تدوينة الصَّباح (1)

          العاشرة صباحًا، مقهى ليفكو المُشع! أُسمّيه كذلك لتميّزه في المدينة بجُدرانه، من لوحاتٍ واقتباسات، والأغصان الخضراء المُنسَدِلة بخجل، وأشعة الشمس التي لا يحجب نورها شيء، حيثُ المكان الذي يُشبهني! اخترته بعنايةٍ فائقة بعدما تجشأتُ أحداثَ شهرٍ بأكمله. ولكن لم أُعطِها حقّها كما ينبغي، مرّت على نفسي الأفكار ولم أجد متسعًا لفلترتها، لم أرغب إلّا بمكانٍ يتّصلُ مع ذاتي المُحبّة للمشاهد الطبيعية المُحفّزة لتأمّلاتي. وهذا يعني أنّكم على موعدٍ مع تدوينةٍ أخرى فوضوية.

          أمامي مباشرةً نافذة مستطيلة الشكل، أستطيع من خلالها ملاحظة البناء قيد الإنشاء، وخوفي على الرّجل الذي يتواجد على سطحه ويوزّع الأعمال مع مجموعةٍ من العاملين، بالمُقابل وباللحظة ذاتها، لا يغيب عن عقلي منظر الحقيبة التي سحبتها من بين أصدقائها لأُعلّقها على حائط غرفتي، بمحاذاة مكتبي، أعرف أن الذي دعاني لفعل هذا شعورًا داخلي: “يجب أن تتخلّصي مِمَّا تشعرين به تجاه هذا الحقيبة، أو تُعالجيه”. الأمر الذي يُثبت أننا نحملُ للأشياء نوعًا من الذكريات والمشاعر. هناك ضيفٌ آخر.. قصيدة! يا لثقلهما على ذاكرتي! كلاهما فيهما من الوجع ما ابتلعتهُ رغمًا عن قدرتي. كتبت في 14 مايو في نفس المكان الذي أجلسُ فيه الآن: (على المقعد الذي أمامي حقيبتي التي اشتريتها تحت وطأة مأساةٍ عاطفية، ربما يُقال عن هذا الفن المرسوم أنّه تجريدي، ولكن كل ما لحقَ بي جعلني أنظرُ إليه كفتاةٍ سحقتها الظروف حتّى أصبحت فاقدة لمهارة التمييز”، وما أعنيه بمهارة التمييز، قدرة المرء على إدارة توجّهاته لما هو أصلح له بالمنطق والعقل، ليسَ وفق عاطفته، فالعاطفة عندها همست لي: “ابقي”، ولكن تعارض البقاء مع الرّحيل جبرني على فقد هذه المهارة، ثمّ عزلني رغمًا عني. والآن أنا في ذات الموقف! ليسَ بالسّبب إنما باثنين من رفقاء السّبب: الحقيبة والقصيدة. فوضعي للحقيبة في أكثر الأماكن قربًا لي نوعًا من المواجهة، فلا لومًا عليّ إن انعزلت رغم وجودي! هذه طريقتي للعلاج يا سادة.

          في هذا الشّهر أيضًا، عرفت ما يُمكن لكذب الأصدقاء فعلهُ، أُنزِلهم أماكنًا مُميّزة، وأُميّزهم بالأوصاف، صُويْحبي ومُهجتي، ضيائي ونُوري، وصُدفتي الجميلة، سقط الضّياء بسببِ كذبةٍ لم يكن لها دافعًا غير: “لا أُريد النزاع”، وما الكذبُ بذاته إلا نزاع لا يُغتفر، وخصامٌ لن تُليّنه مئات الدوافع والاعتذارات، فأنا أعرف الكذب تمرير لعدم أحقيّتي للصدق! والصدق حين أتذكّره أغفر ما لا يُغتفر.

