ثقب في رداء الطمأنينة!

لستُ مميزة، أنا فقط أحاول أن أكون إنسانة تعرف كيف تُثبّت قدميها عندما تتداعى الأشياء من حولها، وتبتسم وتتلطف القول عندما يتحد كل شيء لإحزانها، أحاول أن أكون ذات قيمٍ سليمة ومبادئ واضحة.. ببساطة، أود أن أمارس بشريتي كشخص بسيط جدًا يملك موقفه وكامل تصرفه بقراراته وأحقيته بالبكاء وإبداء الضعف كسائر البشر..

أود الإحساس بصدق الاكتراث لأمري، لا أعرف سببًا منطقيًا لكل هذا التكذيب الذي أُواجه به كل ما يدور حولي، الذي أعرفه أنّي أُعاني أيامًا متذبذبة! أود الرحيل، ولكن أريد البقاء بذات الشدّة، أرغب بوضع النقطة التي لا يكون بعدها التفاتة، ولكن يبدو قلمي عاجزًا عنها كثيرًا، أبكي كل تلك الفرص التي تهرب من يدّي، وتلك التي أرفضها مجبرة، ربما في ذلك خيرة، ولكن أرغب في الدخول لمضمارها بكل أسلحتي! أعرف أنه يجب أن اتّبع مصالحي، الذي يؤلم وتتردد لأجله خطوتي أن المستقبل لم يعد شيء يخصّني وحدي وكل تلك المصالح هناك من سيدفع ثمنها معي.. يا الله!

أيضًا؛ يخنقني الاحساس بقرب انتهاء شيء أُحبّه جدًا وتلاشيه رويدًا رويدًا من بين إدراكي، شعرت بثقل التواصل ذاك الذي بدأ يُخيّم بيني وبين أحدهم العزيز، أصبحت قابعة تحت غيمةٍ سوداء تُهطل الوداع قطرة قطرة، شعـر قلبي بذلك، قلبي الذي لطالما وضعته جانبًا في كثيرٍ من المواقف.. ولكن ماذا أفعل بعقلي؟ بدأت أرى جدار النهاية ببصيرته، كيف أُكذِّبه؟

مذكَّرة كورونا (1)

لم تخرج نتيجة اختبار الفحص سريعًا، وددتُ أن يكون هناك خطأ ما، ليس لأنني أخشى الجائحة، إنّما لأنني قبل الاختبار بيومٍ واحدٍ فقط خرجت للتنزّه خارج المنزل، اختلطتُ بالكثير، وتعاملت مع كثيرٍ من البائعين، وشربت قهوتي المُفضَّلة في المقهى الذي أُحبّه، ابتسمت لجميع من اصطدم بكتفي، وكتبتُ على منديلٍ أثناء الانتظار، ولم آخذه معي، تركته على الطاولة. لم يُراودني شك أنني أحمل الوباء، لا أشتكِ من أيّ أعراض، بخلاف الصداع الذي لازمني خلال الأسبوع، وبالنسبة لفتاة تقضي معظم أوقات يومها بين شاشة الحاسوب والأوراق والدفاتر، لم آخذه على أنه عرض جدّي للوباء، وهذا والله الذي أنا آسفة عليه، وربّما تكون هذه النقطة الوحيدة التي تُحزنني من كل الأمر، وعندما خرجت النتيجة إيجابية وثبتت إصابتي بوباء كورونا، حزنت لأجلهم أكثر وتمنيت ألّا يكون هُناك من تأذّى! وشاركت من استطعت الوصول إليه نتيجة الاختبار لتبرئة الذمّة.

