توقَّـف.. وتأمَّل!

مرحبًا بكم، سعدت جدًا بنشر هذه السلسلة على صفحاتي الشخصيَّة في منصتي TwitterInstagram وكانت ردود فعل القُرَّاء جميلة، والآن أسعد أن أُثبّتها في مساحتي الجميلة هذه!

بدأت سلسلة توقَّف تدور في بالي أثناء قراءات المحتوى الذي يدعو إلى مواجهة وتيرة الحياة المتسارعة التي صِرنا في عُمقها اليوم، ولا سبيل منها إلا بالعزيمة والإصرار، ومِمَّا كنت أحتاج سماعه صغت هذه السلسلة، وكما يُقال: من القلب إلى القلب.. بدأت الرحلة بالتذكرة الثالثة، وسُئلت لماذا لم أبدأ بالرقم واحد أو اثنان، لأن موضوعي هذه التذكرتين خاصٌ جدًا ودراميٍ بشكلٍ هائل، فعندما كتبت السلسلة من التذكرة الأولى، فضّلت أن أنشر بدءً من التذكرة الثالثة، فأهلًا بكم!

  • تذكرة رقم #3

هناك صوت في داخل كل إنسان يُرافقه كروحه، ويأتيه حين يُذنب، يَحزن، يَنكسِر، يَفشَل، يَزِلْ، يُخطئ، يَتوه، يَنجح، يَبتكر، يَتطوّر.. إلخ! ولو تأملت فيه قليلًا، ستجده حاضِرًا في كل حالاتك، وإن نجحت سيأتيك على هيئةٍ يستنقِصُ بها ما نجحت به، لكن سيُصبح أكثر حِدَّة حينَ تضعف، وَ وجودِ هذا الصوت له حِكْمَة، وكنت أتصالح مع استقرارِه ودوافعهِ وغاياتِه، حتى باتَ يُطيل الحديثَ معي عن أهدافي المرسومة على حائِط المكتب، ومتطلباتي في عملي ودراستي وما إلى ذلك، حتى شكَّلَ شخصًا آخرًا منّي، أكثر جزعٍ وجوعٍ وتيهٍ في دهاليز الحياة، لا يُرضِيه تقدُّمًا ولا سعي.. ولا أخجَلُ فضحه.

وبينما كان ينمو، كنت أنا من يُغذّيهِ، ويُحسِّن هندامه، ويَدعم معتقداته، قبل أن أجزم التغيير وأهدم بُنيانه، فسابقًا لم أكن مِمَّن يتساهلون حين لا تسِير أهدافهم وفق أهوائهم، بل كان الأمر محط جدالٍ داخل عقلي والكثيرِ من التساؤلاتِ الذي يُضخِّمها هذا الصوت بترحيبٍ مني، واستنزِفُ بها صحتي، وهذه الصِّراعات تتطلَّب موقفًا حازمًا منك فقط، فوحدك تستطيع تولِّي زمام الهدنة، والتحسين، وأوَّل ما سعيت له في رحلةِ توقَّف، أن أتدرّب على جعل المرونة أول سِمات العلاقة بيني وبين ذاتي، فليسَ كل شيء بإمكاننا إنجازه، ولسنا دائمًا في موضعٍ يسمح لنا بالعمل والإنتاجية وتحقيق كل ما نرسمه بمثالية.

بل ربما الإصرار على الإنتاج وتجاهل الحاجة الذهنية والجسدية والنفسية للراحة واستجماع القوى يجعلك أكثر سوءٍ في السلوك والتفكير، فتوقّف قليلًا، خذ قسطًا من الراحة من كل ما يؤذيك ولو كنت تحبه، اصنع فجوة تساعدك على الرؤية الواضحة، فليست كل الفجواتِ ضررًا، لا تفزع، أنت بمأمنٍ طالما تستطيع السيطرة على هذا الصّوت بداخلك.