لستُ شخصًا مُنظّمًا إلا بالوقت، التزم بهِ بطريقة تُثير أعصاب كل من يعرفني، أشعر أنّني مُحاسبة على الثانيةِ والدقيقة، بخلاف ذلك فأنا كائن فوضوي في أشيائه، مكتبي شاهدٌ على ذلك، ولكن أُبعثر ثمّ أُنظّم، وإن كانت بعثرتي على حالها لأيّام، فهذا يعني أنني لستُ بخير عاطفيًا. الشّكر لأحداث الشهر العنيفة التي طحنت تنظيمي، فما نهضتُ من حدثٍ إلا وجاءني آخر بصفعته. أدفعُ ثمنًا باهضًا لهذه التكنولوجيا، والسّرعة في تناقل الأخبار واطلاعي على الأحداث رغمًا عني، فحيث تكون، هناك خبرًا يطير من فوقك، ولإنسانيّتك العظيمة لن تجرؤ على منع حطّه عليك، أو تناثره. لم أُصنِّع، ولم أُشارك حتّى في ذلك، لكن وبمجرّد امتلاكي هاتفًا مطوّرًا، ومن ثمّ حسابًا على أي وسيلةٍ اجتماعية، أو بريدًا الكترونيًا، أُعتبَر مُشاركة! بربكم!  لم آتِ بعد إلى تخوّفي من هذا الاتّكاء الكلي للتكنولوجيا في تسيير حيواتنا وأعمالنا وأرزاقنا، الكثير من المخاوف التي لا أفصح عنها بعد!

لا بأس أشعر وكأن هناك ماراثونًا للأحداث والامتعاضات التي جئتُ بها إلى هذه المساحة الشخصيّة، ولكنني أُحب الرّبط بين المشاعر المُماثلة، وهذا ما يُخيفني بشخصيّتي! عمومًا، أنت قارئ مُخلص إن وصلت إلى هذا السّطر، ثمّ ضع في عقلك أن أصعب ما يفعله المدوّن أن يُواجه الزحام في داخله بالاختصار.

11:50 صباحًا، الجزء الأول: تمّ.

أثناء الاختبار النهائي..

السّاعة العاشرة والنصف صباحًا، مبنى المحاضرات الفرعي

بدأ الجميع في تنظيم المقاعد، ثمَّ..

سكون تامْ!

بعد مضي نصف ساعة جاء صوت مرتعد من مكانٍ قريب ليُزعزع طمأنينة كل من في المبنى، ليرتفع بعد ذلك فيتحوَّل إلى بكاءٍ وشهقات تفطر القلب، زميلة تمرّ بنوبةٍ ما يُشخّصها البسطاء من الناس بالخوف والتوتر، وأبرز سماتها بكاء شديد، ولكن لا يحظرني ما الاسم العلمي لها، وقد تكون طبيعية خاصةً في أيّام الاختبارات النهائية للفصل الدراسي.

لا أعرف طريقًا لمُساعدتها، أو بالأصح، لم يُسمح لأي شخص مد يد العون لها وتهدئتها، وبالتالي اتّضح أن المُحَاضِرَات والمراقبات لم يكنّ يملكنّ أي معلومة للتعامل معها ومع ما تمرّ به، وفي الحقيقة لا يُطلب منهنّ إجادة التعامل مع هكذا مواقف، بل الذي أطالب به أن يكون هناك لجنة -وهذا الذي أعلن عنه التعليم الجامعي مؤخرًا- مؤهلة للتعامل مع الحالات النفسية والنوبات والاسعافات الأوليّة وكل ما يستدعي تدخل سريع، ولكن أعتقد أن هذا الإعلان بقيَ في رف الإعلانات ولم يشغل حيز التنفيذ، مع الأسف.

