جادّة الإنسانيّة! (1)

هُنا.. المكان الذي أحبّه، الذي شهد أغلب صراعاتي وأسباب فرحي، والذي شاركني المواساة والتهوين بقهوةٍ بديعة، وطعامٍ لذيذ! المكان الذي أُقدّمه دائمًا على أنه صديقي، وأوّل اختياراتي إن رغبت الخروج من المنزل. هُنا.. أجِد لذّة الانعزال، والقراءة، والكتابة وتبادل أطراف الحديث مع شخص عزيز، ذهبت إليهِ اليوم أيضًا، وفي الانتظار رأيت مئات السلوكيات الإنسانيّة بين أفراد طاقمه، واستشعرت كيف يُصبح الإنسان كذلك بكل ما يملكه..

أن يتجاوز كل الضغوط على كاهله ليهديك ابتسامة طاهرة، ومن ثمّ يتخفّف المناداة ويتليّن الأمر، ويمسح بكل الدفء على رأس طفل، ويُجاهد كل المنغصات ليبقى بشوشًا، ويستغلّ الثانية التي يُصبح فيها فارغًا ليربت على كتفِ زميله، جميعهم مُتعَبون، وجميعهم قد لقوا من بعض المارّة تمردًا وتطاولًا، ولكنّ هذا كسب عيشهم، ولهذا جميعهم سندًا لبعضهم، لطالما آلمني قلبي من تعامل بعض الأشخاص مع الموظفين والموظفات في المطاعم أو المقاهي أو المحلات التجارية، وأشهد آلاف النظرات الدامعة والنبرات التي تكتم قهرها بسبب سوء خُلق العملاء والزوّار، وأُحاول ألّا يكون في نظرتي أو نبرة صوتي أو طلبي ما قد يزيد الهمّ عليهم، أُحاول ألّا أتوقف عن تهذيب نفسي إن مررت بهم، كنت أعمل قبل شهور قليلة ماضية في محلٍ تجاري، واصطدمت بكل أنواع الشخصيّات، من يتفهّم ويلتمس العذر، ومن يلقى مُتعته في الشّتيمة والتطاول اللفظي، ومن يدخل ويخرج باسمًا ضحوكًا سمحَ الأخلاق، ومن يهلك المكان بطاقته الغير إنسانيّة، وأُجبرت في أغلب المواقف بل في كلها أن أصمت وأُمرّر كل التجاوزات، مُكرهة والله، لذلك قلبي مع كل الذين يعملون ويكدحون في هذه الأماكن التي يُواجهون فيها كم المتاعب ويصمتون رغمًا عنهم، وكل الذي يُدهشني إن وجدت الطاقم يُحاولون احتواء متاعبهم والتخفيف منها معًا، ومن كل ما رأيته اليوم في المكان تأكدت أن بيئة العمل صحيّة، وأن الذي يقف على رأسهم عطوفًا عليهم وإنسانًا حقًا، وأن العطف والرّحمة والبشاشة ضروريّات العصر، فكفّ عنهم الأذى أرجوك.

مقهى نقوة
لحظة كتابة هذه التدوينة، مقهى نقوة

حقوق الصورة البارزة للمقالة: https://unsplash.com/@pawel_czerwinski

إنَّ الأيَّامَ خزائنٌ!

هل بإمكان الأيَّام أن تكون كمِنْدِيلٍ لَطيف الملمس تمسَح به على قلبك فيُضمد جرحك؟ إليك رأيي، إن هذه الحياة تهون إن حَمِلَ همَّها شخصان، وحَمِلَ هذين الشخصين هَمْيِّ بعضيهما، ويدًا بيد مضيا، ونتذكَّر في هذا مشهد الغارِ الذي شَهِدَ على محبّة وتوافق الرسول -صلى الله عليه وسلم- ورفيق دربه الصِّدِّيق أبو بكر -رضي الله عنه-، اللذَيْن حَمِلا همومَ الدعوة والإصلاح وتلبية النداء معًا، وبينما الصِّراع قائمٌ حول الغار، إلا أن داخله مُطمئنًا بطمأنينة ساكنيه، وساكنٌ بترتيلِ الآيات الكريمة، وتربيت الكتف التي يحفظَان بها رباطة جأشهما.