(1)

الجُمعة، السّاعة الآن الواحدة بعد منتصف الليل، بدأت أول ليالي العزل.. ليلة باردة ضيفيها الصّداع الحاد وآلام الصّدر، لطالما أهديت نفسي ليال وساعات وحيدة أقضيها بينَ هواياتي المُفضّلة، ولكنني تثاقلت هذه الليلة لأنني أقضيها وما بعدها وحيدة مُجبرةً على ذلك، وأعتقد أنّ القوّة في الإنسان تظهر عندما يُجبر على الاعتناء بنفسه وبطعامه وشربه وكل ما يتعلّق به في حال التعب والإرهاق، وفي هذه الليلة تمنّيت أن أكون بجوار والدتي، التي تصنع ألذ حساء دافئ في العالم، وكأس ليمونٍ طازج، وتنهيه بأطرافٍ تمسح برفق على رأسي المُتعَب، أعتقد أيضًا أن قيمة العائلة والأصدقاء والأحباب وزملاء السّكن تظهر عندما يمرض الإنسان، وفي قلبي أؤمن أنه لا يُمكن أن يغتني الإنسان عن الآخرين والاكتفاء بالله وحده بلا شك، لكنّ ربما تستطيع أن تحتوي حزنك وحيدًا، ومرضك وحيدًا، وفرحك وحيدًا، لربما تفعل كل شيء لنفسكَ وحيدًا، لكنّك لن تُصبح كذلك على الدّوام، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم عن رواية ابن النّعمان بن بشير: أنه قال: (مثل المؤمنين في توادِّهم وتراحُمهم وتعاطُفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تدَاعى له سائر الجسدِ بالسَّهرِ والحُمَّى)، ومن ذلك نفهم قيمة النّاس للنّاس، وعلى سياق ذلك اتأمّل هبة الله لأجسادنا، الذي جعل العلامات الحيوية والاستطاعة الجسديّة تتعاضد مع الصّحة النفسية، وكيف يُعطي الإنسان العطف على نفسه حينَ يكون شاهدًا على ما يحدث داخل جسده وبين أجهزته وأعضائه، الآن أشعر بمُجاهدة جهازي التنفّسي للوباء الذي يخرج على هيئة ألم، وأُحاول ألّا تسقط عزيمة جسدي ولا حالتي النفسية المستقرّة، رُغم أن سائر جسدي تداعَى لهذه المناعة بالسَّهرِ والحُمَّى، ولكنها خفيفة، وأسعى إلى أن تبقى خفيفة.

لا زلنا في اليوم الأوّل، عند السّاعة الرابعة عصرًا، في غُرفةٍ واسعة أقضي فيها معظم وقتي، مُسلّحة بكل مسبّبات الأُلفة في العزل المنزلي، شاشة تلفاز كبيرة، ومكتبة صغيرة، وطاولة مليئة بكل الأدويةِ والمُسكّنات بجانب السّرير، علبة ماء كبيرة، الألوان والدّفاتر، بالإضافة إلى مرآة كبيرة اختلس النظر فيها بين الفينة والأخرى لأُحفِّز ذاتي، وخزانة ملابس أتأنَّقُ منها، وحُمرةٍ وكُحلة أتجمَّلُ بها حتى لا أستسلم، نعم هكذا تتحمَّل الأنثى آلامها الجسدية والنفسية والصحيّة، لذلك قويّات، هُناك أيضًا جلسة أرضيّة أهرب إليها مع ابريقٍ من الشّاي، قرأتُ رسائل الشُّعراء إلى حبيباتهم، والتّعريفات الشهيرة للحب، وتابعت الوثائقيات البسيطة عن المودّة بين الناس.

وفي اليوم الأوّل، تحمّلت الكثير من الألم لأبقى مستيقظة طوال النّهار، لأخذ كفايتي من الشّمس والنور، في اليوم الأوّل كرهت العتمة كثيرًا، وعندما أنهيتُ فروضي الشرعية وهاتفتُ والدتي، نمت!