  • تذكرة رقم #4

“لن تكوني أُمًا صالحة إن لم تعتني بنفسكِ”، إحدى حوارات فيلم الأمومة المُلهِم (Tully)، والذي يُرمز لاسم المربية الليلية التي جاءت للأُم مارلو كمُعجزَةٍ من السَّماء، لتمدَّ لها أيدِ العون والمواساة للأُمِ المُنهَكة، في بدايةِ الأزمة لم تُحبّ مارلو طلب المساعدة من أحدٍ قط، رُغم أن الجميع حولها يحاولون تقديم المساعدةِ لها لكنها ترفض وتُناضِل المسؤولياتِ وحيدة، وفي نهارٍ ما زادت نوبة بكاء طفلتها الرضيعة، ومع كل صرخةِ ضغطٍ صرختها مارلو، اتضح لها أن المُكابرة على طلب المساعدة لا يزيدها إلا توترٍ وتقصيرٍ واضطرابٍ نفسي وسلوكي، فقررت طلب المساعدة من هذه المربية تالِّي، وما إن بدأت تالِّي عملها، لاحظ الجميع تحسُّن الأُم، الفيلم مليء بالتفاصيل التي تُغيِّر نظرية بعض الأُمّهاتِ لفكرة طلب المساعدة مِمَّن حولهن، لذا يستحق المُشاهدة.

عمومًا ليس فقط الأُمّهات من يحتاجون لتقبُّل هذه الفكرة، بل الجميع، الآباء والأطفالِ والأصدقاءِ والإخوة، وكل إنسان يجب أن يتقبَّل أنه لا عيبَ في طلب المساعدة لإنجازِ أمرٍ ما. فمهما بلغت من الهمّة والاحتراف والإتقان والمعرفة والجودة والسرعة وحب العمل الفردي والإخلاص هناك حالات يستوجب عليك طلب المساعدة فيها رأفةً بك، وتوقَّف عن احراقِ نفسك واطلب العون ولا تُناضل في كل جهاتك وحيدًا، شُدَّ ساعدك بمن تثق بهم وبرأيهم.

  • تذكرة رقم #5

هناك حِيلة يُمارسها الإنسان على ذاته وهي التأخيرِ أو التأجيل، ولا ضرر في ذلك إن كان في حدودٍ سليمة تَرفَع لا تُسقِط، تُهذِّب وتُحسِّن لا تُفسِد، وكما قِيل:(لا تؤجل عمل اليوم إلى الغد)، العبارة التي كانت تقولها والدتي في طفولتي بسخرية، طمعًا في إنهاءِ واجبات الخط العربي المتراكمة، لم أكن أعرف أنها فضفاضة لاحتضانِ كل هذه الأبعاد النفسية إلَّا عندما كبرت بما يكفي لأُصبح واعية أن بإمكان الإنسان خِداع نفسه بالعباراتِ الرنَّانة بسهولةِ خداعِ شخصٍ آخر، لا أنوي التطرق لهذه الحيلة بلهجةٍ حادَّة تُبعثرك، لكن هذه المحطة هي أساس بناء علاقة صحيَّة بين الفرد وذاته. لماذا؟ لأنّ نفس الإنسان مكشوفة عليه، لا أحد لا يفهم نفسه، ولا يعرف حقيقة ما يبدر منه، جميعنا نملك مفاتيح أنفسنا، لكن الغامض أننا أحيانًا لا نودّ التعامل بوضوح، فعندما تريد أن تُحسِّن من علاقتك بنفسك يتوجب عليك أن تكون صادقًا معها، عطوفًا، حنونًا، متفهّمًا، واضحًا بلا حيل!

ومن صور الحيل النفسية الدارجة الآن: بعدين!

بعدين في القرارات المستقبلية، بعدين في الدراسة، بعدين في الوظيفة، بعدين في الزيارة، بعدين في التحسُّن، بعدين في التوبة، بعدين في التفقّه، بعدين في كل شيء تقريبًا، صغير أو كبير، مُباشر، أو غير مباشر!

فتوقَّــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــف

توقَّف الآن وتأمل في كل التأجيلات التي قمت بها في حياتك، وضع النقاط المناسبة للحدّ من تفاقم مشكلة التأجيل معك، وتفهَّم بأن هدف هذه الرحلة ليسَ بالضغط عليك بما لا تطيق تحمّله، إنما الهدف أن تُبصر على نفسك لغايةِ التحسُّن، وألا تُراكم الصغائر وتحتقرها.. وتذكر بأن كل صغيرة جسر عبور لحدوث الكبيرة.

