بحرٌ من اللَّايقين!

يتبادر إلى ذهنك الكثير من اللحظات التي ترتطم فيها مع ذاتك في مفترق الطرق التي تسلكها، لعلّ أسوءها أن تتجمّد في مكانك عندما تتزعزع طمأنينتك في أنّ حقيقة ركضك المستمر شيء في نفسك تودّ التخلّص منه، وليس حبًّا وشغفًا وأملًا كما تدّعي، تتخبّط اتجاهاتك لاهثًا وراء بادرة نهايته، فجأة تشعر بالظّلام وأنت قابع في ذروة النُّور، تودّ أن تجثو على همّتك، ليس استسلامًا إنّما للملمة الشّتات، حتّى وصل بكَ الحال بأنك لا تعلم حقيقة شجاعتك، تتساءل: ماذا لو توقّفت وملأت النّبع الذي يجعلني قادرًا على إكمال سيري، هل سأبقى راغبًا في الوصول إلى تلك الوجهة حقًّا؟ يا الله، هذه الشكوك التي تغزو الآمن مُرهقة، ولم يعد يُسكتها إغماض العينين، هل لو رطمت رأسك ستصمُت يا ترى؟ لا أعلم.. لكنّك ستكون تحت وطأتها بشكلٍ مؤلم، ولا ترغب في أن تُسْقِط قلبك في أرضها، شيء في داخلك يدفعك للأمام رُغم الأرض المُلغّمة، وهذه كفّك! تتأمّلها ولا تُريد لأحد فهم ماهية رجفتها ويشعر بيُتمها، ربما حالة تجاوزت الطبيعي في الكبرياء، أيضًا كل هذه الأرقام في هاتفك لم تُجيب، وكل الأماكن التي لطالما تغزّلت بالأُلفة على سورها أصبحت مُوحشة، اندثار السّلام إلى هذا الحد مؤلم والرغبة المفرطة في العودة إلى كونك غريب عن نفسك وعمَّن حولك تتعاظم، ولا تستطيع التخلّي عن كون كتفك عكّازًا لمن حولك، ولكن ترغب بكتفٍ ما لبضع الثّواني.

أحيانًا تشعر كما الصّندوق؛ مُمتلئ، يستنجد عدم إرهاقه بالمزيد! لكن لا أحد يشعر بما يُحاول حكايته، وأحيانًا تشعر أنّك تزوّدت بما تيسّر في الحياة ونسيت شيئًا باستطاعته انتشال كل هذه الغربة منك، نسيتَ من بإمكانه بلا كللٍ ولا ملل الحديث معك النهارَ بطولِه والليلَ بسكونه، عمَّن يزرع في قلبك روحه ويضمد بها الوحشة، وحال احتياجُك إليه يُخرجها ويلفُّ بها روحك، لا أن يذهب بها ويُعمِّق الاحتياج، أردتَ من يعرفك عندما يجهلك الجميع، ويشدّ هذه التجاعيد إن بانَ ضيمها، من يفهم عتبك تقرّبًا، واستراحتك تجعلهُ أكثر ما يجذبهُ إليك، تحتاج لمن يفهم حقيقتك! بل تحتاج لمن يُضيئ الحقيقة وسط كل هذا التكدّس للزيفِ والشّكوكِ واللّايقين في أيامك، أن يكون جهتك الخامسة التي تهرب إليها عندما تتداعى جهاتك الأربع، وكل الذي ترى نفسك بعينهِ من خلاله!

أيّام تتزعزع فيها وتترنّح على خيوطٍ من الأسئلة التي تبتغي إيجاد أجوبةً لها، لكنّ الجميع يُصرّ على دفعك لحفرٍ مليئة بالألغاز والتساؤلات والحيرة، ناضلت حتى بت طريحًا وهم يشهدون على كل شيء! وبين يديهم كل ما بوسعه إطفاء كل هذا الغضب والقلق، لكن لم يرغبوا تقديمه إليك.

خلّني بالحلم عايش!