لم يستفزّني كل ما سبق، الغضب كلّه تكدّس بعدما قالت أستاذة منهنّ: “ما تذاكرون، وتبكون عندنا”، لا أمازحكم.. هذا ما قالته بالحرف! ثقافة اللوم تتصدَّر كل المشاهد رغم افتقاد المعرفة التامّة بمسببات الموقف، وأسفي أنها خرجت من قامة حاصلة على شهادة الدكتوراه في تخصصها الذي تنقله لنا، راقبتْ الموقف جيدًا، بقلبي قبل عيني! لم تملك حق رمي هذه الجملة في وجه الطالبة، بينما هيَ الأخرى تغرق بدمعها ورجفتها ومحيط الأنظار اللائمـة والسخرية.

لا أعرفها، ولا أعرف سبب نوبتها تلك، ولكن الذي متأكدة منه أنها كانت فقط تحتاج لمن يُعزّز ثقتها فيما درسته قبل دخولها لهذا الاختبار وأنّها تستطيع بهدوء مواجهة الصعاب التي تشكّلت في رأسها حال استلام الورقة، كانت فقط تحتاج للهدوء والثقة بأنّها تستطيع، لِمَ كان تقديم ذلك لها صعبًا إلى هذه الدرجة من جمهور المراقبة؟!

يتعرَّض الجميع للنوبات باختلاف مسمياتها، بعضنا يستطيع السيطرة عليها داخل جسده ورأسه، وبعضنا تخرج الأعراض رغمًا عنه، يرتعش/ يبكي/ يختنق/ قلق/ ألام جسدية/ الغثيان والقيء/ التعرّق/ الدوار/ الخفقان… إلخ. وهذا بحسب بحث سريع عن أعراض النوبات الواضحة، ولكن في موقف كالاختبارات النهائية، فالأمر يخترق كل المسميات، ولا أعرف طريقةً أفضل من التحفيز على الهدوء بالاحتواء وتعزيز الثقة.

الأمر الآخر، من المعيب الوقوف في وجه المساعدات، خاصةً إن كنت كقائد غير مؤهل للمساعدة، لِمَ تكفّ أغصان المساعدة إذًا؟ 

يبررنَ رفض مساعدة معارفها لها بأنهن طالبات وبنبرةٍ حادّة: “كلٍ في ورقته”! والحال أن دعم من تعرفه حقّ المعرفة أكثر فائدة من مجموعة المراقبة! بل بشكلٍ عام في كل جوانب الحياة، يد واحدة تألفها وتُطبطب عليك، أخير من ألف يدٍ لا تألفها، فالتنازل قليلًا ما دام المنطق لا يرفضه لا يُفسد للمصالح العامة أي قضيّة.

مذكرات أسبوع متوتِّر!

       تخاصمت مع صديقٍ لي خصامٌ تافه، تدافع كل ما في قلبها نحوي بعنف واصطدم بتصبُّري، كنت قد وعدت ألّا يقع في خاطري كل تفاصيل الخصومة التي تحدث بلحظة غضب، تذكرت ذلك، ثمّ شددتُ على الودّ الذي بيني وبينها، برأيي كل أسباب الهجر التي تُغذّي خصومة الأصدقاء تافهة ولا معنى لها، كالمُكابرة على الخطأ، وتصديق كل ما يزفره الشّيطان في أفئدةِ الأطراف المُتخاصِمة، والتَّأنِّي في الفهمِ والتفهُّم هو السلاح الذي نحفظُ به الاحترام والمودّة، حاولتُ ذلك، ولكنّها لم تطع.. وتتنازل! ولم يكن الأمرُ عاديًا بالنسبةِ لي قط، وأعرفُ أنني لن أكون عاديّة في نظرها، ولكن الشيطان يتراقص في ساحتِها حتّى الآن، وكل الذي انتظرهُ متى تحين اللحظة التي تطرده بعيدًا وتحفظُ الصّداقة سامية عن توافه الخصومات.