لكمّ مر على رسول الله ورفيقه المتاعِب، ولكن الله منحهما القوة من عنده أولًا ثمّ من بعضيهما، يُروى أنه قال -صلى الله عليه وسلم-: (… ولو كُنتُ متخذًا من أهل الأرض خليلًا لاتخذتَ أبا بكرٍ خليلًا) وفي اللغة العربية يُرمز بالخليلِ بالوَفاءِ والإخلاصِ وحُسنِ الرِّفقة، يا الله! منزلةٌ عظيمة بسلامة سريرتهما، وإعانتهما لبعضهما، وماهيَ إلا مضرب مثلٍ يُشاد به البنانَ في علاقاتنا الاجتماعيةِ الآن، وبخلافِ التصنيفِ إن كانت صداقةٍ أو أُخوَّةٍ أو زوجٍ وزوجة وأُم وطفلها وأب وطفلته، هذه الحياة تُصبح سهلةً متى ما كانَ هناك من تشدّ عضدُك به، أيضًا.. ألم تَقُل لك والدتكَ يومًا صَاحِب الصَّالحين تصطلحُ بهم؟ أعتقد أن جميعنا نُصحنا بهذه النصيحة الثمينة.

ثمّ إن كل تلك التفاصيل التي تمرّ بها مع الشخص الآخر إن كان صديقًا، أو أخًا، أو زوجًا، أو زوجةً، وما إلى ذلك.. تجتمع لتَكبُر، وتكوِّن تلك العقدة السميكة التي يُقال عنها المواقِف، والتي تُحافظ على عدم وصولِ علاقتكما معًا إلى نقطة النهايةِ الحزينة تلك، أيّ الافتراق.. وربما هيَ أيضًا من يُعجِّل بانتهاءِ علاقتكما، الأمر أشبه بأن يكونَ لك وعاءً واسعًا وكلاكما تضعانِ فيه همومكما، حديثكما الذي لن يخرج، وحزمة مشاعركما باطمئنانٍ أنها لن تُهِزّ نظرة أحدكما بالآخر، أيضًا كل تلك الكلمات التي تشدّان من أزركما بها، والوقفاتِ التي تُهوِّنا عن بعضيكما بها، هذه كلها تصنع أيامًا حنونة ودافئة تُصبح كالضماد الذي حال أن تتذكرونها تتنهّدانِ العزيمة والصّبر، والأمل، والتفاؤل، والإصرار.

ولهذا يُمكن للأيّامِ أن تكون كمِنْدِيلٍ لَطيف الملمس تمسَح به على قلبك فيُضمد جرحك، وتقوى خطوتك، وتصلُح نفسك، وإنّ الأيّام التي نقضيها مع شخصٍ آخر نُنزله منزلة الخليل ما هيَ إلا قوى نستهلِك منها ما يزيدنا بصيرة للسيرِ في متاهاتِ الحياة، ثمَّ إن الأيَّام خزائنٌ فانتقِ الذي يملؤها معك كما يُحب الله، ويُعينك على ذلك.

ماذا فعل الإغلاق بالأصدقاء؟ تساؤلات من رحم النهايات!

لا أعرف سببًا للتطرق لهذا الأمر من حياتي غير أنني أحتاجُ إلى بعض المساحة التي يشغلها في عقلي، لأمورٍ ربما تكون أهم، قبل إجراءات الإغلاق والحجر المنزلي كنت أستطيع الاتصال على الأصدِقاء دون أن تثقل شفتيَّ الأعذار التي تنتظر السؤال عن السبب لتنطلق مبررة، ولا أتأهب ملايين المرات حين تُحلِّق فكرةً ما ليلًا باحثةٍ عن معبر هبوط لتُفصَّل من كل الاتجاهات، ولا أعدُّ الوقت قبل أن يتسلَّل الصباح لإرسالِ مسودةٍ أُحافظ فيها على إخلاصي في أن هناكَ شخصًا ما أُعيرهُ اهتمامًا بالغًا للحدِ الذي يجعله أول قارئٍ لما كتبت، وأثناء الإغلاق أصبح وكأن هناك من لَعِب في علاقتي بهم، وجدت إسمي على قائمة الانتظار طويلًا، والهروب كثيرًا، لم نعد جميعنا كما كُنّا، ضيَّقت علينا تبعات الأزمة وسائل الاتصال رغم وفرتها، ومع تزايد شهور الإغلاق تلاشى معها شيئًا مميزًا فينا معًا، مرات عديدة نقول لا بأس، ولكن هناكَ حاجزًا لا يكفّ عن بناء نفسه -ربما بفعلنا- أمام تلك العلاقة التي نحسبها قوية بما يكفي لتُقاوم أمواج العالم والأحداث الثائرة، والانقطاعات الطويلة وصعوبات اللقاء، إلى أن قرر الجميع -دون أن يُقرِّر- أن تُغلق هذه العلاقة دون نهاية قطعية، نصفٌ يبسط ذراعيه للآتي بعد شهورٍ، وآخر يوسِّع مجالات الانشغالِ باكتشاف الحياة لا الأشخاص.