كان من المفترض أن أُعيد حبر النُقطة وأُكمل المسير، بذاتِ خفّة الخاطر وبفراغ الفؤاد عند النظرة الأولى

ماذا لو أنّي رحلت بكل أشيائي؟ هل كُلّ هذا سيحدث؟

لا، كنتُ سأنعم وأسعد لكنني لم أرغب بالرحيل ولم أتوقّف بعد تلك النقطة!

ما مدى السّوء الذي سيَلحق بنا إن رغبنا في إكمال الرّحلة بعد عقبة النهاية؟ 

أشعر وكأن إجبارنا على النهاية هو الذي يصنع في عقولنا بداية ويُؤجج التساؤلات أعلاه في قلوبنا، لكننا نرضى بأجزاء الحلم وبلحظاته السّعيدة الكاذبة ونزدادُ تمسّكًا وتعلّقًا، لا نأبه بعقباتٍ وأشواك ولا بجروحٍ وفراق، يُصبح هذا السّراب سلوى فنمضي ونحنُ نضحك، وإن بكينا، فإننا نذرفُ دمعًا ضاحكًا، غريب كيف بإمكان الإنسان التّشبّث بآخر أنفاس حلمه بكل القوة هذه؟

قفز لعقلي سطر الأُغنية: “ولكن عُذرنا الحاضر، نُراعي الوقتْ والخاطر”، وبخلاف كل شيء أنا عُذري الآن مُراعاة وقتي وخاطري المُتعلِّق بطرفِ حلمٍ مُحال تحقّقه، ولكنني لم أُزعزع جذور قلبي عن دياره رغمًا عن الحقيقة..

فلنعود للواقع..

لا أودّ العودة أبدًا، ولسان الحال: (خلّني بالحلم عايش).

تحت تأثير الفوضى!

عبر نافذة عقلي ألحظ تلك التغيّرات التي جعلت قلبي هشًّا، التي جعلته يرقص فرحًا برسالةٍ مجهولة، ويتتبع ساعات وجودِ شخصٍ ما في يومي، قلبي الذي يتخبّط ليلحظ أحدهم وجوده على هذه الأرض، أمر مُرهق، وما يزيد ذلك صعوبةً أن ذلك القلب لا يعرف صدقًا هل هو محبوب فعلًا، أو هل ما يحصده من مشاعرٍ تُختزل بالكلمات حقيقة بما يكفي ليتكبّد كل هذه الفرحة، لكنها البدايات، الأكثر إرهاقًا وتخبّطًا وتشتّتًا، تُداعب قلوبنا الضعيفة كما يحلو لها وكأننا لم نتباهَ يومًا بأننا أقوياء لنرفض كل هذه الفوضى، ولكنني الآن، وبكل اليأس! لستُ قوية على قلبي قط، أو بالأحرى أودّ أن أُعطيهِ الفرصة ليعيش الشعور حتى النهاية، وفي داخله قبضات الخوفِ من الخيبة، ولكن ليعيش ذلك على أي حال.

أنا جيدة بالكتابة وبالمُقابل قد أبدو ضمن أكثر الأشخاص الفاشلين بالكلام، تُخالجني رغبة أن أتبع مهارتي بالصّمت كثيرًا، حتى أنني أحيانًا أُريد أن أُجيب على سؤال: ماذا سنأكل اليوم؟ برسالةٍ أكتبها على ورقة ملاحظات صغيرة جدًا، هكذا وصلت بي الأمور.. كتبت لأحدهم يومًا رسالة طويلة جدًا، باكية بالاعتذار الذي لم أستطع إبداؤه عندما كان أمامي، حيث الفرصة الحقيقية الأولى للاعتذار، ولهذا أخشى كثيرًا على من أُحب مني، وأتمنى لو أن يكون هناك شخصًا واحدًا على الأقل يفهم ما أنا عليهِ وما أنا به، يفهم حقيقة ما أُبديه ويعرف أنني أستطع تزييف حُزني ليظهر له فرحًا عارمًا، وأنني ابتعد ليس كرهًا إنما ابتعد حتى لا أنسى ذاتي، بُعدِ محبٍ وليس كاره.. أتمنى أن أجِد!