أيضًا، هُناكَ أمرٌ عظيم لحق بي ألمه، خاصٌ وشخصي بعض الشيء، جعلني انزوي خلفَ باب قلبي، وأتذكّر كل الليالي التي جشعتُ بها كرهًا لطرفٍ قريبٍ جدًا مني قُضيَ نصفُ عمري وأنا أُشاهدهُ يتمتّع بالقهقهةِ على جرحي، ويسكب الملح عليهِ مبتهِجًا، أتذكّرُ تلك الفرحة في عينيه كلّما همّ بذلك، حتى هذا الشّخص أُحاول أن أحفظ الصّلةِ التي بيني وبينه، طمعًا بما وُعِدتُ به من الله من الأجرِ والمنزلة والتوفيق لفعلي ذلك، ومحاولات لا محدودة أُقدّمها لنفسي لتجاوزها وتجاوزه.

كذلك؛ جاءني تعليق من أحدهم على صفحة Instagram يعتب على ما أصبحت أُشاركه من تدويناتٍ قصيرة أو نصوص أو تغريدات، صدقًا لم أجِد ما يسعفني لأُبرّره له، رغم أنني لا أحتاج أن أُبرِّر، لكنني أكتب على كل حال، وأُشارك بفلترة وتأنِّي، ولا يُمكنني فعل ذلك على الدوام، هُناك ما يفوز بالنهاية بشأن كتاباتي ونشري، وهُناك أيضًا ما قد يحتاج لسطرٍ دافئ ينبثِقُ من قلبي إلى قلبه، هُناك من يحتاج هذه الكلمات أكثر مني، وأكثر من التداوي الذي انتهجهُ بالكتابة، فماذا لو تُركنا نكتب على سجيّتنا؟ واحترام كل ما ننشره مالم يمسّ الدين؟ أعتقد أنها فكرة سديدة، لاسيما هُنا، في نطاق التدوين المساحة التي أُحب.

هذا الأسبوع أيضًا، عُدت لقراءة المدونات، قرأت الكثير فيها أكثر من صفحات الكتاب حقيقة، ولكنها قراءة على أي حال، عرفت وحاولت قراءة مشاعر الكاتب أو الكاتبة عن كثب، وفهم مآل السطور الحزينة، ولمس البهجة في الأحداث السارّة، ولمست في بعضهم سوداويّة التراكمات النفسية التي كانوا تحت تأثيرها، وأثناء ذلك فكّرت! لماذا لم يلحظ أحدهم أن الكاتب/ـة يعيش حالة نفسية غير طبيعية وغير مستقرة ويحتاج للمساعدة عن طريق كتاباتهم؟ وماذا عن الذين يُشاركون فكرة عنيفة أو رغبة إجرامية في نطاقات التواصل الاجتماعي؟ هل يحظون بإجراءات احترازية وتتابعية لمساعدتهم ودعمهم نفسيًا ومحاولة احتواءهم؟ أو تكون النظرة ساخرة ودونيّة واقصائية؟ قلبي معهم صدقًا.. ألا تحظى بشخص واحد فقط قريب كان أو غريب يفهم أنّك بحاجة مساعدة نفسية ومعنوية أو حتى إنصات ودعم مِمّا تكتبه وتنشره، وبصرفِ النظر عن أنّ هناك من يتلاعب بالسلبيّة وتلاعبه، ولكن هُناك أيضًا من هم تحت وطأة ألم نفسي شديد ولا يعرفون للخروج منه سبيلًا، فلهذا أصبحت أُحاول ألّا أتغاضى عن أي منشور كهذا على وسائل التواصل الاجتماعي، وأُقدّم الدعم ولو كان بالتّوضيح أن: “المحادثة ستكون بمثابة المذكرة لك، اكتب ما تشاء، وفرّغ ما تشاء، ولكن لا تدعه ينام في صدرك”، وما يجعلني أقوم بذلك عدد الذي يصل بهم اليأس والوحدة حد أن يضعون خط النهاية لحياتهم، أولئك الذي شرحوا ما بهم كثيرًا ولكن لم يعرهم أحد اهتمامه، وكل الذين كان محور انتظارهم رسالة تُشجّعهم على أن هناك أضواء كثيرة في الأنفاقِ التي تاهوا فيها، كما أن الدنيا قاسية، قاسية جدًا، خاصةً الآن.. أصبح البعض هشًّا نفسيًا، ومُتألِّم، يركض خلف الأيّام المُتسارعة ناسيًا نصيب الحزن منه، أولئك الذين يقتلون المشاعر السلبية، ومن ثم تنتفِضُ بهم بعنف، وكل الذي تُخلّفه زعزعة نفسية قاسية، وهذا لا يُخالف ضرورة تعظيم الصّلة بين العبد وربّه، ولكن ما أصبح يؤذي الإنسان وعزيمته لا يمكن تخيّله.

