حيث يُصبح كلٍ في نصابه..

أهلًا وسهلًا، كل عام وأنتم بخير قرّاء مُزدَانة

الحمد لله الذي بلّغنا شهره الكريم ونحنُ بأتمّ الصحة والعافية، وأضاءَ لنا بهجة عيد الفطر السّعيد ونعمه ووافر فضله يُحيطُ بنا.

والآن…

هل تساءلت مرّة كيف تجعل لكل شيء في حياتك نصابه الذي يستحقه أو مكانه المناسب؟

إن الحديث عن هذا السياق متشعّب ومترامي الظنون والأحكام -وقد أفشل في حصره-، ولكن نتفق أن الحياة تمضي باستقرار بعد إذن الله جل علاه حالما تمتلك مهارة إدارة التقديرات التي تُعطيها للأشياء وللأشخاص وللعادات وللممارسات في يومك، وموقنة بأن حصول اليوم على أكبر نسبة من الاستقرار -لاسيما في الأوضاع المتذبذبة الحالية- يُعطيك الاستقرار الأمثل للحياةِ كاملةً، أي استقرار الانفعالات والدوافع والمشاعر والنفس في الطوارئ، كتبت مرة أن التزامك بنفسك وسلوكياتك في مواجهة العقبات البسيطة، يُغذّي الروح المؤمنة في داخلك إن اصطدمت بالعقبات الكبيرة الفارقة.

وبعد محاولات جزلة في تحسين هذا الأمر على الصعيد الشخصي، فإنني اليوم أجد رغيفًا من الاستقرار إزاء هذه النظرة، تعلّمت خلالها أن المكانة شيء رائع إن أُعطي بدقّة، وعلى جانب العلاقات -وبمناسبة أنني للتو أخرجتُ نفسي من علاقةٍ فاشلة-، كنتُ أضعها في منزلةٍ واسعة في شخصيتي حتى أنني منحتُ لها وقتًا كافيًا لتنضج على مهل، ووقتًا أكثر لترتكز في حياتي، ولم ألقَ جزاءً، كانت سامة بالفعل، وكتبت الكثير في المدونة تحت وطأة سمومها، ولكن الآن.. وعندما وضعت نفسي في نصابها المستحق، والطرف الآخر كذلك، فإنني لستُ نادمة، ولن أُمهّد طريقًا لتعود هذه العلاقة إلى سابق عهدها -بل سأدفن كل الطرق- حتى أتجاوز، وباعتبار أن الحديث عن الشيء يجعلك تتجاوزه بخلاف المروج له أنه يعني أن الأمر لم ينتهِ بعد، فأنا أقول إن الكلام أحد قواعد بناء التجاوز والتخطّي، وبعدما كتبت وتكلمت لمدة تقدّر بأربعة أشهر، بات كلامي عونًا لي في جعل النقطة سهلة الرسم بعدما كانت صعبة، وأن كل تخلّي في مقابل كسب نفسي، لن أعدّه خسارةً، بل أرباح.

أما في جانب العادات؛ فإنني أعطيتُ عدد من عاداتي نصابها المستحق سواءً كانت بالأهمية أو المهم أو عديم الأهمية، وتنازلت عمّا لا نفع منه، ووضعت مكانه ما سيجعلني أفضل وأكثر هدوء، جلساتي الطويلة مع ذاتي ومحاوراتي المستمرة للأمور في يومي، جعلتني أكثر اتزان، وأكثر جودة في مواجهة العقبات، وعليه فإنني أقيس النظرة لكثيرٍ من الجوانب، وتأكدت أن تطبيق حسن التقدير بصورته الجيدة ستُعالج الكثير من المقلقات والمشتتات العاطفية والجسدية والذهنية، الأمر ليس تنظيريًا، إنما أحد أساليب الحياة التي سعيت لها، أن ترى نفسك منضبطًا جميل، ويُعزز الثقة بالنفس والجهد. وحيث يُصبح كلٍ في نصابه تتحقق الأهداف الحياتية بإذن الله، يُصبح الإنسان قادرًا على التمييز بين مستهلكات طاقته، ويحدد أيٍ له منها ثمرة، أن يكون للإنسان أولويات موضوعة بعنايةٍ فائقة أحد أهم المسير النافع، وما ذكر أعلاه أمثلة تُدغدغ فؤاد المرء، ولكنّها كانت أولوية تركيزي في بناء الأماكن المستحقة.

فهلّا اقتنع البعض أن أسلوب الحياة حقيقة وليست مجرد حداثة دخيلة لا نفع منها؟

ثقب في رداء الطمأنينة!

لستُ مميزة، أنا فقط أحاول أن أكون إنسانة تعرف كيف تُثبّت قدميها عندما تتداعى الأشياء من حولها، وتبتسم وتتلطف القول عندما يتحد كل شيء لإحزانها، أحاول أن أكون ذات قيمٍ سليمة ومبادئ واضحة.. ببساطة، أود أن أمارس بشريتي كشخص بسيط جدًا يملك موقفه وكامل تصرفه بقراراته وأحقيته بالبكاء وإبداء الضعف كسائر البشر..

أود الإحساس بصدق الاكتراث لأمري، لا أعرف سببًا منطقيًا لكل هذا التكذيب الذي أُواجه به كل ما يدور حولي، الذي أعرفه أنّي أُعاني أيامًا متذبذبة! أود الرحيل، ولكن أريد البقاء بذات الشدّة، أرغب بوضع النقطة التي لا يكون بعدها التفاتة، ولكن يبدو قلمي عاجزًا عنها كثيرًا، أبكي كل تلك الفرص التي تهرب من يدّي، وتلك التي أرفضها مجبرة، ربما في ذلك خيرة، ولكن أرغب في الدخول لمضمارها بكل أسلحتي! أعرف أنه يجب أن اتّبع مصالحي، الذي يؤلم وتتردد لأجله خطوتي أن المستقبل لم يعد شيء يخصّني وحدي وكل تلك المصالح هناك من سيدفع ثمنها معي.. يا الله!