تزامنًا مع العام الميلادي الجديد 2022 -رغم أنني أُحارب الاعتراف بالتقويم الميلادي-، ولكن الآن.. سأكتب عن عامٍ رسم منحوتةٍ خارقة الجمال على جدارِ قلبي، حتى لا أنسى أنني في أيّامه كبرت أعوامًا عديدة تفوق ما أنا على حقيقته، وأنني لم أعُد تلك الفتاة التي تمرر الزلات بذاتِ خفّة الخاطر، إنما بعاصفة تمحو معالم العلاقات بعدها، ولا التي تقول “نعم” مجاملةً، وأنني توسّدتُ وسادة الوحدة ليالٍ طويلة دون أن أُبدي عتابًا لأحد على ذلك، بل أنني تصالحت مع أن أكون وحيدة وأصبحت أسعى لأكسب لحظات برفقة نفسي أكثر من السّابق، تصالحت مع كل العيوبِ في، وعظّمت محاسني كثيرًا، أغرقت تفاصيلي بالغزل والعطف، وأشعر أن تلك المرحلة أسمى ما قد يصل لها الإنسان، أن يكون رحومًا بكل جوانب ذاته، أشعر أنني في هذه السنة فقدت ثقتي في جميع الناس، ولكنني كسبت ثقة نفسي بي، أشعر أنه عام مختلف، خاصةً فيما أكتب عنه! استطعت لمس تأثير الأحداث فيّ حتى أنني أُحاول الكتابة بشفافية أكثر، لم أعد أخاف أن يُصبح ما أنا عليهِ مفضوحًا للعامّة.

أخيرًا، اكتفيت من هذه الفوضى…

حقوق الصورة البارزة: unsplash.com _ @katiemcnabb

كيف أواجه ضغط نهاية الفصل الدراسي؟

مرحبًا، أشعر هذا الصّباح أنني على ما يُرام، على الصّعيد النفسي خاصةً، صنعت قهوتي وقرأت ما تيسّر من كتاب “قبل أن تبرد القهوة”، ومن ثمّ شرعت في كتابة هذه التدوينة، لا أعلم متى سأنتهي منها وأنشرها، ولكن حتى هذه اللحظة أكتب بنهم، لم ترتفع أصابعي عن لوحة المفاتيح إلا لكتابة الفاصلة، بالمناسبة؛ سعيدة جدًا بالتطور الذي ألاحظه في نفسي عندما أكتب، لطالما مرّنت عقلي على تدفّق المفردات والأفكار عندما أفتح المسودّة، ولمن يتساءل كيف؟ سأنشر قريبًا تدوينة عن هذا النطاق.. ترقّبوا.

عمومًا، الأسابيع القليلة المقبلة تُوافق مرحلة نهاية أعمال الفصل الدراسي وإغلاق رحلة الاختبارات الجامعيّة قبل تلك الإجازة المطوّلة. أصبح الضغط مهولًا، ومحاولات لملمة المنهج على مشارف أن تُعقّد الأمور أكثر، نوم متقطّع، جلسات مطوّلة أمام شاشة الحاسوب، أمطارٌ غزيرة من الأعمال الفصلية الواجب تسليمها، بعضُ أبحاث الدراسات المؤرقة، ركضٌ دائم لانتهاز الدقيقة.. حتى أنني فكرتُ قليلًا في التوقّف عن التدوين والنشر في صفحاتي الشخصيّة حتى تمضي هذه الرحلة، ولكن أعرف يقينًا أن هذه المساحات هي التي ستُحافظ على اتزاني وتملأ وقودي، لذلك استبعدت الفكرة في أقل من جزء الثانية. عندما مارستُ “الفضفضة” عن هذه المرحلة في لقطاتٍ يسيرة في حسابي على منصة السناب شات، هناك من تمنّى لي التوفيق، وهناك من تهكّم وسأل: لماذا لم تستغلِ الشهرين الفائتة في إنجاز ما تتذمّرين منه الآن؟ يا للأسف، آلية هيئة التدريس الآن صعبة ومُنرفزة، لا يعرفون كيف بإمكانهم إطلاع طلبة وطالبات العلم على متطلبات المقرر أول الفصل عوضًا عن صفصفة سِمات الشخصية الشريرة وأبجديات التعارف الساذجة، لذلك هذا الضغط يا عزيزي الذي نُنفّس عنه هنا وهناك ليسَ بالضغطِ المصطنع الخيالي، إنها مرحلة حقيقية لا يسأم العالم من كبكبة ما تيسّر من مطباتٍ فيها، علمًا أن الجميع قد يمر في هذه المرحلة الفوضوية سواءً كان مهنيًا أو شخصيًا، لكن لا أعرف سبب تضييق الخناق على الطلبةِ والطالبات. كان الله في عوني وعون كل طالب وطالبة في كافة المراحل الدراسية.

