الألم في مواجهة الامتنان!

اليوم السّادس من الانفلونزا الموسميّة -كما يُحب الأطباء تسميتها-، أجرُّ فيه بقايا انتفاخ الحلق والصّوت العالق في تجويفه، وردتني مكالمة من والدتي قبل يومين ولأنّها لا تفقه في نظام المراسلات الحديثة أي أُميَّة، ولا تملك أي حسابًا على تطبيق المراسلة الأخضر الشّهير، لم أرغب إعادة المكالمة، لسببٍ قاهر وهو عدم امتلاك صوتٍ مسموع، لقد كان الالتهاب يحبِسُ صوتي كاملًا، شربت كل المشروبات الدافئة في العالم حتى الماء الذي لا أُحبّه فاترًا جُبرت على شربه كذلك، هكذا نصحتني صديقتي، تقول أن العلاج في كثرة الدفء الذي أتغرغر به أو ابتلعه، بقيتُ يومين هكذا.

في هذه الأثناء اعتزلت حساباتي على منصات التواصل الاجتماعية، وتوقّفت عن استقبال الأعمال الجديدة في كتابة المحتوى والعروض التقديمية، والمسؤوليات المنزلية، وتكبّدت سبعة أيّام غياب في الجامعة، واختبار خرجتُ منه باكية، وبالتأكيد أهملت مدونتي، ولم أكن أتواصل إلّا مع شخص واحد أُطلعهُ على آخر الأفكار المؤلمة، والمشاعر المتكدِّسة، كانت رغبته الصّادقة في معرفة كل ما أُصارعه على مدار الساعة أمر يصنع في داخلي الأمان، لم يكن من السهل أن يتحمّل المرء آخرًا بتقلّباته المُتعَبة.

كان الألم فضيعًا وفي معركة مستمرة مع قوّتي، أشعر بعملية الدفاع وحشد خلايا المناعة الجيدة داخل جسدي وأجهزته، ومع كل تكبيرة استشعر ماهية رحمة الله عليّ، في هذا الدفاع وهب الله لجسدي التحمّل، ولأجهزة جسدي وخلاياه القوّة، إن العمل الداخلي الذي يقوم به كل عضو من أعضاء الإنسان لمواجهة الضرر بأمر الله مشهد يستحق التسبيح والتعظيم لله، سبحانك ربي ما أضعف الإنسان بلا رحمتك.

ولا يخفى على من هم مثلي في هذه النظرة للمرض، للقوّة، وللإنسان مدى سوء بعض التعليقات التي تُثبِّط من نزعة الامتنان البسيط التي نملكها ونعتبرها أغلى سلاح نواجه بها تقلّبات الحياة والإنسان على كافة الأصعدة واتطرّق لذلك لصورةٍ شاركتها عن وقائع الانفلونزا النفسيّة والجسديّة، قالت لي إحداهنْ: “وش هالفضاوه اكتب عن انفلونزا عادية وأكبرها؟”، لا أبُالي بشخصها بقدر افتقادها بالرحمة الإنسانيّة لمن يتألم، وللألم كمعوق عن الممارسة الطبيعية للحياة، فما هي الانفلونزا؟ وما الأعراض التي يصحبها من اختلال في الجهاز التنفّسي كاملًا، وافتقاد الراحة الداخلية بالنوم والأكل والشرب والقدرة على القيام بالأمور اليوميّة، والرغبة الملحّة بملازمة السرير وعدم تحمّل المشي والجلوس والضعف البارز في الأطراف، الألم الذي نسمّيه بالبيضاء (مهدود حيلي) التي تخلّفه الحرارة المرتفعة. وهذا لا يُنافي التحمل وما إلى ذلك، ولكن هل تأمّلت مرة بما يقوم به جهازك المناعي كتفًا بكتف مع الجهاز المتضرر في جسدك لمُحاربة الانفلونزا أو الفايروس أو أي مرض من الأمراض مهما كان بسيطًا بعينك أو عظيمًا؟

الشيء الآخر أن التحدّث عن الألم والتجرّد من الايجابية السّامة وسيلة من وسائل الامتنان -بتجربةٍ شخصية-، فليس القصد هو تقزيم صورة الألم أو تهويل وقعه، ولكن للألم كذلك قياسًا يتبعه كل إنسان ليتنفّس سالمًا نفسيًا على الأقل، فإن كان خفيفًا برؤية الأطباء لا يعني أنه لا يعيق الأداء اليومي، والمقصود بالخفيف أي أنه ليس قاتلًا بصورةٍ شائعة، فالتعظيم للنعمة الإلهية للجسد الضعيف ليعود كل جهاز في داخله لحالته السليمة بعد الإصابة -بمختلف درجاتها- وتأدية الوظائف دون تدخلات خارجية أمر يجب نشره وممارسته على الدوام في الإصابة أو عدمها، وهو إن شاء الله يدخل في التأمل في خلق الله، أي يتأمل الإنسان في نفسه وجسده وأجهزته الداخلية ثمّ يحمد الله ويشكره.