أيضًا؛ يخنقني الاحساس بقرب انتهاء شيء أُحبّه جدًا وتلاشيه رويدًا رويدًا من بين إدراكي، شعرت بثقل التواصل ذاك الذي بدأ يُخيّم بيني وبين أحدهم العزيز، أصبحت قابعة تحت غيمةٍ سوداء تُهطل الوداع قطرة قطرة، شعـر قلبي بذلك، قلبي الذي لطالما وضعته جانبًا في كثيرٍ من المواقف.. ولكن ماذا أفعل بعقلي؟ بدأت أرى جدار النهاية ببصيرته، كيف أُكذِّبه؟

بحرٌ من اللَّايقين!

يتبادر إلى ذهنك الكثير من اللحظات التي ترتطم فيها مع ذاتك في مفترق الطرق التي تسلكها، لعلّ أسوءها أن تتجمّد في مكانك عندما تتزعزع طمأنينتك في أنّ حقيقة ركضك المستمر شيء في نفسك تودّ التخلّص منه، وليس حبًّا وشغفًا وأملًا كما تدّعي، تتخبّط اتجاهاتك لاهثًا وراء بادرة نهايته، فجأة تشعر بالظّلام وأنت قابع في ذروة النُّور، تودّ أن تجثو على همّتك، ليس استسلامًا إنّما للملمة الشّتات، حتّى وصل بكَ الحال بأنك لا تعلم حقيقة شجاعتك، تتساءل: ماذا لو توقّفت وملأت النّبع الذي يجعلني قادرًا على إكمال سيري، هل سأبقى راغبًا في الوصول إلى تلك الوجهة حقًّا؟ يا الله، هذه الشكوك التي تغزو الآمن مُرهقة، ولم يعد يُسكتها إغماض العينين، هل لو رطمت رأسك ستصمُت يا ترى؟ لا أعلم.. لكنّك ستكون تحت وطأتها بشكلٍ مؤلم، ولا ترغب في أن تُسْقِط قلبك في أرضها، شيء في داخلك يدفعك للأمام رُغم الأرض المُلغّمة، وهذه كفّك! تتأمّلها ولا تُريد لأحد فهم ماهية رجفتها ويشعر بيُتمها، ربما حالة تجاوزت الطبيعي في الكبرياء، أيضًا كل هذه الأرقام في هاتفك لم تُجيب، وكل الأماكن التي لطالما تغزّلت بالأُلفة على سورها أصبحت مُوحشة، اندثار السّلام إلى هذا الحد مؤلم والرغبة المفرطة في العودة إلى كونك غريب عن نفسك وعمَّن حولك تتعاظم، ولا تستطيع التخلّي عن كون كتفك عكّازًا لمن حولك، ولكن ترغب بكتفٍ ما لبضع الثّواني.

أحيانًا تشعر كما الصّندوق؛ مُمتلئ، يستنجد عدم إرهاقه بالمزيد! لكن لا أحد يشعر بما يُحاول حكايته، وأحيانًا تشعر أنّك تزوّدت بما تيسّر في الحياة ونسيت شيئًا باستطاعته انتشال كل هذه الغربة منك، نسيتَ من بإمكانه بلا كللٍ ولا ملل الحديث معك النهارَ بطولِه والليلَ بسكونه، عمَّن يزرع في قلبك روحه ويضمد بها الوحشة، وحال احتياجُك إليه يُخرجها ويلفُّ بها روحك، لا أن يذهب بها ويُعمِّق الاحتياج، أردتَ من يعرفك عندما يجهلك الجميع، ويشدّ هذه التجاعيد إن بانَ ضيمها، من يفهم عتبك تقرّبًا، واستراحتك تجعلهُ أكثر ما يجذبهُ إليك، تحتاج لمن يفهم حقيقتك! بل تحتاج لمن يُضيئ الحقيقة وسط كل هذا التكدّس للزيفِ والشّكوكِ واللّايقين في أيامك، أن يكون جهتك الخامسة التي تهرب إليها عندما تتداعى جهاتك الأربع، وكل الذي ترى نفسك بعينهِ من خلاله!

أيّام تتزعزع فيها وتترنّح على خيوطٍ من الأسئلة التي تبتغي إيجاد أجوبةً لها، لكنّ الجميع يُصرّ على دفعك لحفرٍ مليئة بالألغاز والتساؤلات والحيرة، ناضلت حتى بت طريحًا وهم يشهدون على كل شيء! وبين يديهم كل ما بوسعه إطفاء كل هذا الغضب والقلق، لكن لم يرغبوا تقديمه إليك.

مذكَّرة كورونا (2)

(5)

اليوم الخامس، السّاعة السابعة والنصف صباحًا، أعتقد أنّ أفضل شيء فعلته أثناء العزل أنني لم أفقد نومي الصحي في الليل، صحيح أنَّي سهرت ليلتين ماضيتين، ولكن علاقتي مع نظام السهر متوتّر، فلا أنا أُحبّه ولا هو يُحبّني، أنا الفتاة البارّة بالنهار! عمومًا؛ لم أُبارح سريري، أُواجه ضيق تنفّس فضيع، أشعر وكأنني سأفقد نفسي في أيّ لحظة، وتلك الوخزة التي أشعر بها في حلقي لا زالت مستمرّة، هذا يعني أن الوباء لا زال يُعارك جهازي التنفسي، يستوجب عليّ أن أنهض وأشرب عصيرًا طازجًا، وأتناول أدويتي التي لم آخذها طيلة الأمس، ولا تُخبروا والدتي بهذا الأمر.. لكن لن أنهض الآن، سأنام!