وأُكمل على ذات السياق.. كيف أُواجه هذه المرحلة؟

إن أهم أهدافي للعبور في هذه المرحلة أن أُحافظ على صحتي النفسية والجسدية، كيف؟

  • أُنظِّم فترة النوم، بحيث يكون كافٍ وصحي في فترة الليل، وسلامة الوجبات اليومية من الوصفات المُكسِّلة.
  • أُرتّب وقتي ومهامي، وأسعى في وضع قوائم الأولويات بحسب أوقات التركيز والإنتاجية، وهذا في وضع المهام التي تتطلب تركيزًا عاليًا وجهدًا مضاعفًا في الفترة الزمنية التي أكون فيها بأوجّ عطاءاتي وإنتاجيّتي، وهذه الفترة بالنسبة لي هي في الصباح.
  • أبتعد عن البيئة السلبية، وبالنسبة لي البيئة السلبية هي في تجمّعات الطالبات الافتراضية ورسائل التذمر على واتس اب وغيره، وهذا لا يُنافي حاجتك كطالب في التنفيس عن تعبك في المذاكرة أو الدراسة.. ولكن حاول أن تُمارس هذا التنفيس بعيدًا عن التجمّعات هذه.
  • الاستجابة لرسائل النجدة التي تنبثق من ذهني وجسدي وأخذ أوقات استراحة متفرقة في أثناء تأدية مهامي الدراسية.
  • أُواجه أفكاري المباغتة التي تنغص عليّ وقتي في المذاكرة، ومنها: ما الفائدة من هذه الدراسة؟ متى أتخلّص من هذا التعب؟ وما على شاكلتها.. تذكر أن هذه فترة بسيطة وستنقضي!
  • أُجهّز قوائم المكافآت ووسائل الترفيه المساعدة والمُخفِّفة من وطأة المرحلة، كالمسلسلات والأفلام والتنزهات والهدايا للنفس، وأُنوّه أن يجب أن يتم اختيارها بعنايةٍ شديدة، بحيث تقوم منزلة التخفيف وليس تصعيد الأمر العاطفي للشدّة، احترس.
  • أكتب الهدف الذي أسعى له حبوًا وسط هذا الركام، وتختلف الأهداف بحسب الشخص وتطلعاته في مرحلته، ولكن بالنسبة لي أهدف إلى عدم التفريط في معدلي العالي والممتاز.

وأخيرًا، أتمنى لنفسي ولكم التوفيق، وأن تُزيَّن أحلامنا بالبلوغِ والتمام، آمين.

توقَّـف.. وتأمَّل!

مرحبًا بكم، سعدت جدًا بنشر هذه السلسلة على صفحاتي الشخصيَّة في منصتي TwitterInstagram وكانت ردود فعل القُرَّاء جميلة، والآن أسعد أن أُثبّتها في مساحتي الجميلة هذه!

بدأت سلسلة توقَّف تدور في بالي أثناء قراءات المحتوى الذي يدعو إلى مواجهة وتيرة الحياة المتسارعة التي صِرنا في عُمقها اليوم، ولا سبيل منها إلا بالعزيمة والإصرار، ومِمَّا كنت أحتاج سماعه صغت هذه السلسلة، وكما يُقال: من القلب إلى القلب.. بدأت الرحلة بالتذكرة الثالثة، وسُئلت لماذا لم أبدأ بالرقم واحد أو اثنان، لأن موضوعي هذه التذكرتين خاصٌ جدًا ودراميٍ بشكلٍ هائل، فعندما كتبت السلسلة من التذكرة الأولى، فضّلت أن أنشر بدءً من التذكرة الثالثة، فأهلًا بكم!