وأتمنّى أن يكون الشخص واعيًا بذاته وبتقلّباته النفسية حد أن يفهم أنه في هذا المنعطف يحتاج لطلب التدخل العاجل والمساعدة، فيطلبها من أيٍ كان، أو الاسراع بالتّواصل مع الجهات الرسمية المخولة بهذه الشؤون والاستشارة، كذلك نحتاج للتوعية المستمرة عن الصحة النفسية، وألا تكون شعاراتها محصورة في يوم واحد أو فترة مؤقتة وقصيرة.

حقوق الصورة البارزة: https://unsplash.com/@thanospal

إنَّ الأيَّامَ خزائنٌ!

هل بإمكان الأيَّام أن تكون كمِنْدِيلٍ لَطيف الملمس تمسَح به على قلبك فيُضمد جرحك؟ إليك رأيي، إن هذه الحياة تهون إن حَمِلَ همَّها شخصان، وحَمِلَ هذين الشخصين هَمْيِّ بعضيهما، ويدًا بيد مضيا، ونتذكَّر في هذا مشهد الغارِ الذي شَهِدَ على محبّة وتوافق الرسول -صلى الله عليه وسلم- ورفيق دربه الصِّدِّيق أبو بكر -رضي الله عنه-، اللذَيْن حَمِلا همومَ الدعوة والإصلاح وتلبية النداء معًا، وبينما الصِّراع قائمٌ حول الغار، إلا أن داخله مُطمئنًا بطمأنينة ساكنيه، وساكنٌ بترتيلِ الآيات الكريمة، وتربيت الكتف التي يحفظَان بها رباطة جأشهما.

لكمّ مر على رسول الله ورفيقه المتاعِب، ولكن الله منحهما القوة من عنده أولًا ثمّ من بعضيهما، يُروى أنه قال -صلى الله عليه وسلم-: (… ولو كُنتُ متخذًا من أهل الأرض خليلًا لاتخذتَ أبا بكرٍ خليلًا) وفي اللغة العربية يُرمز بالخليلِ بالوَفاءِ والإخلاصِ وحُسنِ الرِّفقة، يا الله! منزلةٌ عظيمة بسلامة سريرتهما، وإعانتهما لبعضهما، وماهيَ إلا مضرب مثلٍ يُشاد به البنانَ في علاقاتنا الاجتماعيةِ الآن، وبخلافِ التصنيفِ إن كانت صداقةٍ أو أُخوَّةٍ أو زوجٍ وزوجة وأُم وطفلها وأب وطفلته، هذه الحياة تُصبح سهلةً متى ما كانَ هناك من تشدّ عضدُك به، أيضًا.. ألم تَقُل لك والدتكَ يومًا صَاحِب الصَّالحين تصطلحُ بهم؟ أعتقد أن جميعنا نُصحنا بهذه النصيحة الثمينة.

