي، أعرف أن الذي دعاني لفعل هذا شعورًا داخلي: “يجب أن تتخلّصي مِمَّا تشعرين به تجاه هذا الحقيبة، أو تُعالجيه”. الأمر الذي يُثبت أننا نحملُ للأشياء نوعًا من الذكريات والمشاعر. هناك ضيفٌ آخر.. قصيدة! يا لثقلهما على ذاكرتي! كلاهما فيهما من الوجع ما ابتلعتهُ رغمًا عن قدرتي. كتبت في 14 مايو في نفس المكان الذي أجلسُ فيه الآن: (على المقعد الذي أمامي حقيبتي التي اشتريتها تحت وطأة مأساةٍ عاطفية، ربما يُقال عن هذا الفن المرسوم أنّه تجريدي، ولكن كل ما لحقَ بي جعلني أنظرُ إليه كفتاةٍ سحقتها الظروف حتّى أصبحت فاقدة لمهارة التمييز”، وما أعنيه بمهارة التمييز، قدرة المرء على إدارة توجّهاته لما هو أصلح له بالمنطق والعقل، ليسَ وفق عاطفته، فالعاطفة عندها همست لي: “ابقي”، ولكن تعارض البقاء مع الرّحيل جبرني على فقد هذه المهارة، ثمّ عزلني رغمًا عني. والآن أنا في ذات الموقف! ليسَ بالسّبب إنما باثنين من رفقاء السّبب: الحقيبة والقصيدة. فوضعي للحقيبة في أكثر الأماكن قربًا لي نوعًا من المواجهة، فلا لومًا عليّ إن انعزلت رغم وجودي! هذه طريقتي للعلاج يا سادة.

          في هذا الشّهر أيضًا، عرفت ما يُمكن لكذب الأصدقاء فعلهُ، أُنزِلهم أماكنًا مُميّزة، وأُميّزهم بالأوصاف، صُويْحبي ومُهجتي، ضيائي ونُوري، وصُدفتي الجميلة، سقط الضّياء بسببِ كذبةٍ لم يكن لها دافعًا غير: “لا أُريد النزاع”، وما الكذبُ بذاته إلا نزاع لا يُغتفر، وخصامٌ لن تُليّنه مئات الدوافع والاعتذارات، فأنا أعرف الكذب تمرير لعدم أحقيّتي للصدق! والصدق حين أتذكّره أغفر ما لا يُغتفر.

لستُ شخصًا مُنظّمًا إلا بالوقت، التزم بهِ بطريقة تُثير أعصاب كل من يعرفني، أشعر أنّني مُحاسبة على الثانيةِ والدقيقة، بخلاف ذلك فأنا كائن فوضوي في أشيائه، مكتبي شاهدٌ على ذلك، ولكن أُبعثر ثمّ أُنظّم، وإن كانت بعثرتي على حالها لأيّام، فهذا يعني أنني لستُ بخير عاطفيًا. الشّكر لأحداث الشهر العنيفة التي طحنت تنظيمي، فما نهضتُ من حدثٍ إلا وجاءني آخر بصفعته. أدفعُ ثمنًا باهضًا لهذه التكنولوجيا، والسّرعة في تناقل الأخبار واطلاعي على الأحداث رغمًا عني، فحيث تكون، هناك خبرًا يطير من فوقك، ولإنسانيّتك العظيمة لن تجرؤ على منع حطّه عليك، أو تناثره. لم أُصنِّع، ولم أُشارك حتّى في ذلك، لكن وبمجرّد امتلاكي هاتفًا مطوّرًا، ومن ثمّ حسابًا على أي وسيلةٍ اجتماعية، أو بريدًا الكترونيًا، أُعتبَر مُشاركة! بربكم!  لم آتِ بعد إلى تخوّفي من هذا الاتّكاء الكلي للتكنولوجيا في تسيير حيواتنا وأعمالنا وأرزاقنا، الكثير من المخاوف التي لا أفصح عنها بعد!