(2)

السّبت، الساعة الواحدة ظهرًا، لا زلت على السّرير، مُستيقظة مذ العاشرة صباحًا، لكنني لم أقوى النهوض، صدح نداء الأذان، وجاءتني الطاقة الجسدية بعدما لبّيته، مررتُ بالمنزل كله، بغرفهِ وممرّاته، أغلقت جميع الإضاءات، وشرعت كل النوافذ، تحسّست الشّمس الباسمة على أركانه، صنعتُ قهوتي وكتبت ورقة لمشاعر اليوم، قفز إلى ذاكرتي نقاش كان قد دار بيني وبين صديقةٍ لي عن الاستقرار وحيدة بمنزلٍ صغير والخروج منه إلى العمل، وفي نهاية اليوم نعود إليه وننام بتعب، لوحدنا فقط، كنت أُمجِّد لها هذا النوع من الاستقرار، اليوم، وفي هذه الأثناء بالتحديد، أعيش شكل سيئ من أشكال الاستقرار التي كنتُ أُمجّدها، في منزلٍ صغير، أقطن وحيدة، بلا أي شخص، ولا أستطيع الخروج منه أبدًا لتداعيات العزل المنزلي، كالصّفعة: كيف لم أنتبه إلى هذا.

السّاعة الثانية ظهرًا، كتبتُ رسالة إلى أحدهم، وصفتُ فيها أحلامي والأُمنيات الكبيرة، لطالما أحببت كتابة الرسائل على الهدايا وفي داخل الكتب التي أُعيرها، كتبت رسائل الفرح، والحُب، والعتاب، والحُزن، داويتُ كل ما أشعر به عن طريق الكتابة على أوراقٍ صغيرة ومناديلٍ ضائعة، شعرتُ اليوم أنني بحاجة الكتابة بشكلٍ عاجل، وأعطيت كل شعورٍ زاحم قلبي حقّه من مفرداتي، لذلك كانت ظهرية حانية، والرّائع أن هناك هدنة مؤقتة أُقيمت بين أعراض الوباء وبين جسدي، مرحى!

السّاعة التاسعة ليلًا، بدأ الصّداع يدق أبواب رأسي، وآلام الجسد تسحبني للاستلقاء، وخضعت لذلك، لم يعد هُناك ما انتظره لليوم أو ما أُريد فعله، سأقرأ إلى أن أنام.

(3)

الأحد، السّاعة العاشرة صباحًا، لستُ مُتعبة، ولكنني لا أودّ النهوض من السّرير، حتّى أنني نهضت لأضع هاتفي على الشّاحن ومن ثمّ عُدتُ للسرير مباشرةً، أيضًا في البارحة لم أنام عند التاسعة، بل سهرتُ حتى الفجر، كنتُ طوال الليل أتبادل أطراف الحديث مع شخصٍ عزيز عبر الهاتف، بقيَ معي حتّى اطمأن أنني نمت، كنتُ قد قلتُ له أنني أخافُ الوحدة وأني مُتعبة من رأسي، وسهر معي لأكثرِ من خمس ساعات، همسنا لبعضينا الكثير من مُفردات الطمأنينة التي يُمكن للإنسان الشّعور بها من خلال إنسانٍ آخر.

عندما استيقظت لم يقفز لذاكرتي إلّا ما قُلناه في تلك المكالمة الطويلة، بقيت معزولة عن الدّنيا للحظات، قبل أن يعود ألم رأسي مجددًا، نهضت أجرّ معي طاقتي، وكعادتي؛ أنطلق للحياة بكوبِ قهوة.

السّاعة الثانية ظهرًا، نظرتُ نظرة سريعة لغُرفتي التي أقضي فيها كل فترة العزل بعد الإصابة، فكّرت: ماذا لو نقلتُ هذه الطاولة إلى هذه الجهة، وأزحتُ السرير إلى هذه الجهة؟ جاءتني رغبة مفرطة ومُلحّة بتغيير شكل المكان وتجديد هويّته قليلًا، وهذا بالفعل ما قمت به، فبعد أربع ساعاتٍ، خرجتُ من الغرفة وعدتُ إليها بطاقةٍ معنوية جديدة، كل شيء يحتفظ بروحهِ الجميلة التي أُحبّها، ولكن الذي تغيّر فقط المكان، أُحبُّ الشّمس كثيرًا، ولو بوسعي وضع كل شيء في الغرفة في وجهِ الشّمس لوضعته.