فهل يجب على المرء إبداء وجعه بطريقة عنيفة كيلا يستخفّ به من حوله؟ لا، فلا تمييز بالطريقة التي يتنفّس بها عن الألم، فهو ألم وان اختلفت قدرات التحمل، فلا استهانة به.

ميلادٌ جديد

مرحبًا، تستلم مهمة إكمال الحياة هاجرٌ أخرى، تحتفلُ بيوم ميلادها -الرابع من شهر صَفَر-، وتقفزُ للسنة الرابعة من سنوات الرشد، وتسدل الخمسة وعشرين ربيعًا بازدواجيةٍ مشاعرية، ولكن للفرح غير المعهود حضوره الطاغي.

اليوم أعيش لذّة مختلفة بانتصاف العشرين السّعيد، بحقلٍ من التجارب والنجاحات، وبأيامٍ متفاوتة بالمكتسبات والمكتسب العظيم الصحة الكاملة التامّة ولله الحمد لنفسي وعائلتي ومن أُحب، بقلبٍ راضٍ أُزيّنه بالقناعة بعون الله، وبعقل أجاهد ليكون بمأمنٍ من الصراعات الدنيوية، وبنفسٍ ساعية. أجدني مختلفة، لا أُشبهُ أمسي، بل أفضل، لم أُضيّق نظرتي للمفاهيم الشائكة، النجاح، المال، الفشل، المبادئ، الوحدة، التعلم.. ولا يُشبه تعريفي لها ما هو متعارفٌ عليه الآن، بتُ أرى في كل شيءٍ أشياء، وفي الرقم العمري ضعفيه من الحكمة، كما التي تملك مجهر مميز، له امتيازاته الخاصة والتي يخصّني بها.

لسان الحال في: “وَاِستَمَرَّ الحُسنُ في الدُنيا وَدامَ الحُبُّ فينا”

إيليا أبو ماضي

1444 هـ، عامٌ جديد

سنة هجرية جديدة، بصِعابها وتحدّياتها وملذّاتها وضحكاتها، بأحلامها المُحقّقة وأخرى على رفّ الانتظار لحين يجيء وقتها المكتوب، سنة عانقنا فيها ذواتنا التي صبرتْ وصمتت مهما تجرّعت من الخسارات والفرص الضائعة، وعظّمت الحصاد المثمر وكأنهُ لن يكون هناك حصادًا غيره. لقد كان العام المنصرم نقطة تحوّل في شخصيتي وعملي، لمستُ خلالها منافع العادات التي اتّبعتها، ونتاج تعاملي مع نفسي أولًا قبل التعامل مع المحيط، وجدتُ أخيرًا ما يُمكن للالتزام أن يفعله بك، ما معنى أن يكون للإنسان هدف فيسعى له عامًا كاملًا، يسقط تارة، وينجحُ في أخرى، يتعلّم بذاته كيف يتجاوز هذا وهذا، وكيف يُحافظ على ما يكتسبهُ ولا يأسف على ما اُنتزع منه، أشعر وكأنها سنة في رحم سنةٍ وفي ذلك أصِف ما بسطته تفاصيل السنة عليّ إيجابًا، فالحمد لله.

كنتُ في العام 42هـ كتبت في مقالة: عامٌ جديد، بداية عنوانها: انعِش عاديَّتِك!الإتقان والإجادة أخير وأجود فرصًا من اللهث خلف الكمالية.”، ولسنةٍ أُخرى لا نسعى للكمالية فيما نفعله.

مِمَّا أنا مسرورة في العام الماضي؟

لقد كانَ عامًا مليئًا بالمؤثرات والمخاوف، فرصة سريعة، أي لم أكن وحدي من يُنافس لكسبها، خسرتْ خلاله فرصتين في العمل، ولكنْ لستُ حزينة ليقيني أنه تنتظرني فرصًا أخرى، بالمقابل أنجزت كممارس عمل حر مستقل 58 مشروعًا إبداعيًا في المحتوى ما بين أفراد ومنشآت، وربّما تكون هذه النقلة الأكثر سعادة لقلبي إذ أنّه كان تقديرًا يفوق ما كنت أضعه ضمن أهدافي عندما عملتْ على مهاراتي في الكتابة وإدارة المحتوى، بالإضافة إلى أنني أتقدّم كثيرًا بشأن الإصدار الذي أعمل عليه.

والحدث الأكثر سرورًا عندما احتفظ المقهى المُفضّل بنصوصي على جداره، هذا ما عشتُ على قيد ما يهبه لي من طاقة لأكتب أكثر وأتحسّن، وأتحفّز للنشر.

كيف سأُخطِّط للسنة الجديدة؟

لا زالت علاقتي مع الأجندة متوتّرة كثيرًا، وحتى الآن كل ما أحبّ استغلاله كأداة للتخطيط هو دفتر غير مسطّر، وقلم.. أكتب كما يخرج الأمر من داخلي في كل صباح على أكثر من جدول ذاتيِ الرسم بتعرّجاته، وتقسيمات: مهام اليوم، شعور اليوم وتفصيله.. ومِمّا واجهته.