لا بأس أشعر وكأن هناك ماراثونًا للأحداث والامتعاضات التي جئتُ بها إلى هذه المساحة الشخصيّة، ولكنني أُحب الرّبط بين المشاعر المُماثلة، وهذا ما يُخيفني بشخصيّتي! عمومًا، أنت قارئ مُخلص إن وصلت إلى هذا السّطر، ثمّ ضع في عقلك أن أصعب ما يفعله المدوّن أن يُواجه الزحام في داخله بالاختصار.

11:50 صباحًا، الجزء الأول: تمّ.

السندباد الأعمى

         “فَانْظُر بِعَقْلك إِنَّ الْعينَ كَاذِبَةٌ – واسْمَع بِقلبكَ إِنَّ السَّمعَ خَوّانٌ” التطَّيلي الأعمى

هكذا بدأت الرّواية المنشورة في نهايات العام الميلادي الماضي، لصاحبتها الكويتية بُثينة العيسى. لمْ أُقرّر قراءة الرواية إلا بعدما قرأت خرائط التيه، وفضولًا لمعرفة أسلوب الكاتبة وحبكة خيالاتها ولم اتشبّع حتى هذه اللحظة. استنبطت من الرّوايتين أنّ الكاتبة تُركِّز على الجوانب الاجتماعية، الجرائم والحروب وحيثيات العلاقات، كانَ النّصف الأول من الرواية أخّاذ، وجدتُ أنني عرفت كل شخصيّة كما ينبغي، لم تكشفْ ذلك الكاتبة! ولكن القارئ حينَ ينغمس في قراءته يستطيع رسْم النقاط الدّاكنة فوق أوصاف الكاتب. تتشابه الرّوايتين نوعًا ما، من جريمة خطف الأطفال والمتاجرة بأعضائهم والاعتداء الجنْسي عليهم، إلى وجهٍ آخر من عالم الجريمة، الشّرف والخيانة، بالإضافة إلى الحرب، والوباء. لا أُحب التوصيات كثيرًا، والجزء الأكبر من قراءاتي مؤخرًا قائم على الفضول، إمّا ناحية الكاتب أو الكتاب. بمعنى آخر اقرأ لاكتشفْ، ثم أتعلَّم واستنتج، فأتغذى كما أُحب من هذا البحر، وأعتقد هناك من يوافقني بهذه النظرة. 

          تأتي الرّواية لتدعم وجهة نظري التي لم تتبدّل يومًا بأنّه: يجب أن يبقى الآباء أبطالًا في عقول أبنائهم مهما كلّف الأمر، ثمّ إنّ الطفل الذي يعيش طفولته كما أنه غير مرئي، لا يُسمع له أو يشعر بالودّ، يستمرُ نزاعه مع نفسه حتى الكبر، كما أن بعض الحقائق يجب أن تستمر في قشورها، وألّا نخدشها بتاتًا لأنها سوف تجرحنا لا محالة، فتزيد بؤس اللاتقبّل، وأنّ الخوض فيها ما هو إلا استدعاء لقهرٍ حتميّ، وهُنا تتجلّى فضيلة التغاضي، والمعرفة المحدودة، ثمّ المضي قدمًا. 