السّاعة الحادية عشر ليلًا، جئت للسّرير بعدما وضّبت المطبخ والخزائن، بدأ رأسي يؤلمني ويضيق التنفس لديّ، لا أُعاني من أي عارض صحّي مُصاحب للمرض باستثنائهما، ارتديت معطف أُحبّه من أحدهم، وأشعر في هذه اللحظة أن أثمن ما قد يضعه شخص عند أحبائه شيءٌ من ملابسه ورائحته عطره، ولذلك أُفضِّل الهدايا التي تكون قابلة للارتداء والاستخدام الطويل، بالإضافة إلى العطور والكتب.

الآن.. أظنني سأنام!

(4)

السّاعة الثامنة صباحًا، باكرًا كثيرًا بالنّسبةِ لفتاة تعتزل صحيًا ولا تمتلك أي نشاط من الأنشطة التي كانت تنهض لأجلها هذه السّاعة، لكن رأسي ثقيل، يؤلمني كثيرًا، وفي صدري دقّت أجراس الحرب، آلام الوباء بدأت تضغط عليّ، حتّى أنها تُفسد نومي! للحظات أشعر وكأن هناك من يُدخل سكاكينه داخل صدري ويُخرجها بكل قوّته، الماء يُخفِّف علي هذه المرحلة، الحمد لله أنّ هناك ماءً وأستطيع شربه.

كنتُ قد وضعت نظامًا في أول ساعة من اليوم واتبعته منذ فترةٍ طويلة، لا وسائل التواصل الاجتماعي، ولا رؤية الأخبار، لكنني اليوم شاهدتُ بثًا مباشرًا للأخبار عبر منصّة تويتر، ريان، الصبي المغربي الذي سقط في البئر وتوفيَ بعدما أسعفوه، كنت مستاءة من تعاطي بعض البشرية وكيف أصبحت مأساته وعائلته عرضة للاحتيال وتصفية الحسابات، وكيف تأذّت الجروح النيام وتراقص الإعلام وسكب الملح سكبًا انتهازًا للحادثة، حزنتُ لأجله بالتأكيد، ولكن كابرتُ ولم أفصح لأحد أنني أكره ما فعله النّاس تحت اسمه الطاهر، ولكنني سقطت بتغريدةٍ واحدة، بكيت! ولك أن تتخيّل أي سوء تقترفه بحق نفسك إن تعرّضت لهذا الجو وأنت للتو نهضت من نومك!

السّاعة العاشرة والربع صباحًا، أتأمّل قهوتي، وأُقلّب صفحات كتاب لا تقولي أنّكِ خائفة، توقّفت عن قراءته منذ وقت طويل حتى أنني نسيت عند أي صفحة سأستأنف القراءة، لدي صفوف دراسية إلكترونية بعد الظهر عزمت على حضورها، طالما كل الذي أحتاجه شاشة حاسوب فلما لا؟ بالواقع أحتاج فعلًا أن أسمع أصواتٍ مُختلفة، اشتقت لاعتزازي بنفسي عندما يفتقدني المحاضر بين الحضور ويطلب منّي التفاعل معه، لذلك سأحضر صفوفي الإلكترونية لهذا اليوم.

السّاعة الرابعة عصرًا، هاتفتني صديقة وشاركتني كل الذي واجهته في الجامعة، ردّدت أنها مشتاقة للقهوة التي نشربها سويًا أثناء ساعات الاستراحة، فرحت كثيرًا بهذه المكالمة، احتجت صدقًا أنّ أرى مكانتي الغائبة عند أحدٍ ما.

السّاعة التاسعة مساءً، بسط الليل برودته، استمعت لبعض الموسيقى والقصَائد بالفصحى، وتابعت مقطعًا مرئيًا عن ثقافة الاعتذار، أصبحت الآن ناضجة أكثر من السّابق بشأن الاعتذار، وأفهم كل الذين يُخطئون ولا يملكون شجاعة الاعتذار الصّريح، هُناك لغات كثيرة للاعتذار، هل تعلمون؟ هناك من يحتضنك عوضًا عن كلمة الأسف، هناك من سيشدّك إليه بفعله، سيصنع لك قهوتك أو يشتريها، سيجلب لك كأس ماء، سيشتري لك صنفًا تحبّه من مطعمك المُفضّل، وسيكتب لك الرسائل ويدسّها في جيبك أو حقيبتك أو داخل كتبك، أو يُثبّتها على الخزانة، وأحيانًا كثيرة يعتذر الشّخص في مكالمة صامتة، حدث سوء فهم بيني وبين إحداهنّ الغالية عندي، كتبت رسالة بخطِّ يدي وأرسلتها مع الورد إليها، الصّادم والمُحزن أنّها لم تُقدِّر ما وضعته من روحي في هذه الرسالة على شكل كلمات مُعتذرة ومُحبّة، ولا أُحب من لا يضع رسائلي في منزلتها المُستحقّة، لذا هذا الذي سأنام على حُزنه الليلة.