وأبرز بنود الخطة: أقرأ أكثر وأكتب بانتظامٍ في هذه المساحة التي أحبها، جلّ الحرص على الإتقان أولًا وعدم استنزاف الطاقة في غير مكانها.

وأخيرًا، سأفتحُ الليلة رسالة العام 43 التي كتبتها لنفسي في بدايتها، للمزيـد: عن تجربة كتابة الرسائل ، سنة سعيدة.

مذكّرات الغرفة الباردة

الثالثة فجرًا، كنتُ قد انتظمت بالنوم المبكّر ليلًا لشهرين متتاليَين، ولكن بعد الوعكة الصحيّة التي مررتُ بها اهتزّ هذا النظام قليلًا، فأصبح نوم الليل قلّة، أعتـقد أن هناك مغزى وراء تضاءل معدلات النوم الصحيّة -الليلية- مع الأمراض والوعكات الصحيّة، لا أعرف، قرأت مرّة أن مناعة الإنسان تعمل أكثر في الليل، ربّما خُرافة طبيّة أخرى.. لا علينا، قبل أسبوعَين خضعت لعملية جراحية مُباغتة، إذ أنني استعجلت الذهاب إلى المشفى بعدما أُصبت بألآم غير محتملة في البطن وصداعٍ فضيع، أعرفْ سبب الصّداع، وشرحته لطبيب الطوارئ، وبرّرت أنني أحتاج مسكّنٍ فقط ثمّ سأعود لمنزلي وأُكمِلُ مذاكرتي، ولكنّه رفض ذلك، قال أن الكشف الأوّلي يُشير إلى خطورةٍ ما، وأنّه بحاجة لتحاليلٍ أكثر حتّى يتأكد أن خروجي لن يُؤثر على حياتي، يا لإنسانيّة الأطباء.. لطالما حلمتُ بأن أكون طبيبة، ولكن شاء القدر أن أكون في ميدانِ المحاسبةٍ المُزدهر بالرياضيات والاقتصاد والقيودِ والقوائم، لغة المال العظيمة التي أحببتها.

في مثل هذه السّاعة من يوم الجُمعة الرّابع من ذو القعدة، أخبرني الطبيب أنه بات متأكدًا من حاجتي لعملية جراحية وأنّني مُجبرة على التوقيع على أوراق التنويم، عارضت بالطبع، لم يكن على كاهلي إلا امتحَانيْن في الجامعة، سأخرْج، لكنّه أخافني بكل تلك المضاعفات التي قد تنتج إن تأخرت بالخضوع للعمليّة، فخضعت بتردد، وطلب مني الاتّصال على أحد معارفي ليأتي ويُكمل تعبئة أوراق العمليّة، قلتُ له أنني سأفعل ذلك بنفسي، لا أحد معي ليحلّ مكاني في هذه الخطوة، جئتُ للمشفى لوحدي، وسأخضعُ للعمليةِ وأخرج إن أراد الله ذلك دون أن يكونَ هناك من ينتظرني، وربّما أخرجُ أيضًا لمنزلي بلا أحد.. صمتَ قليلًا ثم قال: أنتِ فتاة قويّة.

في ظهيرة يوم الجمعة، تم نقلي لمكانٍ باردٍ جدًا، كالثلج، غرفة العمليات.. كانت أخصائية التخدير تُملي علي بكل ما سيفعله الطاقم، ابتسمتُ وغفيت لا إراديًا، كانت آخر جملةٍ أسمعها: (?Why she smile) وهذا سؤال وتعجّب الممرضة لزميلتها.. لماذا كنتُ ابتسم أنا بينما التخدير الكامل يلعب مفعوله؟

استيقظتُ بعد ساعتين في غرفةٍ مختلفة، أقلّ برودة، مليئة بالضّجيج، شبه خالية من الأجهزة الطبيّة، ويدّي مغطاة بالإبر وآثارها، واشعر بالألمِ في بطني، مكان العملية.. أرى ومضات هاتفي، أُريد الإجابة، ولكن لم أستطع، طلبتُ شخصًا باسمه والحمد لله أنّه سُمح لي برؤيته، أعتقدْ أنني لن أكون قويّة بما يكفي لمجاراة الألم لولا اتكائي على كتفه، كانت هذه المرّة الثانية التي ينامُ فيها في مواقف المشفى الخارجيّة، لم يتركني لاسيما في هذه الحالات الصّعبة التي تُختبر فيها قدرتي الصحيّة، لطالما وجدتُه في السّراء والضّراء، مؤنِسُ روحي وأحبّه جدًا، وأدركتُ أن هناك من ينتظرني، ولستُ بلا أحد كما كنتُ أعتقد.