          بالأمس، وفي محاضرةٍ دراسية، كان المحاضر يشرح لنا متطلبات الدراسة التي جاءت كتكليف ضمن تكاليف المقرر، في خضم حديثه قال: ((يجب أن تتعلَّمنَ كيف يكون النقد البناء، حقيقي وقائم على مبررات منطقية، سواءً في الأبحاث أو الدراسات أو المراجعات، حتى في الكتب))، جملةً كافية لإعادة تنظيمي، فأعدتُ فتح مسودّة النصوص التي أعمل عليها مؤخرًا، رغبت ارتداء نظارة قارئ، لا كاتب يملك هذا العمل الذي أمامه، رغم أنّه من الطبيعي أن يتحيَّز المرء لنصوصه وأعماله، إلا أن ذلك يحول بينه وبين قدرته على تقمّص دور القارئ -أو هذا ما يحدث معي-، ولكن لا أشعر أنني أكون قارئة محايدة إن كانَ المجهر مسلطًا على ما أكتب. فلذلك يحتاج الكاتب والمدوّن دائمًا لمن يقوم بانتقاده، ليس شخصه إنّما أعماله وما شابه، هذا ما يدفعني في الوقت الرّاهن لإعداد قوائم بمهمة المراجعة لعملي المقبل في الرواية، إلى جانب تشجّعي على تعلّم نقد ما أقوم بقراءته بدلًا من ركنه جانبًا والاكتفاء بجملة يتيمة: “لم يعجبني”، بلا مبررات وتفسيرات. ها نحن ذا، نُضيفُ لونًا جديدًا لنا.

          مخرج؛ في الصّفحة 109 من الرواية: “كانت مثل شخصٍ استيقظ من حياته، ووجد أنّ كل ما يعرفهُ هو محض تزويرٍ لحقيقة لن يعرفها أبدًا”

مجموعات صورية برفقة الرواية، السندباد الأعمى، بثينة العيسى.

نصوص بلا سياق (2)

       السّاعة الثامنة مساءً، الخلفيّة الصوتية: “من بالي كل شيء يروح، وأنتَ على بالي”، اقرأ مذكرات حبيبة دوستويفسكي!

قال لها مرّة: “ها أنا ذا لا أزال أُمطرك برسائلي”، وأنا أيضًا.. لا زلتُ أكتب الرسائل المجهولة، ربّما يكون عنواني مُدوّنًا نهايتها، لأننا لا نعلـم متى ستكون رسائلنا لأنفسنا أسمى وأنفع، إلى أن تقع بالقلب معركة دامية بسبب كلمة.. فنتعلّم كتابة الرسائل جيدًا.

       لكنني أكتب على كل حالٍ، لعنوانٍ كُنّا نتشاركه في الماضي القريب. أيّ قبل أن تعصف هذه الكلمة بنا. قبل ألَّا يُصبح لباقي الكلماتِ صوتًا يستحقّ الإنصات. حينها تأكدت أن للفراق أسباب كثيرة، وأنّ مُعالجة الأمور فن لا يُتقنه إلّا قلّة من الناس، وألَّا تغتر بمن يعرفك، فعندما تتعارك عواطفك سيجهلك الجميع أوّلهم من تباهيت بمعرفته لك، حتى أنّك تجهل نفسك! ولهذا توقّفت عن قول: (أنا أعرفك) في كثيرٍ من المُحادثات المقرّبة، أخشى أن يأتي موقف فتُصبح هذه الجملة سراب.. فآخر شخص وجدتُ الطمأنينة بمعرفتي له اكتشفت أنني لا أعرفه أبدًا، حتّى أنني أحيانًا اتساءل: من هذا؟ لا بأس.. نحن قوم نتداوى بالكتابة! فتبلَّل بماء كلماتنا المالح يا قارئ.

       اليوم يكتمل الشهر الثامن برفقة القلق، كنتُ ادفع بشيءٍ ما كشمّاعة، ثمّ خرج هذا الشيء من حياتي تمامًا، فاكتشفت أن هناك أشياءً، ليس شيء.. أتذكّر الموقف الذي جعلني أُناشد أحدهم أن يفهمني ويحتويني إذا بدوت له على غير عادتي، لكن لا أحد بوسعه فهم الارتطام العنيف داخل صدرك نتيجةً للقلق، تبدو بخارجك متزن، بديع الكلم، مليء بالطاقة.. ولكنك في داخلك لا تكفّ عن الشد والجذب، لا تهنأ لك راحة، ولا تعرف للنوم لذّة إلا في يومين من ثلاثين يومًا -وهذه أضعف التقديرات-، وفي اللحظات التي تستريح فيها بالغ في ترفيه نفسك، اطغ يا عزيزي كما أنّها فرصة لن تتكرر.