السّاعة الحادية عشر صباحًا، أخيرًا رأيتُ نفسي في المرآة وفي يدّي كوبًا من القهوة، نعم؛ لا أستطيع أن ابدأ بلا قهوة، أجّلت كأس العصير لما بعد الغداء. الآن؛ أُفكّر أن أقوم بمسؤوليات المنزل المُتراكمة، أحتاج للحركة، أحيانًا يُعطيكَ جسدك رسالة أنه يودّ الاستلقاء طويلًا، هذه الحالة بتُ أرفضها بعد الإصابة، أعرف أنه عندما أُعطي هذه الحالة القبول سأتعب، وسأبقى كل الوقت تحت وطأتها واستسلم لانهزام المناعة، الحركة تُفيدني وتُبقيني بخير.

السّاعة الثانية بعد الظهر، منذ سنتين تقريبًا لم أعد أعترف بالقيلولة خلال فترة النّهار، وتأقلمت مع انعدامها، بل أُصبح نشيطة بدونها، وما الذي أفعله في هذه السّاعة؟ أكتب، أقرأ، وأُكمل واجباتي الدراسية، والمهام العملية، هكذا إلى أن يُنادى على صلاة العصر، فترة القهوة العربيّة والعائلة، لكن الآن، حيث لا عائلة ألتفُّ حولها، أقضي وقتي في متابعة الوثائقيات والمدونات البصريّة.

السّاعة الخامسة، تلقّيتُ عناقًا بشكل جميل، بكوبِ قهوةٍ وحلوى لذيذة، ومن ثمّ مكالمة تطمئن على وصول القهوة بسلام، تصرف ابهجني جدًا، أتمنّى ألا يُحرم الأحباب والأصدقاء من لذّة اللقاء بلا قيودٍ ولا أوبئة ولا موانع، أتمنّى في هذه اللحظة أن ألتقي بأصدقائي، اشتقت لأوقاتي معهم، أُهاتفهم كل يوم، ولكن أُريد لمس أيديهم والنظر لعيونهم واحتضانهم.

السّاعة الثامنة مساءً، أنهيت مهام المنزل وأطفأت كافة أضواءه، يبدو أنّه لم تعد تُخيفني العتمة، أشعلت شمعة واستضفت رواية لا تقولي أنّكِ خائفة، الآن أيضًا سأقرأ حتّى أنام.

(6)

السّاعة التاسعة صباحًا، مُتعبة واشتهي البكاء ولا قوّة لدي للنهوض ومُجابهة الحياة، ذراعي تؤلمني، وآلام صدري أفسدت نومي، أودّ الاتصال على أحد، لكن لا أملك رقمًا واحدًا أستطيع الاتصال به هذه الدقيقة بلا تبريراتٍ أو قيود، حتى من أضعه بمنزلةٍ مُختلفة عن الجميع لم أستطع الاتّصال به ورمي ألمي عنده، مُتعبة جدًا.

السّاعة العاشرة وأربعين دقيقة، لا زلت أتألم وفي عقلي تتصارع حكاية الشّاب الذي لم يعرف أحد بموته داخل منزله الصّغير إلا بعد عشرة أيام، من سيعلم بشأني في هذه الشّقّة الصغيرة الباردة؟ توقّفي هاجر، يجب أن لا تتركي نفسكِ للأفكار السّيئة، انهضي!

السّاعة الواحدة ظهرًا، أشرب الماء الدافئ مع قطع ليمون، يجب ألّا تتمكّن مني الأعراض، أعلم أنّ أول عقبة يُواجها المريض أفكاره السلبية وإن فاز عليها فإنه لن يضرّه شيء بعد أمر الله، وموقنة أن جسدي يحتاج مني هذه القوة النفسيّة، لذلك أنا قوية.. حتى الآن!

وبعد.. تناولت وجبة غداءٍ لذيذة، أُحبّ الأرز بالخضار، أشعر وكأن معدتي تبتسم! الحمد لله. أيضًا لم أشرب القهوة اليوم عندما استيقظت، استبدلتها بمشروباتٍ صحيّة، ولكن الآن انهزمت! هذه القهوة أمامي! أسرق النّظر إليها بكل الحُب، شكرًا لله على وجود القهوة.

هل تعلمون أنني مؤخرًا أصبحت أكتب بشكلٍ يومي؟ لا أنشر نصفها بالتأكيد، بل أضعها مسودّة، ولكنني أكتب، أكتب بنهم، وما أقلق منه أن تتلاشى الكتابة اليوميّة عندما أنتهي من الإجازة الصحيّة وأعود لساحة العمل والدراسة والمسؤوليات.

لا زالت ذراعي تؤلمني ولا أعرف السبب رغم استهلاكي لمُسكِّنٍ مؤقت لآلام المفاصل والعضلات، وأُتابع بعض التدوينات البصرية لمدونون من ايطاليا، أُحب ايطاليا، تاريخها ومطبخها وجودة الحياة لديهم، أُحب متنزهاتها وأماكنها القديمة، اندهش بها.. وبجانبي دفتر صغير أُمسك فيه كل فكرة تُحلِّق في فلكي، هكذا أقضي النهار.

السّاعة العاشرة والربع مساءً، في هذه الساعة تبدأ طاقتي بالتلاشي شيئًا فشيئًا، أقضيها غالبًا بالقراءة، لكنّ خُطّتي هذه الليلة مُختلفة، طلبت عشاءي من المطعم الذي أُحبّه وسأتابع مسلسل تاريخي، أعتقد أن هذا أفضل ما سأُهديه لنفسي بعد الآلام التنفّسية التي تحمّلتها طيلة فترة النهار.

مذكَّرة كورونا (1)

لم تخرج نتيجة اختبار الفحص سريعًا، وددتُ أن يكون هناك خطأ ما، ليس لأنني أخشى الجائحة، إنّما لأنني قبل الاختبار بيومٍ واحدٍ فقط خرجت للتنزّه خارج المنزل، اختلطتُ بالكثير، وتعاملت مع كثيرٍ من البائعين، وشربت قهوتي المُفضَّلة في المقهى الذي أُحبّه، ابتسمت لجميع من اصطدم بكتفي، وكتبتُ على منديلٍ أثناء الانتظار، ولم آخذه معي، تركته على الطاولة. لم يُراودني شك أنني أحمل الوباء، لا أشتكِ من أيّ أعراض، بخلاف الصداع الذي لازمني خلال الأسبوع، وبالنسبة لفتاة تقضي معظم أوقات يومها بين شاشة الحاسوب والأوراق والدفاتر، لم آخذه على أنه عرض جدّي للوباء، وهذا والله الذي أنا آسفة عليه، وربّما تكون هذه النقطة الوحيدة التي تُحزنني من كل الأمر، وعندما خرجت النتيجة إيجابية وثبتت إصابتي بوباء كورونا، حزنت لأجلهم أكثر وتمنيت ألّا يكون هُناك من تأذّى! وشاركت من استطعت الوصول إليه نتيجة الاختبار لتبرئة الذمّة.