في اليوم التالي أخبرني الطبيب أنه يتوجّب علي محاولة المشي ولو لخمس دقائق، أُحبّ رياضة المشي، كنتُ دائمًا أمارسها وأُحفّز عليها، وأُعالج فيها شتات تركيزي والترويح عن نفسي، لكنْ في ذلك اليوم لم أرغب بالمشي أبدًا، مُتعبة كثيرًا، ليس جسديًا فقط، إنّما أشعر بالتّعبِ في داخلي، كنتُ قلقة وقليلة النوم قبل الدخول للمشفى بفترةٍ يصعب تقديرها، من أمورٍ كثيرة في حاضريْ ومستقبلي ودراستي ومهنتي وأخرى شخصيّة، عُرفتْ بأنني إنسانة تصنع من الأمور تفاصيلٍ مُقلقة، ولا أحبذ الكشف عمّا وقع بي في ذلك، ولكن الآن أسعى للتخلّص منها شيئًا فشيئًا، بل إنني قد تخلّصتُ من بعضها، كنتُ فقط أُريد الذهابَ في نومٍ عميق كذلك النوم الذي قطعني عن العالم في تلك الغرفة الباردة، غرفة العمليات. وعدم تذكّر أشياء معيّنة.. هل تعرفون أنني لا أذكر من تفاصيل الأيّام إلا تلك التي سبقت العملية بساعاتٍ قليلة، أجد صعوبة في تذكّر ماذا كنتُ أفعل في نهار الخميس، ومن الذي نقلني إلى المشفى؟ كانت هناك صور التقطتها وأنا في انتظار الطوارئ، هذا أقصى ما يُمكنني تذكّره.

كانَ هناك فتاة تُرافق مع والدتها، يفصل بيننا ستارة، ولكن يصلُ إليها مُناداتي للممرضات وحاجتي للمسكّنات، كانت تأتيني بين الحينِ والآخر لتسألني إن كنتُ بحاجة لشيء.. كنتُ أرى في عينيها حب الخير والمساعدة. بعدما ألحّ الطبيب علي بالمشي جاءت هيَ وطلبت منّي أن أسمح لها بمساعدتي على المشي قليلًا في ساحات المشفى، وافقتْ ومسكت بيدّي وساعدتني في المشي ذهابًا وإيابًا بلا كللٍ ولا ملل، هذه اليّد الثانية التي تمسّكت بي أثناء وعكتي هذه، وسأبقى ممتنة لها دائمًا.

بعدما منّ الله علي بالصحة والعافية وأصبحت في نظر الطبيب فتاةٍ قويّة فعلًا، أكملتُ أوراق الخروج، حيث المنزل، ذلك الصّغير الذي أحبّ كل زواياهُ وممرّاته، وغرفتي التي شهد كل ركنٍ فيها على معركةٍ نازلتُها، الآن أنا بين عائلتي، في فترةِ نقاهة ما بعد العلاج، أُمارس حياتي بامتنانٍ أكبر، وبعطاءٍ أكثر حذرٍ، وبتصفيةٍ كان من الأجدى القيام بها منذ وقتٍ طويل، وبنظرةٍ أكثر صفاءً، علّمني هذا المعترك ماهية كل شيء كنت أفعله، ولما فعلته، وكيف سأفعله مستقبلًا، وما الذي يستحق أن أحافظ عليه، وما الذي لا يستحق، وكأنّني كبرتُ لفتاةٍ معطاءة بحذر، ومنظّمة في كل شيء، حتى في مشاعرها.

وصلتني هذه الباقة من تلك الصديقة التي جاءت بها صفوف الابتدائية، لتكون بجواري في كل مراحل حياتي، شهدنا سويًا تقلّبنا على قيد الحياة، من مقاعد الدراسةِ حتى أعتاب الوظيفة، ومن العزوبيّة حتى الزواج، ومن ذلك حتّى الأمومةِ، كل ما مررنا بهِ لم يُغيّر في قلوبنا لبعضنا شيء، هي الصّديقة التي صارت بمنزلة الأُخت وأعمق، بيني وبينها مسافاتٍ طويلة، مدنٍ وشوارع، ولكنّها وصلت إلي بباقةِ وردٍ لامست قلبي، أحب الورد، ولكن كانَ منها مختلفًا، له وقعه الخاص الذي دفعني للاحتفاظِ بكل غصنٍ فيها حتى وإن مات، فلنّ أتخلّى عنه ما دام بي حياة، أودّ الاحتفاظ بها في قلبي، أصدقائي هُم من وقف معي، عائلتي الآن تحتضنني، لستُ وحيدة كما كنتُ أعتقد، أُدرك الآن أكثر من أي وقتٍ مضى أن هُناك من كانوا معي دائمًا لكنني لم أكن أراهم كما ينبغي.

شكرًا من القلب لمن أثبتْ لي أن العائلة أولًا، والصّديق وقت الضّيق، ومن يُحبّك حقًا لن يردّه عنك شيء ولو شُيّد بينكما ألف حاجز.

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه.

برفقة الشخص الذي سندني❤️

رحلةُ يوم..

في منتصف طريق سفرٍ تكرهه.. في رحلةٍ سريعة، وحدك من كنت بطيء! 

