اليوم السّادس من الانفلونزا الموسميّة -كما يُحب الأطباء تسميتها-، أجرُّ فيه بقايا انتفاخ الحلق والصّوت العالق في تجويفه، وردتني مكالمة من والدتي قبل يومين ولأنّها لا تفقه في نظام المراسلات الحديثة أي أُميَّة، ولا تملك أي حسابًا على تطبيق المراسلة الأخضر الشّهير، لم أرغب إعادة المكالمة، لسببٍ قاهر وهو عدم امتلاك صوتٍ مسموع، لقد كان الالتهاب يحبِسُ صوتي كاملًا، شربت كل المشروبات الدافئة في العالم حتى الماء الذي لا أُحبّه فاترًا جُبرت على شربه كذلك، هكذا نصحتني صديقتي، تقول أن العلاج في كثرة الدفء الذي أتغرغر به أو ابتلعه، بقيتُ يومين هكذا.
في هذه الأثناء اعتزلت حساباتي على منصات التواصل الاجتماعية، وتوقّفت عن استقبال الأعمال الجديدة في كتابة المحتوى والعروض التقديمية، والمسؤوليات المنزلية، وتكبّدت سبعة أيّام غياب في الجامعة، واختبار خرجتُ منه باكية، وبالتأكيد أهملت مدونتي، ولم أكن أتواصل إلّا مع شخص واحد أُطلعهُ على آخر الأفكار المؤلمة، والمشاعر المتكدِّسة، كانت رغبته الصّادقة في معرفة كل ما أُصارعه على مدار الساعة أمر يصنع في داخلي الأمان، لم يكن من السهل أن يتحمّل المرء آخرًا بتقلّباته المُتعَبة.
كان الألم فضيعًا وفي معركة مستمرة مع قوّتي، أشعر بعملية الدفاع وحشد خلايا المناعة الجيدة داخل جسدي وأجهزته، ومع كل تكبيرة استشعر ماهية رحمة الله عليّ، في هذا الدفاع وهب الله لجسدي التحمّل، ولأجهزة جسدي وخلاياه القوّة، إن العمل الداخلي الذي يقوم به كل عضو من أعضاء الإنسان لمواجهة الضرر بأمر الله مشهد يستحق التسبيح والتعظيم لله، سبحانك ربي ما أضعف الإنسان بلا رحمتك.
ولا يخفى على من هم مثلي في هذه النظرة للمرض، للقوّة، وللإنسان مدى سوء بعض التعليقات التي تُثبِّط من نزعة الامتنان البسيط التي نملكها ونعتبرها أغلى سلاح نواجه بها تقلّبات الحياة والإنسان على كافة الأصعدة واتطرّق لذلك لصورةٍ شاركتها عن وقائع الانفلونزا النفسيّة والجسديّة، قالت لي إحداهنْ: “وش هالفضاوه اكتب عن انفلونزا عادية وأكبرها؟”، لا أبُالي بشخصها بقدر افتقادها بالرحمة الإنسانيّة لمن يتألم، وللألم كمعوق عن الممارسة الطبيعية للحياة، فما هي الانفلونزا؟ وما الأعراض التي يصحبها من اختلال في الجهاز التنفّسي كاملًا، وافتقاد الراحة الداخلية بالنوم والأكل والشرب والقدرة على القيام بالأمور اليوميّة، والرغبة الملحّة بملازمة السرير وعدم تحمّل المشي والجلوس والضعف البارز في الأطراف، الألم الذي نسمّيه بالبيضاء (مهدود حيلي) التي تخلّفه الحرارة المرتفعة. وهذا لا يُنافي التحمل وما إلى ذلك، ولكن هل تأمّلت مرة بما يقوم به جهازك المناعي كتفًا بكتف مع الجهاز المتضرر في جسدك لمُحاربة الانفلونزا أو الفايروس أو أي مرض من الأمراض مهما كان بسيطًا بعينك أو عظيمًا؟
الشيء الآخر أن التحدّث عن الألم والتجرّد من الايجابية السّامة وسيلة من وسائل الامتنان -بتجربةٍ شخصية-، فليس القصد هو تقزيم صورة الألم أو تهويل وقعه، ولكن للألم كذلك قياسًا يتبعه كل إنسان ليتنفّس سالمًا نفسيًا على الأقل، فإن كان خفيفًا برؤية الأطباء لا يعني أنه لا يعيق الأداء اليومي، والمقصود بالخفيف أي أنه ليس قاتلًا بصورةٍ شائعة، فالتعظيم للنعمة الإلهية للجسد الضعيف ليعود كل جهاز في داخله لحالته السليمة بعد الإصابة -بمختلف درجاتها- وتأدية الوظائف دون تدخلات خارجية أمر يجب نشره وممارسته على الدوام في الإصابة أو عدمها، وهو إن شاء الله يدخل في التأمل في خلق الله، أي يتأمل الإنسان في نفسه وجسده وأجهزته الداخلية ثمّ يحمد الله ويشكره.
فهل يجب على المرء إبداء وجعه بطريقة عنيفة كيلا يستخفّ به من حوله؟ لا، فلا تمييز بالطريقة التي يتنفّس بها عن الألم، فهو ألم وان اختلفت قدرات التحمل، فلا استهانة به.