ننتظر اليوم الخامس من العزل!

جادّة الإنسانيّة! (1)

هُنا.. المكان الذي أحبّه، الذي شهد أغلب صراعاتي وأسباب فرحي، والذي شاركني المواساة والتهوين بقهوةٍ بديعة، وطعامٍ لذيذ! المكان الذي أُقدّمه دائمًا على أنه صديقي، وأوّل اختياراتي إن رغبت الخروج من المنزل. هُنا.. أجِد لذّة الانعزال، والقراءة، والكتابة وتبادل أطراف الحديث مع شخص عزيز، ذهبت إليهِ اليوم أيضًا، وفي الانتظار رأيت مئات السلوكيات الإنسانيّة بين أفراد طاقمه، واستشعرت كيف يُصبح الإنسان كذلك بكل ما يملكه..

أن يتجاوز كل الضغوط على كاهله ليهديك ابتسامة طاهرة، ومن ثمّ يتخفّف المناداة ويتليّن الأمر، ويمسح بكل الدفء على رأس طفل، ويُجاهد كل المنغصات ليبقى بشوشًا، ويستغلّ الثانية التي يُصبح فيها فارغًا ليربت على كتفِ زميله، جميعهم مُتعَبون، وجميعهم قد لقوا من بعض المارّة تمردًا وتطاولًا، ولكنّ هذا كسب عيشهم، ولهذا جميعهم سندًا لبعضهم، لطالما آلمني قلبي من تعامل بعض الأشخاص مع الموظفين والموظفات في المطاعم أو المقاهي أو المحلات التجارية، وأشهد آلاف النظرات الدامعة والنبرات التي تكتم قهرها بسبب سوء خُلق العملاء والزوّار، وأُحاول ألّا يكون في نظرتي أو نبرة صوتي أو طلبي ما قد يزيد الهمّ عليهم، أُحاول ألّا أتوقف عن تهذيب نفسي إن مررت بهم، كنت أعمل قبل شهور قليلة ماضية في محلٍ تجاري، واصطدمت بكل أنواع الشخصيّات، من يتفهّم ويلتمس العذر، ومن يلقى مُتعته في الشّتيمة والتطاول اللفظي، ومن يدخل ويخرج باسمًا ضحوكًا سمحَ الأخلاق، ومن يهلك المكان بطاقته الغير إنسانيّة، وأُجبرت في أغلب المواقف بل في كلها أن أصمت وأُمرّر كل التجاوزات، مُكرهة والله، لذلك قلبي مع كل الذين يعملون ويكدحون في هذه الأماكن التي يُواجهون فيها كم المتاعب ويصمتون رغمًا عنهم، وكل الذي يُدهشني إن وجدت الطاقم يُحاولون احتواء متاعبهم والتخفيف منها معًا، ومن كل ما رأيته اليوم في المكان تأكدت أن بيئة العمل صحيّة، وأن الذي يقف على رأسهم عطوفًا عليهم وإنسانًا حقًا، وأن العطف والرّحمة والبشاشة ضروريّات العصر، فكفّ عنهم الأذى أرجوك.

مقهى نقوة
لحظة كتابة هذه التدوينة، مقهى نقوة

حقوق الصورة البارزة للمقالة: https://unsplash.com/@pawel_czerwinski

مذكرات أسبوع متوتِّر!