  • تذكرة رقم #3

هناك صوت في داخل كل إنسان يُرافقه كروحه، ويأتيه حين يُذنب، يَحزن، يَنكسِر، يَفشَل، يَزِلْ، يُخطئ، يَتوه، يَنجح، يَبتكر، يَتطوّر.. إلخ! ولو تأملت فيه قليلًا، ستجده حاضِرًا في كل حالاتك، وإن نجحت سيأتيك على هيئةٍ يستنقِصُ بها ما نجحت به، لكن سيُصبح أكثر حِدَّة حينَ تضعف، وَ وجودِ هذا الصوت له حِكْمَة، وكنت أتصالح مع استقرارِه ودوافعهِ وغاياتِه، حتى باتَ يُطيل الحديثَ معي عن أهدافي المرسومة على حائِط المكتب، ومتطلباتي في عملي ودراستي وما إلى ذلك، حتى شكَّلَ شخصًا آخرًا منّي، أكثر جزعٍ وجوعٍ وتيهٍ في دهاليز الحياة، لا يُرضِيه تقدُّمًا ولا سعي.. ولا أخجَلُ فضحه.

وبينما كان ينمو، كنت أنا من يُغذّيهِ، ويُحسِّن هندامه، ويَدعم معتقداته، قبل أن أجزم التغيير وأهدم بُنيانه، فسابقًا لم أكن مِمَّن يتساهلون حين لا تسِير أهدافهم وفق أهوائهم، بل كان الأمر محط جدالٍ داخل عقلي والكثيرِ من التساؤلاتِ الذي يُضخِّمها هذا الصوت بترحيبٍ مني، واستنزِفُ بها صحتي، وهذه الصِّراعات تتطلَّب موقفًا حازمًا منك فقط، فوحدك تستطيع تولِّي زمام الهدنة، والتحسين، وأوَّل ما سعيت له في رحلةِ توقَّف، أن أتدرّب على جعل المرونة أول سِمات العلاقة بيني وبين ذاتي، فليسَ كل شيء بإمكاننا إنجازه، ولسنا دائمًا في موضعٍ يسمح لنا بالعمل والإنتاجية وتحقيق كل ما نرسمه بمثالية.

بل ربما الإصرار على الإنتاج وتجاهل الحاجة الذهنية والجسدية والنفسية للراحة واستجماع القوى يجعلك أكثر سوءٍ في السلوك والتفكير، فتوقّف قليلًا، خذ قسطًا من الراحة من كل ما يؤذيك ولو كنت تحبه، اصنع فجوة تساعدك على الرؤية الواضحة، فليست كل الفجواتِ ضررًا، لا تفزع، أنت بمأمنٍ طالما تستطيع السيطرة على هذا الصّوت بداخلك.

  • تذكرة رقم #4

“لن تكوني أُمًا صالحة إن لم تعتني بنفسكِ”، إحدى حوارات فيلم الأمومة المُلهِم (Tully)، والذي يُرمز لاسم المربية الليلية التي جاءت للأُم مارلو كمُعجزَةٍ من السَّماء، لتمدَّ لها أيدِ العون والمواساة للأُمِ المُنهَكة، في بدايةِ الأزمة لم تُحبّ مارلو طلب المساعدة من أحدٍ قط، رُغم أن الجميع حولها يحاولون تقديم المساعدةِ لها لكنها ترفض وتُناضِل المسؤولياتِ وحيدة، وفي نهارٍ ما زادت نوبة بكاء طفلتها الرضيعة، ومع كل صرخةِ ضغطٍ صرختها مارلو، اتضح لها أن المُكابرة على طلب المساعدة لا يزيدها إلا توترٍ وتقصيرٍ واضطرابٍ نفسي وسلوكي، فقررت طلب المساعدة من هذه المربية تالِّي، وما إن بدأت تالِّي عملها، لاحظ الجميع تحسُّن الأُم، الفيلم مليء بالتفاصيل التي تُغيِّر نظرية بعض الأُمّهاتِ لفكرة طلب المساعدة مِمَّن حولهن، لذا يستحق المُشاهدة.