(1)

الجُمعة، السّاعة الآن الواحدة بعد منتصف الليل، بدأت أول ليالي العزل.. ليلة باردة ضيفيها الصّداع الحاد وآلام الصّدر، لطالما أهديت نفسي ليال وساعات وحيدة أقضيها بينَ هواياتي المُفضّلة، ولكنني تثاقلت هذه الليلة لأنني أقضيها وما بعدها وحيدة مُجبرةً على ذلك، وأعتقد أنّ القوّة في الإنسان تظهر عندما يُجبر على الاعتناء بنفسه وبطعامه وشربه وكل ما يتعلّق به في حال التعب والإرهاق، وفي هذه الليلة تمنّيت أن أكون بجوار والدتي، التي تصنع ألذ حساء دافئ في العالم، وكأس ليمونٍ طازج، وتنهيه بأطرافٍ تمسح برفق على رأسي المُتعَب، أعتقد أيضًا أن قيمة العائلة والأصدقاء والأحباب وزملاء السّكن تظهر عندما يمرض الإنسان، وفي قلبي أؤمن أنه لا يُمكن أن يغتني الإنسان عن الآخرين والاكتفاء بالله وحده بلا شك، لكنّ ربما تستطيع أن تحتوي حزنك وحيدًا، ومرضك وحيدًا، وفرحك وحيدًا، لربما تفعل كل شيء لنفسكَ وحيدًا، لكنّك لن تُصبح كذلك على الدّوام، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم عن رواية ابن النّعمان بن بشير: أنه قال: (مثل المؤمنين في توادِّهم وتراحُمهم وتعاطُفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تدَاعى له سائر الجسدِ بالسَّهرِ والحُمَّى)، ومن ذلك نفهم قيمة النّاس للنّاس، وعلى سياق ذلك اتأمّل هبة الله لأجسادنا، الذي جعل العلامات الحيوية والاستطاعة الجسديّة تتعاضد مع الصّحة النفسية، وكيف يُعطي الإنسان العطف على نفسه حينَ يكون شاهدًا على ما يحدث داخل جسده وبين أجهزته وأعضائه، الآن أشعر بمُجاهدة جهازي التنفّسي للوباء الذي يخرج على هيئة ألم، وأُحاول ألّا تسقط عزيمة جسدي ولا حالتي النفسية المستقرّة، رُغم أن سائر جسدي تداعَى لهذه المناعة بالسَّهرِ والحُمَّى، ولكنها خفيفة، وأسعى إلى أن تبقى خفيفة.

لا زلنا في اليوم الأوّل، عند السّاعة الرابعة عصرًا، في غُرفةٍ واسعة أقضي فيها معظم وقتي، مُسلّحة بكل مسبّبات الأُلفة في العزل المنزلي، شاشة تلفاز كبيرة، ومكتبة صغيرة، وطاولة مليئة بكل الأدويةِ والمُسكّنات بجانب السّرير، علبة ماء كبيرة، الألوان والدّفاتر، بالإضافة إلى مرآة كبيرة اختلس النظر فيها بين الفينة والأخرى لأُحفِّز ذاتي، وخزانة ملابس أتأنَّقُ منها، وحُمرةٍ وكُحلة أتجمَّلُ بها حتى لا أستسلم، نعم هكذا تتحمَّل الأنثى آلامها الجسدية والنفسية والصحيّة، لذلك قويّات، هُناك أيضًا جلسة أرضيّة أهرب إليها مع ابريقٍ من الشّاي، قرأتُ رسائل الشُّعراء إلى حبيباتهم، والتّعريفات الشهيرة للحب، وتابعت الوثائقيات البسيطة عن المودّة بين الناس.

وفي اليوم الأوّل، تحمّلت الكثير من الألم لأبقى مستيقظة طوال النّهار، لأخذ كفايتي من الشّمس والنور، في اليوم الأوّل كرهت العتمة كثيرًا، وعندما أنهيتُ فروضي الشرعية وهاتفتُ والدتي، نمت!

(2)

السّبت، الساعة الواحدة ظهرًا، لا زلت على السّرير، مُستيقظة مذ العاشرة صباحًا، لكنني لم أقوى النهوض، صدح نداء الأذان، وجاءتني الطاقة الجسدية بعدما لبّيته، مررتُ بالمنزل كله، بغرفهِ وممرّاته، أغلقت جميع الإضاءات، وشرعت كل النوافذ، تحسّست الشّمس الباسمة على أركانه، صنعتُ قهوتي وكتبت ورقة لمشاعر اليوم، قفز إلى ذاكرتي نقاش كان قد دار بيني وبين صديقةٍ لي عن الاستقرار وحيدة بمنزلٍ صغير والخروج منه إلى العمل، وفي نهاية اليوم نعود إليه وننام بتعب، لوحدنا فقط، كنت أُمجِّد لها هذا النوع من الاستقرار، اليوم، وفي هذه الأثناء بالتحديد، أعيش شكل سيئ من أشكال الاستقرار التي كنتُ أُمجّدها، في منزلٍ صغير، أقطن وحيدة، بلا أي شخص، ولا أستطيع الخروج منه أبدًا لتداعيات العزل المنزلي، كالصّفعة: كيف لم أنتبه إلى هذا.