ثمّ إن كل تلك التفاصيل التي تمرّ بها مع الشخص الآخر إن كان صديقًا، أو أخًا، أو زوجًا، أو زوجةً، وما إلى ذلك.. تجتمع لتَكبُر، وتكوِّن تلك العقدة السميكة التي يُقال عنها المواقِف، والتي تُحافظ على عدم وصولِ علاقتكما معًا إلى نقطة النهايةِ الحزينة تلك، أيّ الافتراق.. وربما هيَ أيضًا من يُعجِّل بانتهاءِ علاقتكما، الأمر أشبه بأن يكونَ لك وعاءً واسعًا وكلاكما تضعانِ فيه همومكما، حديثكما الذي لن يخرج، وحزمة مشاعركما باطمئنانٍ أنها لن تُهِزّ نظرة أحدكما بالآخر، أيضًا كل تلك الكلمات التي تشدّان من أزركما بها، والوقفاتِ التي تُهوِّنا عن بعضيكما بها، هذه كلها تصنع أيامًا حنونة ودافئة تُصبح كالضماد الذي حال أن تتذكرونها تتنهّدانِ العزيمة والصّبر، والأمل، والتفاؤل، والإصرار.

ولهذا يُمكن للأيّامِ أن تكون كمِنْدِيلٍ لَطيف الملمس تمسَح به على قلبك فيُضمد جرحك، وتقوى خطوتك، وتصلُح نفسك، وإنّ الأيّام التي نقضيها مع شخصٍ آخر نُنزله منزلة الخليل ما هيَ إلا قوى نستهلِك منها ما يزيدنا بصيرة للسيرِ في متاهاتِ الحياة، ثمَّ إن الأيَّام خزائنٌ فانتقِ الذي يملؤها معك كما يُحب الله، ويُعينك على ذلك.

ماذا فعل الإغلاق بالأصدقاء؟ تساؤلات من رحم النهايات!

لا أعرف سببًا للتطرق لهذا الأمر من حياتي غير أنني أحتاجُ إلى بعض المساحة التي يشغلها في عقلي، لأمورٍ ربما تكون أهم، قبل إجراءات الإغلاق والحجر المنزلي كنت أستطيع الاتصال على الأصدِقاء دون أن تثقل شفتيَّ الأعذار التي تنتظر السؤال عن السبب لتنطلق مبررة، ولا أتأهب ملايين المرات حين تُحلِّق فكرةً ما ليلًا باحثةٍ عن معبر هبوط لتُفصَّل من كل الاتجاهات، ولا أعدُّ الوقت قبل أن يتسلَّل الصباح لإرسالِ مسودةٍ أُحافظ فيها على إخلاصي في أن هناكَ شخصًا ما أُعيرهُ اهتمامًا بالغًا للحدِ الذي يجعله أول قارئٍ لما كتبت، وأثناء الإغلاق أصبح وكأن هناك من لَعِب في علاقتي بهم، وجدت إسمي على قائمة الانتظار طويلًا، والهروب كثيرًا، لم نعد جميعنا كما كُنّا، ضيَّقت علينا تبعات الأزمة وسائل الاتصال رغم وفرتها، ومع تزايد شهور الإغلاق تلاشى معها شيئًا مميزًا فينا معًا، مرات عديدة نقول لا بأس، ولكن هناكَ حاجزًا لا يكفّ عن بناء نفسه -ربما بفعلنا- أمام تلك العلاقة التي نحسبها قوية بما يكفي لتُقاوم أمواج العالم والأحداث الثائرة، والانقطاعات الطويلة وصعوبات اللقاء، إلى أن قرر الجميع -دون أن يُقرِّر- أن تُغلق هذه العلاقة دون نهاية قطعية، نصفٌ يبسط ذراعيه للآتي بعد شهورٍ، وآخر يوسِّع مجالات الانشغالِ باكتشاف الحياة لا الأشخاص.