       هل بإمكاننا مُسامحة من خذلونا؟ 

رحلة طويلة يُخيّل لك أن جميع تفرّعاتها ترمي إلى (سامح نفسك أولًا)، فجرّبت أن أضع نفسي أمامي، أُكلّمها عن الهدف الذي أعقد الجلسة هذه بسببه، استحضر كل المواقف والنقاشات خاصّتي، كل مفرداتي وردة فعلي، ثمّ توجّهت إلى ما آلمني، ولكن ما أفعله أنني أُدينني، فازداد غضبًا على نفسي. وجّدتني أحمل أخطاؤه فأُشكّلها على هيأتي، ربّما طبّقت طريقة خاطئة، ولكنها زادت المُعاناة ضعفيها، وأقامت في ساحات صدري عرسًا صاخبًا، الجدير بالإشارة أن كل هذه الطقوس جاءت بعد مدّة قصيرة من المواقف. يقول أجدادنا: “الوقت ينسّيك”، والحقيقة أن الوقت يُساعدك على اخماد غضبك تدريجيًا، إلى أن تصل لطريق تتذكّر فيه كل شيء، ولكنك لا تُبدي أي ردة فعل عنيفة كما السابق. فهلّا تركنا آلامنا للوقت يا سادة.

       مخرج؛ لم أكن معتادة على التقاط الصّور للسماء حينَ الشروق والغروب، كنتُ فقط اتأمل، واتأمل.. ساعات من التأمل. قبل أن اقرأ سطر بثينة العيسى: “يُمكن لمن يُطيل النظر إلى السَّماء أن يضيع إلى الأبد”، فافتّش عن أثر ذلك التأمل، فضعت داخلي.

نصوص بلا سياق! (1)

      السّاعة السادسة مساءً، في وسط غرفةٍ أتعمَّد إغلاق نورها كل الوقت تقريبًا، وفي النهار عندما تُنيرها الشمس، حيث المشهد الذي يبتسم لأجله فؤادي. على مدّ بصري الآن الهلال، يُزيِّن السّماء بينما تهرب من وجهي ابتسامة بأفكارٍ شاعريّة، أُردِّد تساؤل من رسالة طويلة كتبها فلاديمير إلى حبيبته: “كيف بإمكاني أن أشرح لكِ أنني لا أستطيع كتابة كلمة واحدة دون أن أتخيَّل طريقة نطقكِ لها”. وجدتُ كل ما يُحيط بي يدفعني للكتابة، لا أملك أدنى فكرة عمَّا أكتب، فقط أردت أن اوزّع أصابعي على لوحة المفاتيح، وأجعل قلبي يتدفّق كما يحلو له، دون اكتراثٍ لأبجديات الكتابة!

       في البداية، أخاف الاقتراب من الأشخاص الذين لا يُمكنهم الشعور بالفرح من أشياء بسيطة، أخاف جدًا، ومن موقفٍ أو كلمة يتيمة أهرب، بكل مسرّاتي الصغيرة، بدهشتي تجاه الأشياء العاديّة، وبالبهجة التي تُضيء ملامحي عندما أكتب جيدًا. لا أُحب إدانة العاطفة، والخير والإحسان، وتقزيم مسببات الفرح. وإلى هذه اللحظة أتمسَّك بما كتبته مرّة: إذا أردت أن أعرفْ عن تقدير الذي أمامي أُحدّثه أولًا عن الأشياء التي تُسعدني والاهتمامات، فإذا قدّرها ولم يستخفّ بها في الاتفاق والخصومة اطمئن له. فأنا مِمَّن يتكلم عن الذي يسرّه أكثر من الذي يُحزنه، فإن لم تُعطِ القيمة للسعادة كيف تُعطيها للحزن ومن ثمّ تُوازن كفة التعامل مع الحياة يا إنسان؟