لا تود الوصول، ولكن تُريد لعينيك أن ترى كل ما يُحاك ضدّها، هناك ما يتّصل بين القلب والعين، وإن اختلفا بالرغبة إلا أن كلاهما يعتمد على الآخر للحصول على الحقيقة، لم تنجح في معانقة أحد خلال هذه الرحلة، تشعر أنّ هذا القرب سيهز صلابتك، وهناك غضب للتوّ وجد نافذة نور كنت تُحاول حجبها عنه لسنينٍ طويلة، نجحت بالطبع، ولكن ما هي الزلّة التي ارتكبتها ليخرج كل شيء من تحت سيطرتك؟ ما السّذاجة التي جعلتك مقيد إلى هذا الحد؟ ما لك لا تجد فيك ما يستحق ايقاف هذه الحرقة المالحة؟

دقيقة.. 

هناك همس، وهناك كفّ أحكمت قبضتها على ذلك الهمس، ولكن.. بعد نصف يوم سقطت قبضتها بين ركام الصّراخ، وكأن هذا المشهد الأسطوري الذي جسّد القوة والكتمان لم يحدث قط!

كل شيء على ما يرام، هذا ما عُدت وأنت تحمله، أيضًا عدت بمقدارٍ شاسع من لوم النفس.. على ما بدر منك وما لم يبدر منك، تشعر وكأنك محكوم بالاعتذار للعالم كله، حتّى علبة المياه التي تركتها وحيدة وفارغة على الطاولة فجرًا أنت مضطر لها بالاعتذار، وللدفتر الذي حملته معك لكل مكان ولم تأخذه لهذه الوجهة.. أنت آسف، تحمل في داخلك أسف لا ينتهي.

عندما يتعرّض الإنسان للاتهام على أمورٍ كثيرة ولفتراتٍ طويلة تُسلب منه عباءة التمييز والاطمئنان تجاه كل شيء، يُتهم، ويُتهم، ويُتهم، وتتواصل الاتهامات، فيظن أنه مُدان يحمل ورقة رابحة وحيدة وهي التبرير، يظن أن بملاطفة الموقف وتهدئته وإطلاق سيل من التوضيحات سيتحرر من هذه الوسمة، ولكن لا يتحرر، بل تزداد سهام اللوم الموجهة إليه حدّة، فيجد نفسه خال الوفاض من كل امتيازات البراءة، يسأل نفسه الكثير من الأسئلة، يبحث عن الأجوبة.. لا شيء! 

توقّفه عن التوضيح يجعل التهمة على بُعد خطوتين عنّه، فتلبسه.. ماذا عساه يفعل؟

أن يُدّفّعك توقّفك عن التوضيح أثمان غالية، كالعائلة، بينما تكون أنت مِمَّن يقدسون العائلة، إذن أنت بت نصف لا شيء!

فيمرّ عابر، تُسكنه أو يُسكنك.. المهم أنّ أحدكما شرع الباب للآخر، فتنظر في عينيه لائحة أمان، يهرعْ قلبك وتحبّه، وتبقى مطمئنًا أنه يحبّك، تقدّم له الوصل والمكانة والوداد وتتنازل، تراه يصدّقك، تتماسك وأنت تكشف مخاوفك له، تظنّه النور، بينما هو يستعدّ لإطفائك، تظنّه اليقين، وهو كل الريبة، وبحوارٍ يتيم تتحطّم التوقعات فوق رأسك، تكشف أنّك وحدك من كنت تبني، ووحدك من تزرع، وتسقي، ووحدك من كنتَ تضحك، والآن وحدك تبكي! أنت الآن خسرت نصفك الباقي، وبت لا شيء كاملًا..

فتعاد الكرّة.. وتجد نفسك تلوم مجددًا، وتعود بأضعاف الإدانة، تُكلّم نفسك، هناك معترك كان طوق نجاتك فيما مضى، هناك أكوام من الصفحات التي تُريد منك حفظ آخر ما تبقى من تركيزك وقدرتك العقلية لتحفرها داخل رأسك، ثم تسكبها على ورقة امتحان!

 ثمّ تستلقي.. كمظلوم سكنت كبده النار!

تستلقي.. كالذي لا يودّ الاحساس بأشعةٍ تداعب وجهه في الصّباح!

كالذي يُصبح باردًا..

مخرج؛ الألم يجعلك تتكلّم وكأنّك لست بطل القصّة..

حيث يُصبح كلٍ في نصابه..

أهلًا وسهلًا، كل عام وأنتم بخير قرّاء مُزدَانة

الحمد لله الذي بلّغنا شهره الكريم ونحنُ بأتمّ الصحة والعافية، وأضاءَ لنا بهجة عيد الفطر السّعيد ونعمه ووافر فضله يُحيطُ بنا.