السّاعة الثانية ظهرًا، كتبتُ رسالة إلى أحدهم، وصفتُ فيها أحلامي والأُمنيات الكبيرة، لطالما أحببت كتابة الرسائل على الهدايا وفي داخل الكتب التي أُعيرها، كتبت رسائل الفرح، والحُب، والعتاب، والحُزن، داويتُ كل ما أشعر به عن طريق الكتابة على أوراقٍ صغيرة ومناديلٍ ضائعة، شعرتُ اليوم أنني بحاجة الكتابة بشكلٍ عاجل، وأعطيت كل شعورٍ زاحم قلبي حقّه من مفرداتي، لذلك كانت ظهرية حانية، والرّائع أن هناك هدنة مؤقتة أُقيمت بين أعراض الوباء وبين جسدي، مرحى!

السّاعة التاسعة ليلًا، بدأ الصّداع يدق أبواب رأسي، وآلام الجسد تسحبني للاستلقاء، وخضعت لذلك، لم يعد هُناك ما انتظره لليوم أو ما أُريد فعله، سأقرأ إلى أن أنام.

(3)

الأحد، السّاعة العاشرة صباحًا، لستُ مُتعبة، ولكنني لا أودّ النهوض من السّرير، حتّى أنني نهضت لأضع هاتفي على الشّاحن ومن ثمّ عُدتُ للسرير مباشرةً، أيضًا في البارحة لم أنام عند التاسعة، بل سهرتُ حتى الفجر، كنتُ طوال الليل أتبادل أطراف الحديث مع شخصٍ عزيز عبر الهاتف، بقيَ معي حتّى اطمأن أنني نمت، كنتُ قد قلتُ له أنني أخافُ الوحدة وأني مُتعبة من رأسي، وسهر معي لأكثرِ من خمس ساعات، همسنا لبعضينا الكثير من مُفردات الطمأنينة التي يُمكن للإنسان الشّعور بها من خلال إنسانٍ آخر.

عندما استيقظت لم يقفز لذاكرتي إلّا ما قُلناه في تلك المكالمة الطويلة، بقيت معزولة عن الدّنيا للحظات، قبل أن يعود ألم رأسي مجددًا، نهضت أجرّ معي طاقتي، وكعادتي؛ أنطلق للحياة بكوبِ قهوة.

السّاعة الثانية ظهرًا، نظرتُ نظرة سريعة لغُرفتي التي أقضي فيها كل فترة العزل بعد الإصابة، فكّرت: ماذا لو نقلتُ هذه الطاولة إلى هذه الجهة، وأزحتُ السرير إلى هذه الجهة؟ جاءتني رغبة مفرطة ومُلحّة بتغيير شكل المكان وتجديد هويّته قليلًا، وهذا بالفعل ما قمت به، فبعد أربع ساعاتٍ، خرجتُ من الغرفة وعدتُ إليها بطاقةٍ معنوية جديدة، كل شيء يحتفظ بروحهِ الجميلة التي أُحبّها، ولكن الذي تغيّر فقط المكان، أُحبُّ الشّمس كثيرًا، ولو بوسعي وضع كل شيء في الغرفة في وجهِ الشّمس لوضعته.

السّاعة الحادية عشر ليلًا، جئت للسّرير بعدما وضّبت المطبخ والخزائن، بدأ رأسي يؤلمني ويضيق التنفس لديّ، لا أُعاني من أي عارض صحّي مُصاحب للمرض باستثنائهما، ارتديت معطف أُحبّه من أحدهم، وأشعر في هذه اللحظة أن أثمن ما قد يضعه شخص عند أحبائه شيءٌ من ملابسه ورائحته عطره، ولذلك أُفضِّل الهدايا التي تكون قابلة للارتداء والاستخدام الطويل، بالإضافة إلى العطور والكتب.

الآن.. أظنني سأنام!

(4)

السّاعة الثامنة صباحًا، باكرًا كثيرًا بالنّسبةِ لفتاة تعتزل صحيًا ولا تمتلك أي نشاط من الأنشطة التي كانت تنهض لأجلها هذه السّاعة، لكن رأسي ثقيل، يؤلمني كثيرًا، وفي صدري دقّت أجراس الحرب، آلام الوباء بدأت تضغط عليّ، حتّى أنها تُفسد نومي! للحظات أشعر وكأن هناك من يُدخل سكاكينه داخل صدري ويُخرجها بكل قوّته، الماء يُخفِّف علي هذه المرحلة، الحمد لله أنّ هناك ماءً وأستطيع شربه.

كنتُ قد وضعت نظامًا في أول ساعة من اليوم واتبعته منذ فترةٍ طويلة، لا وسائل التواصل الاجتماعي، ولا رؤية الأخبار، لكنني اليوم شاهدتُ بثًا مباشرًا للأخبار عبر منصّة تويتر، ريان، الصبي المغربي الذي سقط في البئر وتوفيَ بعدما أسعفوه، كنت مستاءة من تعاطي بعض البشرية وكيف أصبحت مأساته وعائلته عرضة للاحتيال وتصفية الحسابات، وكيف تأذّت الجروح النيام وتراقص الإعلام وسكب الملح سكبًا انتهازًا للحادثة، حزنتُ لأجله بالتأكيد، ولكن كابرتُ ولم أفصح لأحد أنني أكره ما فعله النّاس تحت اسمه الطاهر، ولكنني سقطت بتغريدةٍ واحدة، بكيت! ولك أن تتخيّل أي سوء تقترفه بحق نفسك إن تعرّضت لهذا الجو وأنت للتو نهضت من نومك!

السّاعة العاشرة والربع صباحًا، أتأمّل قهوتي، وأُقلّب صفحات كتاب لا تقولي أنّكِ خائفة، توقّفت عن قراءته منذ وقت طويل حتى أنني نسيت عند أي صفحة سأستأنف القراءة، لدي صفوف دراسية إلكترونية بعد الظهر عزمت على حضورها، طالما كل الذي أحتاجه شاشة حاسوب فلما لا؟ بالواقع أحتاج فعلًا أن أسمع أصواتٍ مُختلفة، اشتقت لاعتزازي بنفسي عندما يفتقدني المحاضر بين الحضور ويطلب منّي التفاعل معه، لذلك سأحضر صفوفي الإلكترونية لهذا اليوم.