       أيضًا، بعد شهورٍ عنيفة.. هدأ قلبي! نام غضبي، أم مات؟ لا أعلـم، لم أعد أشعر بأنني أودّ تكسير شيءٍ ما، أو الرحيل من مكانٍ هربتْ إليه من غمامة ظلم، لأهرب منهُ ثانيةً من تجربة رفضتني، عُوقبت خلالها بالصّمت، بالمُقارنة، وبالهَجر، قبل أن تخور قوة التمسّك التي أهبها لكل شيءٍ أحبه، ولهذه التجربة خاصةً، فانسكبت رغمًا عن الشعور، ولكن في منتصف طريق أُردّد: “كلما مرّيت بالي كلما، قلت حظي فيك من السّماء، صدفةٍ وحدة وعن مليون صدفة، جيت غيمة وأنا ذابحني الظمأ”. 

       قرأت في رواية السندباد الأعمى جملةً: “الصّمت يؤلم، وهي تجفُّ من الوحدة”، في مقهى شديد الهدوء، من الخطأ أن تمرّ هذه الجملة على شخص يتألم من الصّمت، خاصةً وأن سياق الاقتباس جاء بعدما فضَّل البطل الصمتْ أمام احتراق بطلته في نيران الظنون والأفكـار، من المهين وقمّة الأنانية أن تترك التي تحبّها تموج في بحرٍ يأكل الفؤاد كهذا، كما قالت بثينة العيسى: “من الأنانية أن تجعل المرأة تنتظرك إلى الأبد”، تنتظرك بكل شيء.

       إن أكثر ما يُقلقني أن أُسكن الحزن في صدر أحدهم طويلًا، الأمر الذي لا أُحب فعله لي، فكّرت بهذا بعدما استوقفتني تغريدة: “الشخص الذي يُحزنك لا يستحقك”، وإن جئنا لمقياسٍ أكثر منطقية، في كثيرٍ من المرّات لا نعلم نحن أنّ هناك من حزن بسببنا، لبراعةٍ في بلع المواقف والكلمات دون إبداء العتب البصري أو في لغة الجسد ونحوه، الميزان ليس عادلًا، غير أننا بطبيعةٍ ما لا نكشف أوراقنا منذ اللقاء الأوّل، إنما نعرف بعضنا وما يُسعدنا أو يُحزننا وما نُحبّه أو نكرهه مع مرور الوقت، لذا، ليس كل من يُحزنني سيئًا، وباتجاهٍ واحد الطبيعي في الخصام وسوء الفهم المبادرة للاعتذار، إذًا برأيي أن جملة التغريدة يجب أن تخصّ فقط من يُحزنك ويعلم بحزنك ويقرّ بإحزانه لك، ولكنه لا يعتذر ولا تبدر منه أي محاولة في تسوية الأمر معك.

       في ليلةٍ جعلتْ كل ما بعدها يبدو مخيفًا، أذكرها جيدًا، وأذكر قوله: “تُريدين كل شيءٍ لك”، رغم أنف المعرفة والثقة وكل هذه العاطفة، كان من المُحزن ألّا يفهم أن كل شيءٍ أردته كانَ هو فقط.. كيفما كان! بحقيقته.. ومن المؤلم أنّه لم يعتذر لأجلها بعدما مضى مئة وخمسة وسبعين ليلة وحتى الآن، وعليك التأمّل.

مخرج، القارئ بخيالاته نوعين: نوع يُريد أن يكون كل ما قرأه حقيقة رغم أنف الكاتب، ونوع يريد التكذيب رغمًا عن الحقيقة المتجلية.

.

أثناء الاختبار النهائي..

السّاعة العاشرة والنصف صباحًا، مبنى المحاضرات الفرعي

بدأ الجميع في تنظيم المقاعد، ثمَّ..

سكون تامْ!

