ها نحن نتجاوز أعتاب السنة الهجرية الجديدة ۱٤٤۳، وندق تفاصيل أول يومٍ فيها، بالنسبة لي وبينما يحتفظ نصف سكان الكرة الأرضية باحتفالاتٍ صاخبة وتجهيزاتٍ راقصة لسنة ميلادية جديدة، لا زلت أحتفظ بلذة ترقب السنة الهجرية، ولم أنسى بعد أسماء شهورها وترتيبها رغم أن كل شيء الآن يدفعني لذلك، مواعيد تسليم الأعمال، التواصل مع الآخرين، كمّ الأجندة الميلادية في القرطاسية الإلكترونية أو تلك الواقعة في نهاية الحي السكني، و تاريخ صرف الراتب الشهريّ، وفي اتجاهاتٍ عديدة افتقدنا التعامل بالتاريخ الهجري كثيرًا، وكثيرًا جدًا.
مؤخرًا كنت اتبع نمط مختلف صنعته بما يتناسب مع شخصيتي ومعاييري وظروفي الخاصة، ويُقدمني إلى الحياة بمكتسباتي الحقيقية، دون أن يسلبني شيئًا منها، وفي وتيرة مُتزنة لأعطِ كل جانبٍ من حياتي حقه دون أن أهضم واحدًا، فلديّ عائلة، ولا زلت على مقاعد الدراسة الجامعية، وأعمل خارج ساعات الدراسة، فلم يكن الأمر بالنسبة لي بسيطًا، ولا صعبًا للغاية، إنه فقط يعتمد على الكيفية التي سأُواجه بها تبعات المسؤولية لهذه الاتجاهات، ولا أنكر أنني اتبعت قبله الكثير من الأنماط والنصائح، لكن بعضها لم يكن يجدي نفعه، فوجدت أن الحل أن ابتكر واصنع أسلوب وفق احتياجاتي وما على كاهلي أنا فقط، وهذا ما ألقى نفعه بامتياز، ووفق ما لمسته من محاولات ونتائج قابلة للتقييم، أردت بشدة أن انتهجه لفترةٍ أطول، لعامٍ جديد يعنون: انعِش عاديَّتِك! تلك القابعة في روحنا، المنسيَّة على رفوف ذواتنا أثناء ركضنا في ميادينِ الحياة المختلفة، والمختبئة من وحشية آفة الكماليَّة والمثاليَّة، إن العادية مبدأ مُتصل بقولنا: “عادي”، ورغم أننا نقولها في سياقات ومقاصد مختلفة إلا أنني أعني به حرفًا: لا يوجد هناك شيئًا مميزًا فوق المستوى الطبيعي، كل شيء خلقه الله على فطرته في تحصيل رزقه وإنجازه، ورغباته وأهدافه، وتكيّفه في محيطه، تلك طبيعة فطرية نقوم وفق مستواها بكل الأمور التي تتطلب حفاظنا على وجودنا، ومكتسباتنا كذلك، وأرى أن الكمالية والمثالية دخيلتين على النزعة الفطرية في الكائنات الحية، ولا يوجد شيئًا كاملًا فيما يفعله الإنسان، حتى عملك الذي تقوم فيه وتستنجد به الكمالية، لن يكون كاملًا، فلا طائل من محاولاتك اللامحدودة في تحصيل الكمالية والمثالية، ذلك لن يحدث، هذا أجدر باهتمامك وتصديقك واقتناعك، والتخلي عن رداء الـ ۱۰۰% حالًا، لصحتك النفسية والذهنية قبل كل شيء، وأُنوِّه أن هناك فرق في إتقان العمل وكماليته، وهذا ما يجب البحث عنه: الإتقان والإجادة أخير وأجود فرصًا من اللهث خلف الكمالية. فأنا جاهدت شعور البحث عن الكمالية حينما أُمارس مسؤولياتي وأعمالي، كإدارة منزلي، أو كتابة النصوص وإنجاز المهام، وتلبية الواجبات الاجتماعية، والكثير من التفاصيل التي لم تعد يهمني فيها الكمال والمثالية، فقط أُريد إتقانه بالشكل الذي يجعلني راضيةً عنه، والحمد لله أن الرضى نقيًا داخلي، لم تشبه بعد شائبة الشعارات المؤرقة، وحصدت راحة نفسية وقدرة ممتازة في الإنجاز، لذا فإن الأمر يستحق كل ما قمت به لدفع الأرق الكماليّ بعيدًا عن محيطي! وأصبحت عاديَّتي محط اعتزازي الكبير، فإنعاشي لعاديَّتي أغدق علي بالكثير الذي فقدته عندما كنت أتخبَّط في طرق الأبواب بحثًا عن العلامة الكاملة ۱۰۰%، وزال السواد عن عيني، أصبحت رؤيتي طبيعية ومُدهشة لما في حوزتي من قدرات ومواهب ونِعم ومواقف وأشخاص وحياة بكل تفاصيلها التي لا يسعني التطرق إليها، ومن هذا أؤكد أن الكمالية عائق شاهق أمام تحقيقنا للكثير مما نرغبه، فإن تخلينا عنها وحافظنا على عاديتنا سيسهل الكثير علينا، إن العاديَّة مُدهشة، مُبهجة! لا أفهم لماذا يسعى العالم لاغتيالها فينا!