عمومًا ليس فقط الأُمّهات من يحتاجون لتقبُّل هذه الفكرة، بل الجميع، الآباء والأطفالِ والأصدقاءِ والإخوة، وكل إنسان يجب أن يتقبَّل أنه لا عيبَ في طلب المساعدة لإنجازِ أمرٍ ما. فمهما بلغت من الهمّة والاحتراف والإتقان والمعرفة والجودة والسرعة وحب العمل الفردي والإخلاص هناك حالات يستوجب عليك طلب المساعدة فيها رأفةً بك، وتوقَّف عن احراقِ نفسك واطلب العون ولا تُناضل في كل جهاتك وحيدًا، شُدَّ ساعدك بمن تثق بهم وبرأيهم.

  • تذكرة رقم #5

هناك حِيلة يُمارسها الإنسان على ذاته وهي التأخيرِ أو التأجيل، ولا ضرر في ذلك إن كان في حدودٍ سليمة تَرفَع لا تُسقِط، تُهذِّب وتُحسِّن لا تُفسِد، وكما قِيل:(لا تؤجل عمل اليوم إلى الغد)، العبارة التي كانت تقولها والدتي في طفولتي بسخرية، طمعًا في إنهاءِ واجبات الخط العربي المتراكمة، لم أكن أعرف أنها فضفاضة لاحتضانِ كل هذه الأبعاد النفسية إلَّا عندما كبرت بما يكفي لأُصبح واعية أن بإمكان الإنسان خِداع نفسه بالعباراتِ الرنَّانة بسهولةِ خداعِ شخصٍ آخر، لا أنوي التطرق لهذه الحيلة بلهجةٍ حادَّة تُبعثرك، لكن هذه المحطة هي أساس بناء علاقة صحيَّة بين الفرد وذاته. لماذا؟ لأنّ نفس الإنسان مكشوفة عليه، لا أحد لا يفهم نفسه، ولا يعرف حقيقة ما يبدر منه، جميعنا نملك مفاتيح أنفسنا، لكن الغامض أننا أحيانًا لا نودّ التعامل بوضوح، فعندما تريد أن تُحسِّن من علاقتك بنفسك يتوجب عليك أن تكون صادقًا معها، عطوفًا، حنونًا، متفهّمًا، واضحًا بلا حيل!

ومن صور الحيل النفسية الدارجة الآن: بعدين!

بعدين في القرارات المستقبلية، بعدين في الدراسة، بعدين في الوظيفة، بعدين في الزيارة، بعدين في التحسُّن، بعدين في التوبة، بعدين في التفقّه، بعدين في كل شيء تقريبًا، صغير أو كبير، مُباشر، أو غير مباشر!

فتوقَّــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــف

توقَّف الآن وتأمل في كل التأجيلات التي قمت بها في حياتك، وضع النقاط المناسبة للحدّ من تفاقم مشكلة التأجيل معك، وتفهَّم بأن هدف هذه الرحلة ليسَ بالضغط عليك بما لا تطيق تحمّله، إنما الهدف أن تُبصر على نفسك لغايةِ التحسُّن، وألا تُراكم الصغائر وتحتقرها.. وتذكر بأن كل صغيرة جسر عبور لحدوث الكبيرة.