السّاعة الرابعة عصرًا، هاتفتني صديقة وشاركتني كل الذي واجهته في الجامعة، ردّدت أنها مشتاقة للقهوة التي نشربها سويًا أثناء ساعات الاستراحة، فرحت كثيرًا بهذه المكالمة، احتجت صدقًا أنّ أرى مكانتي الغائبة عند أحدٍ ما.

السّاعة التاسعة مساءً، بسط الليل برودته، استمعت لبعض الموسيقى والقصَائد بالفصحى، وتابعت مقطعًا مرئيًا عن ثقافة الاعتذار، أصبحت الآن ناضجة أكثر من السّابق بشأن الاعتذار، وأفهم كل الذين يُخطئون ولا يملكون شجاعة الاعتذار الصّريح، هُناك لغات كثيرة للاعتذار، هل تعلمون؟ هناك من يحتضنك عوضًا عن كلمة الأسف، هناك من سيشدّك إليه بفعله، سيصنع لك قهوتك أو يشتريها، سيجلب لك كأس ماء، سيشتري لك صنفًا تحبّه من مطعمك المُفضّل، وسيكتب لك الرسائل ويدسّها في جيبك أو حقيبتك أو داخل كتبك، أو يُثبّتها على الخزانة، وأحيانًا كثيرة يعتذر الشّخص في مكالمة صامتة، حدث سوء فهم بيني وبين إحداهنّ الغالية عندي، كتبت رسالة بخطِّ يدي وأرسلتها مع الورد إليها، الصّادم والمُحزن أنّها لم تُقدِّر ما وضعته من روحي في هذه الرسالة على شكل كلمات مُعتذرة ومُحبّة، ولا أُحب من لا يضع رسائلي في منزلتها المُستحقّة، لذا هذا الذي سأنام على حُزنه الليلة.

ننتظر اليوم الخامس من العزل!

جادّة الإنسانيّة! (1)

هُنا.. المكان الذي أحبّه، الذي شهد أغلب صراعاتي وأسباب فرحي، والذي شاركني المواساة والتهوين بقهوةٍ بديعة، وطعامٍ لذيذ! المكان الذي أُقدّمه دائمًا على أنه صديقي، وأوّل اختياراتي إن رغبت الخروج من المنزل. هُنا.. أجِد لذّة الانعزال، والقراءة، والكتابة وتبادل أطراف الحديث مع شخص عزيز، ذهبت إليهِ اليوم أيضًا، وفي الانتظار رأيت مئات السلوكيات الإنسانيّة بين أفراد طاقمه، واستشعرت كيف يُصبح الإنسان كذلك بكل ما يملكه..

أن يتجاوز كل الضغوط على كاهله ليهديك ابتسامة طاهرة، ومن ثمّ يتخفّف المناداة ويتليّن الأمر، ويمسح بكل الدفء على رأس طفل، ويُجاهد كل المنغصات ليبقى بشوشًا، ويستغلّ الثانية التي يُصبح فيها فارغًا ليربت على كتفِ زميله، جميعهم مُتعَبون، وجميعهم قد لقوا من بعض المارّة تمردًا وتطاولًا، ولكنّ هذا كسب عيشهم، ولهذا جميعهم سندًا لبعضهم، لطالما آلمني قلبي من تعامل بعض الأشخاص مع الموظفين والموظفات في المطاعم أو المقاهي أو المحلات التجارية، وأشهد آلاف النظرات الدامعة والنبرات التي تكتم قهرها بسبب سوء خُلق العملاء والزوّار، وأُحاول ألّا يكون في نظرتي أو نبرة صوتي أو طلبي ما قد يزيد الهمّ عليهم، أُحاول ألّا أتوقف عن تهذيب نفسي إن مررت بهم، كنت أعمل قبل شهور قليلة ماضية في محلٍ تجاري، واصطدمت بكل أنواع الشخصيّات، من يتفهّم ويلتمس العذر، ومن يلقى مُتعته في الشّتيمة والتطاول اللفظي، ومن يدخل ويخرج باسمًا ضحوكًا سمحَ الأخلاق، ومن يهلك المكان بطاقته الغير إنسانيّة، وأُجبرت في أغلب المواقف بل في كلها أن أصمت وأُمرّر كل التجاوزات، مُكرهة والله، لذلك قلبي مع كل الذين يعملون ويكدحون في هذه الأماكن التي يُواجهون فيها كم المتاعب ويصمتون رغمًا عنهم، وكل الذي يُدهشني إن وجدت الطاقم يُحاولون احتواء متاعبهم والتخفيف منها معًا، ومن كل ما رأيته اليوم في المكان تأكدت أن بيئة العمل صحيّة، وأن الذي يقف على رأسهم عطوفًا عليهم وإنسانًا حقًا، وأن العطف والرّحمة والبشاشة ضروريّات العصر، فكفّ عنهم الأذى أرجوك.

مقهى نقوة
لحظة كتابة هذه التدوينة، مقهى نقوة

حقوق الصورة البارزة للمقالة: https://unsplash.com/@pawel_czerwinski

مذكرات أسبوع متوتِّر!

       تخاصمت مع صديقٍ لي خصامٌ تافه، تدافع كل ما في قلبها نحوي بعنف واصطدم بتصبُّري، كنت قد وعدت ألّا يقع في خاطري كل تفاصيل الخصومة التي تحدث بلحظة غضب، تذكرت ذلك، ثمّ شددتُ على الودّ الذي بيني وبينها، برأيي كل أسباب الهجر التي تُغذّي خصومة الأصدقاء تافهة ولا معنى لها، كالمُكابرة على الخطأ، وتصديق كل ما يزفره الشّيطان في أفئدةِ الأطراف المُتخاصِمة، والتَّأنِّي في الفهمِ والتفهُّم هو السلاح الذي نحفظُ به الاحترام والمودّة، حاولتُ ذلك، ولكنّها لم تطع.. وتتنازل! ولم يكن الأمرُ عاديًا بالنسبةِ لي قط، وأعرفُ أنني لن أكون عاديّة في نظرها، ولكن الشيطان يتراقص في ساحتِها حتّى الآن، وكل الذي انتظرهُ متى تحين اللحظة التي تطرده بعيدًا وتحفظُ الصّداقة سامية عن توافه الخصومات.