  • تذكرة رقم #6

هناك محطَّات يمر بها الإنسان ويعبرها، لكن لن يعبرها كمَا كان! سيركن على جانبِ المحطَّة شيئًا منه، ويَمضِي بشيءٍ آخر بإدراكه أو رغمًا عنه، ربما عادة كان يُمارسها، أو مفردة ردّدها كثيرًا، أو سلوكٍ ما ومُعتقَدٍ لطالما آمن به، ربما يَخسر صديق أو مهنة وربما يكسبهما معًا، وغير ذلك الكثير، ظاهرًا أو باطنَا، يُحبّه أو لا يُحبّه. فالمخلوقات مرغمة على تجرُّع حُزن الخسارة ولذَّة الكسب، وهذا مِمَّا لا شكّ به، ولكن هل تعرِف أحدًا حطَّ رِحالهُ في محطَّةٍ ما مليئة بالأمتعة الحَزينة، وهو مجبرًا على حملها والمُضيَ بها، لكنه نَسيَ أن يَحمِلَ نفسهُ معها؟ هُناك من يدخل علاقة ويَعود منها خاسرًا نفسه، مكبّلًا بآفةٍ نفسية، وتمر فصول الحياةِ من جانبه وهُو ساكن! يَضع نقطة نهايةِ حياته بيدهِ ويطلب من الدَّنيا التوقف معه، متجاهلًا أن الدنيا لا تأبه بخساراتِه ولا تتوقف لتوقّفه! وأتطرّق للعلاقات لأنها مثالٌ حي ولا زال الوعيُ به قاصرًا، أيضًا هناك من يتلذَّذ بنُسخته الحزينة وكلما همَّ بالخروج دَفَع نفسه داخلها بعُنف، حقيقةً هناك من لا يَرغب بالتغيير أبدًا، وهؤلاء ليسوا محور التذكرةِ، إنما أكتب لأولئك الذين يرغبون بالتحسّن والتغيير فعلًا لا قولًا، لكن يجهلون السَّبيل لذلك، أقولُ لهم: توقَّف! ما دُمْتَ مُدركًا للأمر فستنجو، ما دُمْتَ موقِنًا بفصولِ الحياةِ التي يُرتّبها الله بأمره وحكمته فستَصِل! فتوقَّف، وراجع محطَّاتِك التي حملت كل شيءٍ فيها عدا نفسك، عُد إليها مجازًا، وأَنِرْ أضواء حاضرك بالقناعةِ والرِّضا بأنَّ كل هذه المحطَّات إضافة فقط، كل ما حولك إضافة، فتأمَّل متى ستكون هذه الإضافة نِعمةً أو نِقمة.

سلسلة العمل الحر – التمهيد

في الفترة الماضية، أي قبل ما يُقارِب الأربع سنوات، لم يكن للعملِ الحُر صدًا واسع وأهمية كما هو الآن، ولم تكن ثقافة الجَمع بين الدراسة والوظيفة، أو الوظيفة والتجارة منتشرة بين الطلبة والموظفين، إذ أنه كانت الصورة السائِدة أن تحصِر جهدك في مجالٍ واحد حتى تنتهي منه ومن ثمَّ تستأنِف رحلتك في مجالٍ آخر، بمعايير وتصورات جديدة ومُختلفة كُليًا، إلى أن بدأت هذه النظريات والثقافات المُجتمعية في الاندثار شيئًا فشيئًا بواسطة نسبة ليست بالقليلة من الطلبة والموظفين، وفي هذه الزاوية سوفَ استهدِف فئة الطلاب خاصة، لسبَبين؛ أولًا، لأنني طالبة، وأُمارِس عملي الحر والمُستقِل في ذات الوقت، وثانيًا؛ كوننا الفِئة التي يُسلِّط عليها المجتمع والوطن طاقاتهم التشجيعية ويُعوِّلا عليها الوعي والكفاءة لتحقيق سُبل النهضة، وفي ذَلِك مسؤولية ليست بالهيِّنة.