  • تذكرة رقم #6

هناك محطَّات يمر بها الإنسان ويعبرها، لكن لن يعبرها كمَا كان! سيركن على جانبِ المحطَّة شيئًا منه، ويَمضِي بشيءٍ آخر بإدراكه أو رغمًا عنه، ربما عادة كان يُمارسها، أو مفردة ردّدها كثيرًا، أو سلوكٍ ما ومُعتقَدٍ لطالما آمن به، ربما يَخسر صديق أو مهنة وربما يكسبهما معًا، وغير ذلك الكثير، ظاهرًا أو باطنَا، يُحبّه أو لا يُحبّه. فالمخلوقات مرغمة على تجرُّع حُزن الخسارة ولذَّة الكسب، وهذا مِمَّا لا شكّ به، ولكن هل تعرِف أحدًا حطَّ رِحالهُ في محطَّةٍ ما مليئة بالأمتعة الحَزينة، وهو مجبرًا على حملها والمُضيَ بها، لكنه نَسيَ أن يَحمِلَ نفسهُ معها؟ هُناك من يدخل علاقة ويَعود منها خاسرًا نفسه، مكبّلًا بآفةٍ نفسية، وتمر فصول الحياةِ من جانبه وهُو ساكن! يَضع نقطة نهايةِ حياته بيدهِ ويطلب من الدَّنيا التوقف معه، متجاهلًا أن الدنيا لا تأبه بخساراتِه ولا تتوقف لتوقّفه! وأتطرّق للعلاقات لأنها مثالٌ حي ولا زال الوعيُ به قاصرًا، أيضًا هناك من يتلذَّذ بنُسخته الحزينة وكلما همَّ بالخروج دَفَع نفسه داخلها بعُنف، حقيقةً هناك من لا يَرغب بالتغيير أبدًا، وهؤلاء ليسوا محور التذكرةِ، إنما أكتب لأولئك الذين يرغبون بالتحسّن والتغيير فعلًا لا قولًا، لكن يجهلون السَّبيل لذلك، أقولُ لهم: توقَّف! ما دُمْتَ مُدركًا للأمر فستنجو، ما دُمْتَ موقِنًا بفصولِ الحياةِ التي يُرتّبها الله بأمره وحكمته فستَصِل! فتوقَّف، وراجع محطَّاتِك التي حملت كل شيءٍ فيها عدا نفسك، عُد إليها مجازًا، وأَنِرْ أضواء حاضرك بالقناعةِ والرِّضا بأنَّ كل هذه المحطَّات إضافة فقط، كل ما حولك إضافة، فتأمَّل متى ستكون هذه الإضافة نِعمةً أو نِقمة.

حقيقة منسية – نقد مؤلفات (كيف) المتبوعة بمدة زمنية

قبل أيام توجهت إلى قرطاسية الحي التي تُوفِّر رفوفًا شاهقة بتصنيفاتٍ كثيرة، وجذبتني محادثة شيِّقة بين فتاتين حول جودة المؤلفات المعروضة، وأُصدقكم القول أنني ولأول مرة أمنع نفسي من التدخل في أي حديثٍ ترمي أطرافه إلى الكتب والقراءة والتوصيَات، وفي عُمق تلك المحادثة كانت إحداهنَّ تحاول التأثير في رأيّ الأخرى بكتابٍ ما، وتصر عليها بـ “لا يخدعك عنوانه، لا تشتريه”، وإن تحدثت شخصيًا عن كم الكتب التي خدعتني عناوينها وعن النتيجة المتمثلة في الندم والاستصغار من هذا القرار فلن أنتهي، أعادت الفتاة الكتاب إلى موضعه على الرف بتردد يُشابه ذلك الندم فيّ، وبنظرة خاطفة استطعت تمييز اسمه، وبضحكةِ انتصارٍ من وراءِ الكمامة خرجت، كانت أول كلمة في عنوانه (كيف) وآخره مدة زمنية يُزعم أنها كافية لتحقيق المَنالِ، والمُستفز أنها عشرُ دقائق! كيف يُمكن أن أُصبح/ أنجح/ أُطوِّر/ أُغيِّر في هذه المدة فقط؟ ، وهذا مُختلف كليًا عن الإنجاز بمعناه الحرفي.

في الحقيقة إن الخروج بعنوانٍ لافتٍ ومُغري للاقتناء مهمة صعبة تفوق صعوبة تأليفِ المحتوى، وأنه بذاته قادرًا على تحطيم جميع مميزات المحتوى ودفعه للهاوية، حتى وإن كان ثريًا ومُفيدًا وناجحًا وصانعًا للتغيير، ولإثبات أنني لست الوحيدة التي تُستفز من عنوانٍ أو تنظر بهذه النظرة إلى مؤلفات (كيف) المتبوعة بمدة زمنية سألت زميلةً عن رأيها، فانهمر على تذوقي القرائي الاطمئنان والأمان حينَ أجابت أن تلك العناوين تنتشلُ الأرق من مواطنه وتضعه في رؤوسنا، مُشيرة إلى أنها ضحية كتاب يُعلِّم كيف تُصبح قائدًا مُحترفًا في عشرِ دقائق، وتوجب علي الاحتفال بهذا الوصفِ العميق والحقيقي، لأنني شعرت بذات الشعور حين كنت اقتني مثل هذه المؤلفات، وأغوص في صفحاتها بينما عقلي لا زال مُتوقف عند الغلاف يُحدِّق بوظائفه إلى ذلك العنوان، وبينما أُحفِّز جلبهِ للصفحة الحادية عشر هو هناك يُجدِّف عكس التيار وقد أعياه التعب، إلى أن تحكم اليد قبضتها فتُغلق هذا الكتاب، فلا يظن كاتب هذا العنوان أن القارئ مُستمتع، أنه يُصارع للنجاة.