قرأت مقالًا للكاتبة جين هو في موقع النيويوركر وأستطيع الآن إيضاح سبب كتابتي لهذه المقالة في نهاية الليل، إذ أن الفكرة أثارت الفوضى في داخلي طوال اليوم مما دفعني إلى افراغ الضجيج عند الساعة 4:18 فجرًا، بدأت الكاتبة بقصَّة مع إحدى متابعاتها على منصة تويتر قبل أكثر من عام، عندما أخبرت إحداهن جين بأنها سوف تبتعد عن تويتر وتُقلِّل اتصالها بالإنترنت، قبل أن تطلب البريد الالكتروني للكاتبة، وبعدها تأتي المكالمات الهاتفية والرسائل النصية المستمرة لتلعب دورها في توطيد علاقة الصداقة الناشئة بين جين والأخرى حتى أثارت تلك العلاقة غيرة حبيب جين مُعتقدًا أنها تقوم بخيانته.

وفي أثناء تعمقي في قراءة المقالة ومحاولة فهم كل شيء فيها شعرت بأن بعض علاقات الصداقة ترتبط ارتباطًا وثيقًا إن وُجِدت مُحفِّزات معينة قام ببنائها الطرفين فيما بينهم، فعندما نظرت إلى طبيعة المُحفِّزات فيما بيننا، وجدت أن لقاءاتنا وأحاديثنا العميقة لم تكن عبر الرسائل النصية أو محادثات التواصل الاجتماعي ولا المكالمات الهاتفية الطويلة وليست في المنزل بالتأكيد، بل تارةً بمقهى، وأخرى بالنادي الرياضي أو السوق التجاري، وكثيرًا في الحدائق وكراسي الجامعة والمناسبات الاجتماعية، وهذه المحفزات جميعها أُغلقت مع الجائحة، وشيئًا فشيئًا أُغلقت معها صفحات حكاياتنا، حتى آن أن يشقّ الجميع طريقًا مختلفًا عن ذلك الذي مهدناه سويًا، فهل فعلًا هناك مجالًا للعلاقات أن تستمر أو تنتهي بالاستناد إلى مُحفِّزات اللقاءِ والحديث؟ بالنسبة لي؛ نعم، بعض العلاقات الاجتماعية تنشأ بنشوء وتزايد الأمكنة التي تجمعنا، أتذكر في طفولتي انتقلنا إلى مسكنٍ جديد في أحد أحياء الرياض المتواضعة والذي لم يعد متواضعًا الآن لاتساع رقعة التطور فيه حتى أصبح كذلك الحي الذي يُقال عنه (حي الأغنياء)، وفي أول أسبوعٍ لنا لم تتوقف زيارات الجيران وأطباق الحلوى اللذيذة، وطالت الترحيبات إلى أن تكونت صداقة بيني وبين بناتهم اللواتي في عمري، واجتمعت طرقنا في الحياة حتى نهاية المرحلة المتوسطة، حيث انتقلنا إلى مدينةٍ أخرى، وانقطعت بنا سُبل اللقاء والصَّداقة، ولم نعد نعرف عنهم شيئًا، حتى أرقام الهواتف التي بحوزتنا لم تعد تُشير بنا إليهم وبقيت المكالمات مبتورة، لا إجابة ولا إغلاق، هكذا بالمنتصف، حقيقةً العودة إلى كل تلك الصداقات التي نشأت بيننا وبين الجيران منذ الطفولة حتى الآن جعلني اتجه إلى التأكيد بأن المُحفِّزات حجر أساس في بناء العلاقات الاجتماعية، ومع عدمية وجودها سيُكسر جزءً من هذا الحجر، وفي غالب الأحيان يستكمل الطرفين عمليات الكسر، هل تجدون الأمر منطقي؟ أنا أراه نوعًا من الغشاوة، أشارت الكاتبة في مقالها إلى مقالة أخرى للفيلسوف والشاعر رالف والدو إيمرسون بعنوان الصداقة ، سأقرأه لأعرف أكثر عن ماهية الشعور الذي أحمله، وأتمنى أن أجد مساحة مليئة بالآراء حول هذا الموضوع، هل تشاركوني؟