لم تكن خطوة ممارسة العَمل الحر مع الدراسة فى آنٍ واحد مدروسة بالنسبة لي، ولم تُكُن هناك أيّ أسباب مادية، فقد كانت خطوة ارتجالية أشبه بالتجربة، أنفث بها نمط تعليم ذاتي جديد على محصولي الأكاديمي والثقافي، وأُخفِّف من سطوة الفراغ ما بعَد الساعات الدراسية، نعم، واجهت صعوباتٍ كثيرة وطالت إلى تحصيلي الدراسي، وتحطَّمت معنوياتي، ورُغم الرفضِ المُستمِر الذي لاقيته في البداية، والاستبعاد من الترشيح، إلا أنني بقيتُ متمسِّكة بمبدأ واحد وقوي، (لن أبحث عن الكمال، يكفي أن أعمل بجديَّة وإتقان)، باستحضار: “إن الله يحب إذا عَمِلَ أحدكم عملًا، أن يُتقنه”.

وفي بداية كل الأمور، إن لَم تستطِع إِمساكِ زمامَ أمورك الدراسية والعملية وإيجادِ محطة توازن بينهمَا، فلا تُقدِم على الأمر، فمسألة أن تخسَر أحدهما مقابل الآخر غير مستحقة للعناء، وليست في نطاقِ نُصحٍ قط.

إنَّ العمل الحر مُتشعِّب المجالات، وغني بالمهارات والعوائد المُثمرة في رحلة صقل الطلاب لشخصياتِهم ومبادئهم، وفتحت الأسواق الوظيفية أبوابها على مصراعيها لمن يريد ذلك حقًا، وتوفير المنصات التي تتمتع بالكفاءة والمرونة لتواكِب التطلعات، فبداياتي كانت عبر منصة مُستقل الغنيَّة عن التعريف، منصة مميزة ضِمن مظلة حسوب، ويقصدها الملايين في الوطن العربي لإنجاز مشاريعهم والبحث عن مُستقلين لتوظيفِهم وفق بنود ووثائِق واضحة واحترافية تكفل حقوق الطرفين في العملية التي تتميَّز بأنها تتم (عن بُعد)، وهذا ما أصبح يُفضله الكثير إزاء الجائحة الصحية كورونا، وإكساب المزيد من الوقت وعناءات التنقل، ولا يُخفى بأن التجارة الإلكترونية إحدى صور العمل الحر والتي أصبحت مُبسَّطة أكثر مِمَّا سبق، فالرسَّام يستطيع الإستفادة من هذه النافذة لبيعِ لوحاته والتعاون مع العملاء حول العالم، كذلك الكاتب، والمُترجم، والمُصمِّم، والمُبرمج ومُطوِّر المواقع والتطبيقات..وغيرهم الكثير من المِهَن الإبداعية واليدوية، وهذا ما أُشجِّع عليه دائمًا، فإن لم تكن تنوي إطلاق عملك الحر مباشرةً، يكفي أن تتعلَّم في هذا المجال، بالإضافة إلى أن العمل الحر يتطلَّب أن تَسأل قبل أن تبدأ، تستجمِع جميع مواردك قبل أن تُنفِّذ، فيُمنع فيه كثرة الضجر من الملاحظات والأسئِلة التي يطرحها الطرفين على بعضهم، فالعميل يُريد أن يُنجَز مشروعه وِفقَ استراتيجيته الخاصة والتي تتوافق مع علامته التجارية، فحقٌ عليك أن تُنصِت له، كذلك المُستقل يجِب أن يُناقِش ويَقترِح، وأن يَصِل إلى نقطة إلتقاء مع توجهات العميل بشأنِ المشروع، وألا يتخذ مواقِفًا عدائِية وهجومية ضد العميل على فكرته، فالإنصات والمحاورة والاحترام هي لَبنة الأساس بين الطرفين لمواصلة إنجاح المشروع.

وهذه التدوينة سوف تتشكَّل وتمتد عبر سلسلة من المواضيع اللاحقة التي سأتحدث خلالها عن تجربة البداية، وأهم النصائِح التي ساعدتني في مجال العمل الحر، والمزيد من الجوانب الإثرائية.