بعد مضي نصف ساعة جاء صوت مرتعد من مكانٍ قريب ليُزعزع طمأنينة كل من في المبنى، ليرتفع بعد ذلك فيتحوَّل إلى بكاءٍ وشهقات تفطر القلب، زميلة تمرّ بنوبةٍ ما يُشخّصها البسطاء من الناس بالخوف والتوتر، وأبرز سماتها بكاء شديد، ولكن لا يحظرني ما الاسم العلمي لها، وقد تكون طبيعية خاصةً في أيّام الاختبارات النهائية للفصل الدراسي.

لا أعرف طريقًا لمُساعدتها، أو بالأصح، لم يُسمح لأي شخص مد يد العون لها وتهدئتها، وبالتالي اتّضح أن المُحَاضِرَات والمراقبات لم يكنّ يملكنّ أي معلومة للتعامل معها ومع ما تمرّ به، وفي الحقيقة لا يُطلب منهنّ إجادة التعامل مع هكذا مواقف، بل الذي أطالب به أن يكون هناك لجنة -وهذا الذي أعلن عنه التعليم الجامعي مؤخرًا- مؤهلة للتعامل مع الحالات النفسية والنوبات والاسعافات الأوليّة وكل ما يستدعي تدخل سريع، ولكن أعتقد أن هذا الإعلان بقيَ في رف الإعلانات ولم يشغل حيز التنفيذ، مع الأسف.

لم يستفزّني كل ما سبق، الغضب كلّه تكدّس بعدما قالت أستاذة منهنّ: “ما تذاكرون، وتبكون عندنا”، لا أمازحكم.. هذا ما قالته بالحرف! ثقافة اللوم تتصدَّر كل المشاهد رغم افتقاد المعرفة التامّة بمسببات الموقف، وأسفي أنها خرجت من قامة حاصلة على شهادة الدكتوراه في تخصصها الذي تنقله لنا، راقبتْ الموقف جيدًا، بقلبي قبل عيني! لم تملك حق رمي هذه الجملة في وجه الطالبة، بينما هيَ الأخرى تغرق بدمعها ورجفتها ومحيط الأنظار اللائمـة والسخرية.

لا أعرفها، ولا أعرف سبب نوبتها تلك، ولكن الذي متأكدة منه أنها كانت فقط تحتاج لمن يُعزّز ثقتها فيما درسته قبل دخولها لهذا الاختبار وأنّها تستطيع بهدوء مواجهة الصعاب التي تشكّلت في رأسها حال استلام الورقة، كانت فقط تحتاج للهدوء والثقة بأنّها تستطيع، لِمَ كان تقديم ذلك لها صعبًا إلى هذه الدرجة من جمهور المراقبة؟!

يتعرَّض الجميع للنوبات باختلاف مسمياتها، بعضنا يستطيع السيطرة عليها داخل جسده ورأسه، وبعضنا تخرج الأعراض رغمًا عنه، يرتعش/ يبكي/ يختنق/ قلق/ ألام جسدية/ الغثيان والقيء/ التعرّق/ الدوار/ الخفقان… إلخ. وهذا بحسب بحث سريع عن أعراض النوبات الواضحة، ولكن في موقف كالاختبارات النهائية، فالأمر يخترق كل المسميات، ولا أعرف طريقةً أفضل من التحفيز على الهدوء بالاحتواء وتعزيز الثقة.

الأمر الآخر، من المعيب الوقوف في وجه المساعدات، خاصةً إن كنت كقائد غير مؤهل للمساعدة، لِمَ تكفّ أغصان المساعدة إذًا؟ 

يبررنَ رفض مساعدة معارفها لها بأنهن طالبات وبنبرةٍ حادّة: “كلٍ في ورقته”! والحال أن دعم من تعرفه حقّ المعرفة أكثر فائدة من مجموعة المراقبة! بل بشكلٍ عام في كل جوانب الحياة، يد واحدة تألفها وتُطبطب عليك، أخير من ألف يدٍ لا تألفها، فالتنازل قليلًا ما دام المنطق لا يرفضه لا يُفسد للمصالح العامة أي قضيّة.