مِمَّا أنا مسرورة في العام الماضي؟
أجِد في كل تفاصيل العام الماضي ما يستدعي السرور والامتنان، سعيدًا كان أم حزينًا، لكن الأكيد أنني أحتفظ بجرعاتٍ أكثر في لحظاتٍ معينة حلَّق قلبي فيها فرحًا، ونمت قريرة العينِ، كقضاء شهر رمضان كاملًا وعيد الفطر مع والديّ وإخوتي بعد غربة ثلاث سنوات، ولقاء أخي الذي باعدت بيننا ظروف الحياة لأكثر من ثمانِ سنوات، ورؤية أُخيَّة العمر الغالية في الرياض بعد غيابٍ طويل، وانعكاسات الفرج على أمرٍ شخصيّ، والخروج من السنة الدراسية بمعدل ممتاز وتفوّق رغم صعوبات معينة كنت أخاف أن تجرف امتيازي الدراسي معها، بالإضافة إلى أنني مسرورة وجدًا من انطلاقة هذه المدونة، وصفحتي الشخصية على انستجرام، وفيما يخص عملي، فسعيدة بأنني حصلت على الثقة في محيطه وزيادة خبرتي في إعداد وإخراج المحتوى النصي الإبداعي، ومن أحبّ ما فعلته في أواخر السنة الماضية التطوع، إذ أنني حصلت على شهادة متطوعة معتمدة من البرنامج التدريبي التطوع الصحي المجتمعي ضمن حملة لبيه يا وطن، والمقدمة من الهيئة السعودية للتخصصات الصحية، وتوظيفها في المنطقة، كانت تجربة ملهمة وماتعة وذات وقع قيِّم في نفسي، تعلمت خلالها الكثير، وإن أُتيحت لي الفرصة مرةً ثانية لن أتردد في انتهازها، ولعلَّي أكتب مطولًا عنها في مساحةٍ أخرى.
ما هي آلية التخطيط لديّ للسنة الجديدة؟
علاقتي مع الأجندة بأنواعها متوترة وتكاد تكون معدومة، لا أملك واحدًا منها، ولم أجد فيها ضالتي صدقًا، ربما لأن صفحاتها لا تخدم احتياجاتي، أو فوق مستوى احتياجاتي، حاولت الهدنة بتجربة أكثر من نوع وتصميم، ولكن لم أجد لذلك سبيلًا، وهناك فكرة تدور في رأسي بتصميم أجندتي بنفسي وفق معاييري الشخصيّة، ربما أنجح في ذلك قريبًا، لكنني أكتفي الآن بتخطيطٍ بسيط في دفترٍ عاديّ أسبوعي وشهريّ، إذ أنني لا أحبذ التخطيط السنوي، ما هي خطَّتي؟ أحتفظ بالكثير من العاديَّة، أعمل باتزان واتقان، وأُرفِّه عن نفسي باعتدال، وأعطي الأشياء البسيطة في حياتي مساحة أكبر لتبسط جماليّتها وأُقابلها بالدهشة المُستحقَّة، وأهدف إلى بلوغ مستوى أعلى في مجال الكتابة، ومشاركة الكثير من المقالات وإعادة لياقتي فيها كما السابق، وأُحافظ على التفوق الدراسي لسنة أُخرى تُضاف للسنوات السابقة، وسأضع رغبة الانتهاء من تأثيث غرفة العمل والمكتبة ضمن قائمة أهدافي، لأنني سئمت تأجيل ذلك، وإعادة إحياء عادة المشي يوميًا.. هذا ما أودّ إفصاحه، بالمناسبة؛ لقد تعلمت وضع الأهداف والخطط البسيطة التي يبدو للآخرين أنها أشياء روتينية لأنني آمنت أن البسيط يجلب المُعقَّد، والالتزام بالخطط والأهداف قصيرة المدى يُمهِّد تحقيق طويلة المدى، وأن النجاح تشكيلة من عادات صغيرة يحتقرها الناس.
أخيرًا؛ لقد كتبت في السنة الماضية رسالة إلى نفسي: هاجَر بعد عام، أُحاور فيها ذاتي بعد هذه المدة الطويلة، وأتتبع خلالها حصادي في العام، أعتبر هذه الورقة هاجر تُحادث هاجر، الأمر مُمتع، اليوم سأفتح هذه الرسالة، سنة سعيدة لي ولكم بإذن الله.
حقوق الصورة البارزة: unsplash