وفي ذات السِّياق؛ كان هناك ورشة عمل افتراضية تحت أُطر اكتساب العادات والمهارات، وقد أُقيمت بإشرافٍ تام من قِبل رئاسة قسم الأنشطة الصَّيفية، ولا أخفي أنها كانت كالضَّمير الذي يُثير فوضى مُتداخلة مع ذاتك، لشدة ما كان شحذها للهمم مُفرطًا، والمعروف أن كل أمر يزداد عن حدوده، ينقلب ضدنا، لذلك كنت أراها كالعِقاب، تناولت الورشة محاورًا عدة أبرزها: كيف أتعلّم أي مهارة أريدها خلال عشرين ساعةٍ فقط؟ آلمني أن ما أهرب منه بالمكتبات قد انتقل إلى ورش العمل والدورات التدريبية، وتحدٍ جديد لإثبات أن المهارات والعادات وكل ما يَزعمون لا يمكن تحديدها بتوقيتٍ معين، عشر دقائق، عشر ساعاتٍ، واحد وعشرين يومًا، كل هذه التحديدات تخلق ضغط هائل على المُستمع والقارئ والجاد في التعلُّم، وقد تكون منفرة إن لم يكن واعيًا للحد الذي يعرف أن لا شيء منوط بالتوقيت أو عدد الأيام أبدًا، إنما بالالتزام، وهذه الحقيقة المنسية دائمًا من النصائح والمحاضرات، كل شيء يرتبط بشكل أو بآخر برغبة مُلحّة للعمل، وبدون الالتزام لن تنجح بعادة ولا بمهارة ولا بقيادة ولا بأي شيءٍ آخر.

وهنا وجه ثالث للإثبات بمحض تجربةٍ شخصية، عندما أنشأت مدونتي السابقة في العام 2017م، لم أكتب فيها سوى مقالًا واحدًا لا يتجاوز الـ300 حرف، يوجد حب للكتابة والمواضيع والأفكار وميادين التجربة، والأكبر أنه هناك قرار للبدء في التدوين، كل ذلك متوفر بحقيبتي، لكنني فقدت عنصرًا مهمًا ووقودًا حقيقيًا يستظل كل ما سبق تحت قدرته، الالتزام، لم أكن مُلتزمة وجديَّة بشأن المدونة، ولم أُحوِّل كل تلك الأفكار لخدمة المدونة، أيضًا كنت مِمَن يسعون لإدخال التمارين الرياضية لأسلوب حياتهم، وعلى مدار سنتين ونصف، شحذت همتي ورتبت مكاني وتكلّفت بعدتي وصدقت مقولة “21 يوم تكفيك لبناء العادة”، وتدربت وحالما أنهيت الواحد وعشرين يومًا، انتهت معها التمارين الرياضية، وهُجرَ المكان -مع كامل أسفي-، وهنا ألومُ نفسي لأنني لم التزم إلا بعدد تلك الأيام، وأنني فتحت مجالًا لعقلي الباطني أن يُنفذ القرار في هذه المدة فقط، وفي العودة لكل ذلك المحتوى الناقص من أهم مورد، أيقنت أنني أبغضُ كل كيفية تخلو من بند الالتزام، وأن كل ما استهلّ بـ (كيف)، سيُهدم سريعًا، وأننا بدون الالتزام لن نصنع ولن نُنجز ولن نتطوّر ولن نتعلم أبدًا.