أيضًا، هُناكَ أمرٌ عظيم لحق بي ألمه، خاصٌ وشخصي بعض الشيء، جعلني انزوي خلفَ باب قلبي، وأتذكّر كل الليالي التي جشعتُ بها كرهًا لطرفٍ قريبٍ جدًا مني قُضيَ نصفُ عمري وأنا أُشاهدهُ يتمتّع بالقهقهةِ على جرحي، ويسكب الملح عليهِ مبتهِجًا، أتذكّرُ تلك الفرحة في عينيه كلّما همّ بذلك، حتى هذا الشّخص أُحاول أن أحفظ الصّلةِ التي بيني وبينه، طمعًا بما وُعِدتُ به من الله من الأجرِ والمنزلة والتوفيق لفعلي ذلك، ومحاولات لا محدودة أُقدّمها لنفسي لتجاوزها وتجاوزه.

كذلك؛ جاءني تعليق من أحدهم على صفحة Instagram يعتب على ما أصبحت أُشاركه من تدويناتٍ قصيرة أو نصوص أو تغريدات، صدقًا لم أجِد ما يسعفني لأُبرّره له، رغم أنني لا أحتاج أن أُبرِّر، لكنني أكتب على كل حال، وأُشارك بفلترة وتأنِّي، ولا يُمكنني فعل ذلك على الدوام، هُناك ما يفوز بالنهاية بشأن كتاباتي ونشري، وهُناك أيضًا ما قد يحتاج لسطرٍ دافئ ينبثِقُ من قلبي إلى قلبه، هُناك من يحتاج هذه الكلمات أكثر مني، وأكثر من التداوي الذي انتهجهُ بالكتابة، فماذا لو تُركنا نكتب على سجيّتنا؟ واحترام كل ما ننشره مالم يمسّ الدين؟ أعتقد أنها فكرة سديدة، لاسيما هُنا، في نطاق التدوين المساحة التي أُحب.

هذا الأسبوع أيضًا، عُدت لقراءة المدونات، قرأت الكثير فيها أكثر من صفحات الكتاب حقيقة، ولكنها قراءة على أي حال، عرفت وحاولت قراءة مشاعر الكاتب أو الكاتبة عن كثب، وفهم مآل السطور الحزينة، ولمس البهجة في الأحداث السارّة، ولمست في بعضهم سوداويّة التراكمات النفسية التي كانوا تحت تأثيرها، وأثناء ذلك فكّرت! لماذا لم يلحظ أحدهم أن الكاتب/ـة يعيش حالة نفسية غير طبيعية وغير مستقرة ويحتاج للمساعدة عن طريق كتاباتهم؟ وماذا عن الذين يُشاركون فكرة عنيفة أو رغبة إجرامية في نطاقات التواصل الاجتماعي؟ هل يحظون بإجراءات احترازية وتتابعية لمساعدتهم ودعمهم نفسيًا ومحاولة احتواءهم؟ أو تكون النظرة ساخرة ودونيّة واقصائية؟ قلبي معهم صدقًا.. ألا تحظى بشخص واحد فقط قريب كان أو غريب يفهم أنّك بحاجة مساعدة نفسية ومعنوية أو حتى إنصات ودعم مِمّا تكتبه وتنشره، وبصرفِ النظر عن أنّ هناك من يتلاعب بالسلبيّة وتلاعبه، ولكن هُناك أيضًا من هم تحت وطأة ألم نفسي شديد ولا يعرفون للخروج منه سبيلًا، فلهذا أصبحت أُحاول ألّا أتغاضى عن أي منشور كهذا على وسائل التواصل الاجتماعي، وأُقدّم الدعم ولو كان بالتّوضيح أن: “المحادثة ستكون بمثابة المذكرة لك، اكتب ما تشاء، وفرّغ ما تشاء، ولكن لا تدعه ينام في صدرك”، وما يجعلني أقوم بذلك عدد الذي يصل بهم اليأس والوحدة حد أن يضعون خط النهاية لحياتهم، أولئك الذي شرحوا ما بهم كثيرًا ولكن لم يعرهم أحد اهتمامه، وكل الذين كان محور انتظارهم رسالة تُشجّعهم على أن هناك أضواء كثيرة في الأنفاقِ التي تاهوا فيها، كما أن الدنيا قاسية، قاسية جدًا، خاصةً الآن.. أصبح البعض هشًّا نفسيًا، ومُتألِّم، يركض خلف الأيّام المُتسارعة ناسيًا نصيب الحزن منه، أولئك الذين يقتلون المشاعر السلبية، ومن ثم تنتفِضُ بهم بعنف، وكل الذي تُخلّفه زعزعة نفسية قاسية، وهذا لا يُخالف ضرورة تعظيم الصّلة بين العبد وربّه، ولكن ما أصبح يؤذي الإنسان وعزيمته لا يمكن تخيّله.

وأتمنّى أن يكون الشخص واعيًا بذاته وبتقلّباته النفسية حد أن يفهم أنه في هذا المنعطف يحتاج لطلب التدخل العاجل والمساعدة، فيطلبها من أيٍ كان، أو الاسراع بالتّواصل مع الجهات الرسمية المخولة بهذه الشؤون والاستشارة، كذلك نحتاج للتوعية المستمرة عن الصحة النفسية، وألا تكون شعاراتها محصورة في يوم واحد أو فترة مؤقتة وقصيرة.

حقوق الصورة البارزة: https://unsplash.com/@thanospal

نشرة مُزدَانة الشهرية، صَفَر.. حيث الانهيارات!