والآن…

هل تساءلت مرّة كيف تجعل لكل شيء في حياتك نصابه الذي يستحقه أو مكانه المناسب؟

إن الحديث عن هذا السياق متشعّب ومترامي الظنون والأحكام -وقد أفشل في حصره-، ولكن نتفق أن الحياة تمضي باستقرار بعد إذن الله جل علاه حالما تمتلك مهارة إدارة التقديرات التي تُعطيها للأشياء وللأشخاص وللعادات وللممارسات في يومك، وموقنة بأن حصول اليوم على أكبر نسبة من الاستقرار -لاسيما في الأوضاع المتذبذبة الحالية- يُعطيك الاستقرار الأمثل للحياةِ كاملةً، أي استقرار الانفعالات والدوافع والمشاعر والنفس في الطوارئ، كتبت مرة أن التزامك بنفسك وسلوكياتك في مواجهة العقبات البسيطة، يُغذّي الروح المؤمنة في داخلك إن اصطدمت بالعقبات الكبيرة الفارقة.

وبعد محاولات جزلة في تحسين هذا الأمر على الصعيد الشخصي، فإنني اليوم أجد رغيفًا من الاستقرار إزاء هذه النظرة، تعلّمت خلالها أن المكانة شيء رائع إن أُعطي بدقّة، وعلى جانب العلاقات -وبمناسبة أنني للتو أخرجتُ نفسي من علاقةٍ فاشلة-، كنتُ أضعها في منزلةٍ واسعة في شخصيتي حتى أنني منحتُ لها وقتًا كافيًا لتنضج على مهل، ووقتًا أكثر لترتكز في حياتي، ولم ألقَ جزاءً، كانت سامة بالفعل، وكتبت الكثير في المدونة تحت وطأة سمومها، ولكن الآن.. وعندما وضعت نفسي في نصابها المستحق، والطرف الآخر كذلك، فإنني لستُ نادمة، ولن أُمهّد طريقًا لتعود هذه العلاقة إلى سابق عهدها -بل سأدفن كل الطرق- حتى أتجاوز، وباعتبار أن الحديث عن الشيء يجعلك تتجاوزه بخلاف المروج له أنه يعني أن الأمر لم ينتهِ بعد، فأنا أقول إن الكلام أحد قواعد بناء التجاوز والتخطّي، وبعدما كتبت وتكلمت لمدة تقدّر بأربعة أشهر، بات كلامي عونًا لي في جعل النقطة سهلة الرسم بعدما كانت صعبة، وأن كل تخلّي في مقابل كسب نفسي، لن أعدّه خسارةً، بل أرباح.

أما في جانب العادات؛ فإنني أعطيتُ عدد من عاداتي نصابها المستحق سواءً كانت بالأهمية أو المهم أو عديم الأهمية، وتنازلت عمّا لا نفع منه، ووضعت مكانه ما سيجعلني أفضل وأكثر هدوء، جلساتي الطويلة مع ذاتي ومحاوراتي المستمرة للأمور في يومي، جعلتني أكثر اتزان، وأكثر جودة في مواجهة العقبات، وعليه فإنني أقيس النظرة لكثيرٍ من الجوانب، وتأكدت أن تطبيق حسن التقدير بصورته الجيدة ستُعالج الكثير من المقلقات والمشتتات العاطفية والجسدية والذهنية، الأمر ليس تنظيريًا، إنما أحد أساليب الحياة التي سعيت لها، أن ترى نفسك منضبطًا جميل، ويُعزز الثقة بالنفس والجهد. وحيث يُصبح كلٍ في نصابه تتحقق الأهداف الحياتية بإذن الله، يُصبح الإنسان قادرًا على التمييز بين مستهلكات طاقته، ويحدد أيٍ له منها ثمرة، أن يكون للإنسان أولويات موضوعة بعنايةٍ فائقة أحد أهم المسير النافع، وما ذكر أعلاه أمثلة تُدغدغ فؤاد المرء، ولكنّها كانت أولوية تركيزي في بناء الأماكن المستحقة.

فهلّا اقتنع البعض أن أسلوب الحياة حقيقة وليست مجرد حداثة دخيلة لا نفع منها؟

ثقب في رداء الطمأنينة!

لستُ مميزة، أنا فقط أحاول أن أكون إنسانة تعرف كيف تُثبّت قدميها عندما تتداعى الأشياء من حولها، وتبتسم وتتلطف القول عندما يتحد كل شيء لإحزانها، أحاول أن أكون ذات قيمٍ سليمة ومبادئ واضحة.. ببساطة، أود أن أمارس بشريتي كشخص بسيط جدًا يملك موقفه وكامل تصرفه بقراراته وأحقيته بالبكاء وإبداء الضعف كسائر البشر..

أود الإحساس بصدق الاكتراث لأمري، لا أعرف سببًا منطقيًا لكل هذا التكذيب الذي أُواجه به كل ما يدور حولي، الذي أعرفه أنّي أُعاني أيامًا متذبذبة! أود الرحيل، ولكن أريد البقاء بذات الشدّة، أرغب بوضع النقطة التي لا يكون بعدها التفاتة، ولكن يبدو قلمي عاجزًا عنها كثيرًا، أبكي كل تلك الفرص التي تهرب من يدّي، وتلك التي أرفضها مجبرة، ربما في ذلك خيرة، ولكن أرغب في الدخول لمضمارها بكل أسلحتي! أعرف أنه يجب أن اتّبع مصالحي، الذي يؤلم وتتردد لأجله خطوتي أن المستقبل لم يعد شيء يخصّني وحدي وكل تلك المصالح هناك من سيدفع ثمنها معي.. يا الله!