       تخاصمت مع صديقٍ لي خصامٌ تافه، تدافع كل ما في قلبها نحوي بعنف واصطدم بتصبُّري، كنت قد وعدت ألّا يقع في خاطري كل تفاصيل الخصومة التي تحدث بلحظة غضب، تذكرت ذلك، ثمّ شددتُ على الودّ الذي بيني وبينها، برأيي كل أسباب الهجر التي تُغذّي خصومة الأصدقاء تافهة ولا معنى لها، كالمُكابرة على الخطأ، وتصديق كل ما يزفره الشّيطان في أفئدةِ الأطراف المُتخاصِمة، والتَّأنِّي في الفهمِ والتفهُّم هو السلاح الذي نحفظُ به الاحترام والمودّة، حاولتُ ذلك، ولكنّها لم تطع.. وتتنازل! ولم يكن الأمرُ عاديًا بالنسبةِ لي قط، وأعرفُ أنني لن أكون عاديّة في نظرها، ولكن الشيطان يتراقص في ساحتِها حتّى الآن، وكل الذي انتظرهُ متى تحين اللحظة التي تطرده بعيدًا وتحفظُ الصّداقة سامية عن توافه الخصومات.

أيضًا، هُناكَ أمرٌ عظيم لحق بي ألمه، خاصٌ وشخصي بعض الشيء، جعلني انزوي خلفَ باب قلبي، وأتذكّر كل الليالي التي جشعتُ بها كرهًا لطرفٍ قريبٍ جدًا مني قُضيَ نصفُ عمري وأنا أُشاهدهُ يتمتّع بالقهقهةِ على جرحي، ويسكب الملح عليهِ مبتهِجًا، أتذكّرُ تلك الفرحة في عينيه كلّما همّ بذلك، حتى هذا الشّخص أُحاول أن أحفظ الصّلةِ التي بيني وبينه، طمعًا بما وُعِدتُ به من الله من الأجرِ والمنزلة والتوفيق لفعلي ذلك، ومحاولات لا محدودة أُقدّمها لنفسي لتجاوزها وتجاوزه.

كذلك؛ جاءني تعليق من أحدهم على صفحة Instagram يعتب على ما أصبحت أُشاركه من تدويناتٍ قصيرة أو نصوص أو تغريدات، صدقًا لم أجِد ما يسعفني لأُبرّره له، رغم أنني لا أحتاج أن أُبرِّر، لكنني أكتب على كل حال، وأُشارك بفلترة وتأنِّي، ولا يُمكنني فعل ذلك على الدوام، هُناك ما يفوز بالنهاية بشأن كتاباتي ونشري، وهُناك أيضًا ما قد يحتاج لسطرٍ دافئ ينبثِقُ من قلبي إلى قلبه، هُناك من يحتاج هذه الكلمات أكثر مني، وأكثر من التداوي الذي انتهجهُ بالكتابة، فماذا لو تُركنا نكتب على سجيّتنا؟ واحترام كل ما ننشره مالم يمسّ الدين؟ أعتقد أنها فكرة سديدة، لاسيما هُنا، في نطاق التدوين المساحة التي أُحب.