أهلًا يا أصدقاء في التدوينة المتأخرة، حيث اليوم الرابع من صَفَر، كنت أمضِ في هذا الشهر برتمٍ هادئ، جدير بالامتنان، أُحقِّق أهدافي تباعًا وفي الوقت الذي حددته، وكثيرٍ من أيام النزهة التي تُزوّدني بالوقودِ للاستمرار قدمًا، كانت بداياته كجوٍ ساكنٍ وغائم في آنٍ واحد، قبل أن تثور في سمائي الرياح العنيفة، وكدت احترق نفسيًا من الضغط من ناحية المنزل والدراسة والعلاقات الاجتماعية والوظيفة والعمل الحر، كان الأمر صعبًا في منتصف الشهر، وقررت الاحتفاظ بالأولويات والابتعاد عن دائرة وسائل التواصل الاجتماعي قليلًا، والاحتفاء بلحظات استرخاء، أعتقد أنني نجحت بهذا كثيرًا وقلّل هذا القرار من تبعات الاحتراق النفسي والحد من تفاقمه، بالإضافة إلى أنني خلال هذه المدة أنهيت الكثير من المهام في مجالي، والتي لمست تطوّري بها واكتشفت نفسي خلالها – وبهذا الصدد أُرتّب خلسةً ملف الأعمال التي أتاحه wordpress كميزة للمشتركين في الباقات المميزة، تستحق استكشافكم لها.

  • شعار الشهر:

مهما بلغت من الهمّة والاحتراف والإتقان والمعرفة والجودة والسرعة وحب العمل الفردي والإخلاص هناك حالات يستوجب عليك طلب المساعدة فيها، وهذا ما آمنت به هذا الشهر حقيقةً، فعندما تفاقمت المشكلات علي طلبت من إحدى الصديقات مساعدتي في أمرٍ ما، وساعدتني مشكورةً وخففت عني ثقلًا كبيرًا، فلا تُناضل في كل جهاتك وحيدًا، شُدَّ ساعدك بمن تثق بهم.

  • خريطة الإنجاز في الشهر:

لم يكن شهري هادئًا، لذلك لم استمر طويلًا في ممارسة الهدف الذي وضعته ولم يأخذ كامل تركيزي، لم أُوبِّخ نفسي على ذلك، بل تصالحت وأجلت العمل عليه شهرًا آخر، وعلى هذا السياق لم أكُن مِمَّن يتساهلون في عدم تحقيق أهدافهم أو متطلباتهم في أمرٍ ما، بل كان الأمر دائمًا محط جدالٍ داخل عقلي والكثير من التساؤلات التي استنزِفُ بها صحتي النفسية، قبل أن أتدرّب على جعل المرونة أول سِمات العلاقة بيني وبين ذاتي، فليسَ كل شيء بإمكاننا إنجازه، ولسنا دائمًا في موضعٍ يسمح لنا بالعمل والإنتاجية، بل ربما الإصرار على الإنتاج وتجاهل الحاجة الذهنية والجسدية والنفسية للراحة واستجماع القوى يجعلك أكثر سوءٍ في السلوك والتفكير، فتوقّف قليلًا، خذ قسطًا من كل ما يؤذيك نفسيًا ولو كنت تحبه، اصنع فجوة تساعدك على الرؤية الواضحة، فليست كل الفجواتِ ضررًا، هذا على صعيد الأهداف الشخصية، ولكن على صعيد الأهداف المهنية فإنني أنجزت الكثير وسأُشاركه معكم فيما بعد.

  • اكتشافات وقراءات الشهر:
  • أحب التنقّل في المدونات العربية خاصةً، وأسعدُ حين اكتشف مدونة تجعلني أُفكِّر، وأندهِش، وأتفكَّر بما بينِ سطورها، ومن اكتشافات المدونات بشهر صَفَر مدونة بشرى قرأت ما يُقارب الـ 70% من محتوى مدونتها، لكنني أجِدُ هذه التدوينة (عن الوعي بالذات ومعرفة النفس) الأكثر قُربًا مني، إذ قرأتها مرتينِ تواليًا لأستوعِب كمّ الفائدةِ فيها، وسِحْرِ اللغة البسيطة وعُمق الفكرة.
  • أحيانًا جُلَّ ما يريد المرء استقباله وتصديقه في كلمةٍ عميقة تجعله يستخرج تذكرة رحلة مع ذاته ومعتقداته وما يجول في خاطره نحوَ توضيحٍ يستكن به ويسعد، وكانت هذه الكلمة برؤيتي مختزلة في أكثر من ساعةٍ في حوارٍ جذّابٍ أدبيٍ عميق الأثر من بود كاست نُقطة بثنائية الشيخ عبد الله العجيري والمحاور محمد البليهد، وحرصت على الاستماعِ إليه في الصباح الباكر قبل أن انغمس في مهام ووجهات اليوم، وأرى أن هذه الخطوة هي ما جعلتني أنصت بجوارحي للحوارات وأتفكَّر، لأنني إنسانٍ نهاري يلقى البركة في صباحاته.
  • أيضًا اختلست ساعتين من مجمل أيامٍ عصيبة في مشاهدة فيلمِ أمومة والذي يحكِي احتراق الأُم مارلو نفسيًا بعد الولادة وصراعات التغيرات الطارئة والصعبة، إلى أن تقرر أخيرًا طلب المساعدة من المربية الليلية تالِّي، رغم أنه مر وقتٍ طويل على يومِ مشاهدتي له إلا أنه بكل تفاصيله وحواراته بقيَ راسخًا في عقلي، وإحدى حواراته العميقة: لن تكوني أُمًا صالحة إن لم تعتني بنفسكِ، الفيلم جدير بالمشاهدة.

آخرًا، وبمناسبة اليوم العالمي للصحة النفسية.. اجعلوا أنفسكم أولًا، لستَ مضطرًا لقبولِ أمرٍ ما لا تُحبّه، ولا تُريده، فتعلَّم كيف تحافظ على صحتك النفسية.