أيضًا؛ يخنقني الاحساس بقرب انتهاء شيء أُحبّه جدًا وتلاشيه رويدًا رويدًا من بين إدراكي، شعرت بثقل التواصل ذاك الذي بدأ يُخيّم بيني وبين أحدهم العزيز، أصبحت قابعة تحت غيمةٍ سوداء تُهطل الوداع قطرة قطرة، شعـر قلبي بذلك، قلبي الذي لطالما وضعته جانبًا في كثيرٍ من المواقف.. ولكن ماذا أفعل بعقلي؟ بدأت أرى جدار النهاية ببصيرته، كيف أُكذِّبه؟

المزيـد من الكلام..

اليوم بُحت بسرِّي الذي لطالما حَمِلْته ونازعت كل تفاصيله وحدي، لا أنكـر أنَّ هناك نوع من الرّاحة التي اجتاحتني، ولكن أيضًا هناك جزء خائف.. من الشيء واللاشيء، كلاهما، من كل الأسباب والأحكام، ومن كل الظّروف التي أضعفتني حدّ أني أبُوح به، لا ينتابني الشَّك بما شاركته همّي، أنا فقط أشكُ بنفسي! نفسي التي اليوم تخلّت عن كونها الشخص الوحيد الذي بإمكانه حمل هذا السِّر، السّبب الذي جعلها قوية ومكافحة كل هذه السنين، أشكُّ في أن تجِد مخرجًا بعد ذلك للاطمأنينة، تلك التي توجس في داخلك الريبة من قدرتك على حملِ نفسك بلا أكتافٍ تسندك، هذه القوّة التي منحها لي هذا السِّر طوال هذه الفترة أخاف أن أفقدها بغتة..

ألحظ في نفسي نوع من النضج، لم أعد تِلك التي تنتظر التّصديق ولا عدم تخييب ظنّي! أستطيع قراءة الغدر في كل الوجوه، وأصبحتُ أحمي نفسي من كل شيء، حتّى من النسيم! نـوع من النضج الممزوج بالشّك الذي يلتفّ حولك عندما تنهدم على رأسك كل الأماني والتّوقعات، الغريب أنَّ هناك من يرى القوة بي، تكرار ذلك على مسامعي جعلني أبحث عن الذي لا أراه في نفسي، ما هي قوّتي؟  

لا أعرف كيف أُحدّد ثباتي العاطفي هذه الأيّام، وما نـوع الاتزان الذي أبحث عنه؟ اسأل نفسي الكثير من الأسئلة.. ولكني لا أجد إجاباتها لا في داخلي ولا في مُحيطي، وإن وجدت فإنها أقرب ما تكون إلى الضبابيّة، نوع من الأجوبة التي تكون بكلمةٍ وكلمتين! وتُغذّي تلك الاستفهامات عوضًا عن حصرها ومحوها، لم أشهد سنة بهذه الحدّة من التقلّبات كهذه السنة، هل هيَ ضرائب انتصاف العشرين يا تُرى؟

أدركت أنني أدفع الآن ثمن كل تلك القرارات التي اتّبعت طريقها إرضاءً لما حولي، كالعائلة على وجه الخصوص.. وكل تلك الجمل التي أنهيتها بـ (نعم) رغم أنَّ كل شيء داخلي يهتف بـ لا، أتذكّر بذلك اقتباسًا.. “كل القرارات التي تقوم بها الآن لها عواقب، ستُشكِّل ماهيتك، وما ستُصبح عليه”، لم أكن واعية حينها بشأنه، ولكن الآن أتمنى لو كنت أفهمه، حتى لا يكون هُناك جانبًا منّي لا أُحبّه، ولكنني أصبحت عليه رغمًا عني.

أيضًا أدركت أن الحياة المُزدحمة تُبقيك في مأمنٍ من كل شيء سيئ ينتظر فرصة فراغك ليُداهمك، ولا يسعى لملء حياته إلا أولئك الذين تجرّعوا المأساة والظلم بلا نصيرٍ في الحياة الدنيا، وما يُبقيهم ثابتين يقين واحد فقط، هُناك حساب أمام الله، سننتظر نصرة الله..

بحرٌ من اللَّايقين!