هذا الأسبوع أيضًا، عُدت لقراءة المدونات، قرأت الكثير فيها أكثر من صفحات الكتاب حقيقة، ولكنها قراءة على أي حال، عرفت وحاولت قراءة مشاعر الكاتب أو الكاتبة عن كثب، وفهم مآل السطور الحزينة، ولمس البهجة في الأحداث السارّة، ولمست في بعضهم سوداويّة التراكمات النفسية التي كانوا تحت تأثيرها، وأثناء ذلك فكّرت! لماذا لم يلحظ أحدهم أن الكاتب/ـة يعيش حالة نفسية غير طبيعية وغير مستقرة ويحتاج للمساعدة عن طريق كتاباتهم؟ وماذا عن الذين يُشاركون فكرة عنيفة أو رغبة إجرامية في نطاقات التواصل الاجتماعي؟ هل يحظون بإجراءات احترازية وتتابعية لمساعدتهم ودعمهم نفسيًا ومحاولة احتواءهم؟ أو تكون النظرة ساخرة ودونيّة واقصائية؟ قلبي معهم صدقًا.. ألا تحظى بشخص واحد فقط قريب كان أو غريب يفهم أنّك بحاجة مساعدة نفسية ومعنوية أو حتى إنصات ودعم مِمّا تكتبه وتنشره، وبصرفِ النظر عن أنّ هناك من يتلاعب بالسلبيّة وتلاعبه، ولكن هُناك أيضًا من هم تحت وطأة ألم نفسي شديد ولا يعرفون للخروج منه سبيلًا، فلهذا أصبحت أُحاول ألّا أتغاضى عن أي منشور كهذا على وسائل التواصل الاجتماعي، وأُقدّم الدعم ولو كان بالتّوضيح أن: “المحادثة ستكون بمثابة المذكرة لك، اكتب ما تشاء، وفرّغ ما تشاء، ولكن لا تدعه ينام في صدرك”، وما يجعلني أقوم بذلك عدد الذي يصل بهم اليأس والوحدة حد أن يضعون خط النهاية لحياتهم، أولئك الذي شرحوا ما بهم كثيرًا ولكن لم يعرهم أحد اهتمامه، وكل الذين كان محور انتظارهم رسالة تُشجّعهم على أن هناك أضواء كثيرة في الأنفاقِ التي تاهوا فيها، كما أن الدنيا قاسية، قاسية جدًا، خاصةً الآن.. أصبح البعض هشًّا نفسيًا، ومُتألِّم، يركض خلف الأيّام المُتسارعة ناسيًا نصيب الحزن منه، أولئك الذين يقتلون المشاعر السلبية، ومن ثم تنتفِضُ بهم بعنف، وكل الذي تُخلّفه زعزعة نفسية قاسية، وهذا لا يُخالف ضرورة تعظيم الصّلة بين العبد وربّه، ولكن ما أصبح يؤذي الإنسان وعزيمته لا يمكن تخيّله.

وأتمنّى أن يكون الشخص واعيًا بذاته وبتقلّباته النفسية حد أن يفهم أنه في هذا المنعطف يحتاج لطلب التدخل العاجل والمساعدة، فيطلبها من أيٍ كان، أو الاسراع بالتّواصل مع الجهات الرسمية المخولة بهذه الشؤون والاستشارة، كذلك نحتاج للتوعية المستمرة عن الصحة النفسية، وألا تكون شعاراتها محصورة في يوم واحد أو فترة مؤقتة وقصيرة.

حقوق الصورة البارزة: https://unsplash.com/@thanospal

كيف أواجه ضغط نهاية الفصل الدراسي؟

مرحبًا، أشعر هذا الصّباح أنني على ما يُرام، على الصّعيد النفسي خاصةً، صنعت قهوتي وقرأت ما تيسّر من كتاب “قبل أن تبرد القهوة”، ومن ثمّ شرعت في كتابة هذه التدوينة، لا أعلم متى سأنتهي منها وأنشرها، ولكن حتى هذه اللحظة أكتب بنهم، لم ترتفع أصابعي عن لوحة المفاتيح إلا لكتابة الفاصلة، بالمناسبة؛ سعيدة جدًا بالتطور الذي ألاحظه في نفسي عندما أكتب، لطالما مرّنت عقلي على تدفّق المفردات والأفكار عندما أفتح المسودّة، ولمن يتساءل كيف؟ سأنشر قريبًا تدوينة عن هذا النطاق.. ترقّبوا.