قرأت مقالًا للكاتبة جين هو في موقع النيويوركر وأستطيع الآن إيضاح سبب كتابتي لهذه المقالة في نهاية الليل، إذ أن الفكرة أثارت الفوضى في داخلي طوال اليوم مما دفعني إلى افراغ الضجيج عند الساعة 4:18 فجرًا، بدأت الكاتبة بقصَّة مع إحدى متابعاتها على منصة تويتر قبل أكثر من عام، عندما أخبرت إحداهن جين بأنها سوف تبتعد عن تويتر وتُقلِّل اتصالها بالإنترنت، قبل أن تطلب البريد الالكتروني للكاتبة، وبعدها تأتي المكالمات الهاتفية والرسائل النصية المستمرة لتلعب دورها في توطيد علاقة الصداقة الناشئة بين جين والأخرى حتى أثارت تلك العلاقة غيرة حبيب جين مُعتقدًا أنها تقوم بخيانته.

وفي أثناء تعمقي في قراءة المقالة ومحاولة فهم كل شيء فيها شعرت بأن بعض علاقات الصداقة ترتبط ارتباطًا وثيقًا إن وُجِدت مُحفِّزات معينة قام ببنائها الطرفين فيما بينهم، فعندما نظرت إلى طبيعة المُحفِّزات فيما بيننا، وجدت أن لقاءاتنا وأحاديثنا العميقة لم تكن عبر الرسائل النصية أو محادثات التواصل الاجتماعي ولا المكالمات الهاتفية الطويلة وليست في المنزل بالتأكيد، بل تارةً بمقهى، وأخرى بالنادي الرياضي أو السوق التجاري، وكثيرًا في الحدائق وكراسي الجامعة والمناسبات الاجتماعية، وهذه المحفزات جميعها أُغلقت مع الجائحة، وشيئًا فشيئًا أُغلقت معها صفحات حكاياتنا، حتى آن أن يشقّ الجميع طريقًا مختلفًا عن ذلك الذي مهدناه سويًا، فهل فعلًا هناك مجالًا للعلاقات أن تستمر أو تنتهي بالاستناد إلى مُحفِّزات اللقاءِ والحديث؟ بالنسبة لي؛ نعم، بعض العلاقات الاجتماعية تنشأ بنشوء وتزايد الأمكنة التي تجمعنا، أتذكر في طفولتي انتقلنا إلى مسكنٍ جديد في أحد أحياء الرياض المتواضعة والذي لم يعد متواضعًا الآن لاتساع رقعة التطور فيه حتى أصبح كذلك الحي الذي يُقال عنه (حي الأغنياء)، وفي أول أسبوعٍ لنا لم تتوقف زيارات الجيران وأطباق الحلوى اللذيذة، وطالت الترحيبات إلى أن تكونت صداقة بيني وبين بناتهم اللواتي في عمري، واجتمعت طرقنا في الحياة حتى نهاية المرحلة المتوسطة، حيث انتقلنا إلى مدينةٍ أخرى، وانقطعت بنا سُبل اللقاء والصَّداقة، ولم نعد نعرف عنهم شيئًا، حتى أرقام الهواتف التي بحوزتنا لم تعد تُشير بنا إليهم وبقيت المكالمات مبتورة، لا إجابة ولا إغلاق، هكذا بالمنتصف، حقيقةً العودة إلى كل تلك الصداقات التي نشأت بيننا وبين الجيران منذ الطفولة حتى الآن جعلني اتجه إلى التأكيد بأن المُحفِّزات حجر أساس في بناء العلاقات الاجتماعية، ومع عدمية وجودها سيُكسر جزءً من هذا الحجر، وفي غالب الأحيان يستكمل الطرفين عمليات الكسر، هل تجدون الأمر منطقي؟ أنا أراه نوعًا من الغشاوة، أشارت الكاتبة في مقالها إلى مقالة أخرى للفيلسوف والشاعر رالف والدو إيمرسون بعنوان الصداقة ، سأقرأه لأعرف أكثر عن ماهية الشعور الذي أحمله، وأتمنى أن أجد مساحة مليئة بالآراء حول هذا الموضوع، هل تشاركوني؟