يتبادر إلى ذهنك الكثير من اللحظات التي ترتطم فيها مع ذاتك في مفترق الطرق التي تسلكها، لعلّ أسوءها أن تتجمّد في مكانك عندما تتزعزع طمأنينتك في أنّ حقيقة ركضك المستمر شيء في نفسك تودّ التخلّص منه، وليس حبًّا وشغفًا وأملًا كما تدّعي، تتخبّط اتجاهاتك لاهثًا وراء بادرة نهايته، فجأة تشعر بالظّلام وأنت قابع في ذروة النُّور، تودّ أن تجثو على همّتك، ليس استسلامًا إنّما للملمة الشّتات، حتّى وصل بكَ الحال بأنك لا تعلم حقيقة شجاعتك، تتساءل: ماذا لو توقّفت وملأت النّبع الذي يجعلني قادرًا على إكمال سيري، هل سأبقى راغبًا في الوصول إلى تلك الوجهة حقًّا؟ يا الله، هذه الشكوك التي تغزو الآمن مُرهقة، ولم يعد يُسكتها إغماض العينين، هل لو رطمت رأسك ستصمُت يا ترى؟ لا أعلم.. لكنّك ستكون تحت وطأتها بشكلٍ مؤلم، ولا ترغب في أن تُسْقِط قلبك في أرضها، شيء في داخلك يدفعك للأمام رُغم الأرض المُلغّمة، وهذه كفّك! تتأمّلها ولا تُريد لأحد فهم ماهية رجفتها ويشعر بيُتمها، ربما حالة تجاوزت الطبيعي في الكبرياء، أيضًا كل هذه الأرقام في هاتفك لم تُجيب، وكل الأماكن التي لطالما تغزّلت بالأُلفة على سورها أصبحت مُوحشة، اندثار السّلام إلى هذا الحد مؤلم والرغبة المفرطة في العودة إلى كونك غريب عن نفسك وعمَّن حولك تتعاظم، ولا تستطيع التخلّي عن كون كتفك عكّازًا لمن حولك، ولكن ترغب بكتفٍ ما لبضع الثّواني.

أحيانًا تشعر كما الصّندوق؛ مُمتلئ، يستنجد عدم إرهاقه بالمزيد! لكن لا أحد يشعر بما يُحاول حكايته، وأحيانًا تشعر أنّك تزوّدت بما تيسّر في الحياة ونسيت شيئًا باستطاعته انتشال كل هذه الغربة منك، نسيتَ من بإمكانه بلا كللٍ ولا ملل الحديث معك النهارَ بطولِه والليلَ بسكونه، عمَّن يزرع في قلبك روحه ويضمد بها الوحشة، وحال احتياجُك إليه يُخرجها ويلفُّ بها روحك، لا أن يذهب بها ويُعمِّق الاحتياج، أردتَ من يعرفك عندما يجهلك الجميع، ويشدّ هذه التجاعيد إن بانَ ضيمها، من يفهم عتبك تقرّبًا، واستراحتك تجعلهُ أكثر ما يجذبهُ إليك، تحتاج لمن يفهم حقيقتك! بل تحتاج لمن يُضيئ الحقيقة وسط كل هذا التكدّس للزيفِ والشّكوكِ واللّايقين في أيامك، أن يكون جهتك الخامسة التي تهرب إليها عندما تتداعى جهاتك الأربع، وكل الذي ترى نفسك بعينهِ من خلاله!

أيّام تتزعزع فيها وتترنّح على خيوطٍ من الأسئلة التي تبتغي إيجاد أجوبةً لها، لكنّ الجميع يُصرّ على دفعك لحفرٍ مليئة بالألغاز والتساؤلات والحيرة، ناضلت حتى بت طريحًا وهم يشهدون على كل شيء! وبين يديهم كل ما بوسعه إطفاء كل هذا الغضب والقلق، لكن لم يرغبوا تقديمه إليك.

خلّني بالحلم عايش!

كان من المفترض أن أُعيد حبر النُقطة وأُكمل المسير، بذاتِ خفّة الخاطر وبفراغ الفؤاد عند النظرة الأولى

ماذا لو أنّي رحلت بكل أشيائي؟ هل كُلّ هذا سيحدث؟

لا، كنتُ سأنعم وأسعد لكنني لم أرغب بالرحيل ولم أتوقّف بعد تلك النقطة!

ما مدى السّوء الذي سيَلحق بنا إن رغبنا في إكمال الرّحلة بعد عقبة النهاية؟ 

أشعر وكأن إجبارنا على النهاية هو الذي يصنع في عقولنا بداية ويُؤجج التساؤلات أعلاه في قلوبنا، لكننا نرضى بأجزاء الحلم وبلحظاته السّعيدة الكاذبة ونزدادُ تمسّكًا وتعلّقًا، لا نأبه بعقباتٍ وأشواك ولا بجروحٍ وفراق، يُصبح هذا السّراب سلوى فنمضي ونحنُ نضحك، وإن بكينا، فإننا نذرفُ دمعًا ضاحكًا، غريب كيف بإمكان الإنسان التّشبّث بآخر أنفاس حلمه بكل القوة هذه؟

قفز لعقلي سطر الأُغنية: “ولكن عُذرنا الحاضر، نُراعي الوقتْ والخاطر”، وبخلاف كل شيء أنا عُذري الآن مُراعاة وقتي وخاطري المُتعلِّق بطرفِ حلمٍ مُحال تحقّقه، ولكنني لم أُزعزع جذور قلبي عن دياره رغمًا عن الحقيقة..

فلنعود للواقع..

لا أودّ العودة أبدًا، ولسان الحال: (خلّني بالحلم عايش).