عمومًا، الأسابيع القليلة المقبلة تُوافق مرحلة نهاية أعمال الفصل الدراسي وإغلاق رحلة الاختبارات الجامعيّة قبل تلك الإجازة المطوّلة. أصبح الضغط مهولًا، ومحاولات لملمة المنهج على مشارف أن تُعقّد الأمور أكثر، نوم متقطّع، جلسات مطوّلة أمام شاشة الحاسوب، أمطارٌ غزيرة من الأعمال الفصلية الواجب تسليمها، بعضُ أبحاث الدراسات المؤرقة، ركضٌ دائم لانتهاز الدقيقة.. حتى أنني فكرتُ قليلًا في التوقّف عن التدوين والنشر في صفحاتي الشخصيّة حتى تمضي هذه الرحلة، ولكن أعرف يقينًا أن هذه المساحات هي التي ستُحافظ على اتزاني وتملأ وقودي، لذلك استبعدت الفكرة في أقل من جزء الثانية. عندما مارستُ “الفضفضة” عن هذه المرحلة في لقطاتٍ يسيرة في حسابي على منصة السناب شات، هناك من تمنّى لي التوفيق، وهناك من تهكّم وسأل: لماذا لم تستغلِ الشهرين الفائتة في إنجاز ما تتذمّرين منه الآن؟ يا للأسف، آلية هيئة التدريس الآن صعبة ومُنرفزة، لا يعرفون كيف بإمكانهم إطلاع طلبة وطالبات العلم على متطلبات المقرر أول الفصل عوضًا عن صفصفة سِمات الشخصية الشريرة وأبجديات التعارف الساذجة، لذلك هذا الضغط يا عزيزي الذي نُنفّس عنه هنا وهناك ليسَ بالضغطِ المصطنع الخيالي، إنها مرحلة حقيقية لا يسأم العالم من كبكبة ما تيسّر من مطباتٍ فيها، علمًا أن الجميع قد يمر في هذه المرحلة الفوضوية سواءً كان مهنيًا أو شخصيًا، لكن لا أعرف سبب تضييق الخناق على الطلبةِ والطالبات. كان الله في عوني وعون كل طالب وطالبة في كافة المراحل الدراسية.

وأُكمل على ذات السياق.. كيف أُواجه هذه المرحلة؟

إن أهم أهدافي للعبور في هذه المرحلة أن أُحافظ على صحتي النفسية والجسدية، كيف؟

  • أُنظِّم فترة النوم، بحيث يكون كافٍ وصحي في فترة الليل، وسلامة الوجبات اليومية من الوصفات المُكسِّلة.
  • أُرتّب وقتي ومهامي، وأسعى في وضع قوائم الأولويات بحسب أوقات التركيز والإنتاجية، وهذا في وضع المهام التي تتطلب تركيزًا عاليًا وجهدًا مضاعفًا في الفترة الزمنية التي أكون فيها بأوجّ عطاءاتي وإنتاجيّتي، وهذه الفترة بالنسبة لي هي في الصباح.
  • أبتعد عن البيئة السلبية، وبالنسبة لي البيئة السلبية هي في تجمّعات الطالبات الافتراضية ورسائل التذمر على واتس اب وغيره، وهذا لا يُنافي حاجتك كطالب في التنفيس عن تعبك في المذاكرة أو الدراسة.. ولكن حاول أن تُمارس هذا التنفيس بعيدًا عن التجمّعات هذه.
  • الاستجابة لرسائل النجدة التي تنبثق من ذهني وجسدي وأخذ أوقات استراحة متفرقة في أثناء تأدية مهامي الدراسية.
  • أُواجه أفكاري المباغتة التي تنغص عليّ وقتي في المذاكرة، ومنها: ما الفائدة من هذه الدراسة؟ متى أتخلّص من هذا التعب؟ وما على شاكلتها.. تذكر أن هذه فترة بسيطة وستنقضي!
  • أُجهّز قوائم المكافآت ووسائل الترفيه المساعدة والمُخفِّفة من وطأة المرحلة، كالمسلسلات والأفلام والتنزهات والهدايا للنفس، وأُنوّه أن يجب أن يتم اختيارها بعنايةٍ شديدة، بحيث تقوم منزلة التخفيف وليس تصعيد الأمر العاطفي للشدّة، احترس.
  • أكتب الهدف الذي أسعى له حبوًا وسط هذا الركام، وتختلف الأهداف بحسب الشخص وتطلعاته في مرحلته، ولكن بالنسبة لي أهدف إلى عدم التفريط في معدلي العالي والممتاز.

وأخيرًا، أتمنى لنفسي ولكم التوفيق، وأن تُزيَّن أحلامنا بالبلوغِ والتمام، آمين.