مذكَّرة كورونا (2)

(5)

اليوم الخامس، السّاعة السابعة والنصف صباحًا، أعتقد أنّ أفضل شيء فعلته أثناء العزل أنني لم أفقد نومي الصحي في الليل، صحيح أنَّي سهرت ليلتين ماضيتين، ولكن علاقتي مع نظام السهر متوتّر، فلا أنا أُحبّه ولا هو يُحبّني، أنا الفتاة البارّة بالنهار! عمومًا؛ لم أُبارح سريري، أُواجه ضيق تنفّس فضيع، أشعر وكأنني سأفقد نفسي في أيّ لحظة، وتلك الوخزة التي أشعر بها في حلقي لا زالت مستمرّة، هذا يعني أن الوباء لا زال يُعارك جهازي التنفسي، يستوجب عليّ أن أنهض وأشرب عصيرًا طازجًا، وأتناول أدويتي التي لم آخذها طيلة الأمس، ولا تُخبروا والدتي بهذا الأمر.. لكن لن أنهض الآن، سأنام!

السّاعة الحادية عشر صباحًا، أخيرًا رأيتُ نفسي في المرآة وفي يدّي كوبًا من القهوة، نعم؛ لا أستطيع أن ابدأ بلا قهوة، أجّلت كأس العصير لما بعد الغداء. الآن؛ أُفكّر أن أقوم بمسؤوليات المنزل المُتراكمة، أحتاج للحركة، أحيانًا يُعطيكَ جسدك رسالة أنه يودّ الاستلقاء طويلًا، هذه الحالة بتُ أرفضها بعد الإصابة، أعرف أنه عندما أُعطي هذه الحالة القبول سأتعب، وسأبقى كل الوقت تحت وطأتها واستسلم لانهزام المناعة، الحركة تُفيدني وتُبقيني بخير.

السّاعة الثانية بعد الظهر، منذ سنتين تقريبًا لم أعد أعترف بالقيلولة خلال فترة النّهار، وتأقلمت مع انعدامها، بل أُصبح نشيطة بدونها، وما الذي أفعله في هذه السّاعة؟ أكتب، أقرأ، وأُكمل واجباتي الدراسية، والمهام العملية، هكذا إلى أن يُنادى على صلاة العصر، فترة القهوة العربيّة والعائلة، لكن الآن، حيث لا عائلة ألتفُّ حولها، أقضي وقتي في متابعة الوثائقيات والمدونات البصريّة.

السّاعة الخامسة، تلقّيتُ عناقًا بشكل جميل، بكوبِ قهوةٍ وحلوى لذيذة، ومن ثمّ مكالمة تطمئن على وصول القهوة بسلام، تصرف ابهجني جدًا، أتمنّى ألا يُحرم الأحباب والأصدقاء من لذّة اللقاء بلا قيودٍ ولا أوبئة ولا موانع، أتمنّى في هذه اللحظة أن ألتقي بأصدقائي، اشتقت لأوقاتي معهم، أُهاتفهم كل يوم، ولكن أُريد لمس أيديهم والنظر لعيونهم واحتضانهم.

السّاعة الثامنة مساءً، أنهيت مهام المنزل وأطفأت كافة أضواءه، يبدو أنّه لم تعد تُخيفني العتمة، أشعلت شمعة واستضفت رواية لا تقولي أنّكِ خائفة، الآن أيضًا سأقرأ حتّى أنام.

(6)

السّاعة التاسعة صباحًا، مُتعبة واشتهي البكاء ولا قوّة لدي للنهوض ومُجابهة الحياة، ذراعي تؤلمني، وآلام صدري أفسدت نومي، أودّ الاتصال على أحد، لكن لا أملك رقمًا واحدًا أستطيع الاتصال به هذه الدقيقة بلا تبريراتٍ أو قيود، حتى من أضعه بمنزلةٍ مُختلفة عن الجميع لم أستطع الاتّصال به ورمي ألمي عنده، مُتعبة جدًا.

السّاعة العاشرة وأربعين دقيقة، لا زلت أتألم وفي عقلي تتصارع حكاية الشّاب الذي لم يعرف أحد بموته داخل منزله الصّغير إلا بعد عشرة أيام، من سيعلم بشأني في هذه الشّقّة الصغيرة الباردة؟ توقّفي هاجر، يجب أن لا تتركي نفسكِ للأفكار السّيئة، انهضي!

السّاعة الواحدة ظهرًا، أشرب الماء الدافئ مع قطع ليمون، يجب ألّا تتمكّن مني الأعراض، أعلم أنّ أول عقبة يُواجها المريض أفكاره السلبية وإن فاز عليها فإنه لن يضرّه شيء بعد أمر الله، وموقنة أن جسدي يحتاج مني هذه القوة النفسيّة، لذلك أنا قوية.. حتى الآن!

وبعد.. تناولت وجبة غداءٍ لذيذة، أُحبّ الأرز بالخضار، أشعر وكأن معدتي تبتسم! الحمد لله. أيضًا لم أشرب القهوة اليوم عندما استيقظت، استبدلتها بمشروباتٍ صحيّة، ولكن الآن انهزمت! هذه القهوة أمامي! أسرق النّظر إليها بكل الحُب، شكرًا لله على وجود القهوة.

هل تعلمون أنني مؤخرًا أصبحت أكتب بشكلٍ يومي؟ لا أنشر نصفها بالتأكيد، بل أضعها مسودّة، ولكنني أكتب، أكتب بنهم، وما أقلق منه أن تتلاشى الكتابة اليوميّة عندما أنتهي من الإجازة الصحيّة وأعود لساحة العمل والدراسة والمسؤوليات.

لا زالت ذراعي تؤلمني ولا أعرف السبب رغم استهلاكي لمُسكِّنٍ مؤقت لآلام المفاصل والعضلات، وأُتابع بعض التدوينات البصرية لمدونون من ايطاليا، أُحب ايطاليا، تاريخها ومطبخها وجودة الحياة لديهم، أُحب متنزهاتها وأماكنها القديمة، اندهش بها.. وبجانبي دفتر صغير أُمسك فيه كل فكرة تُحلِّق في فلكي، هكذا أقضي النهار.

السّاعة العاشرة والربع مساءً، في هذه الساعة تبدأ طاقتي بالتلاشي شيئًا فشيئًا، أقضيها غالبًا بالقراءة، لكنّ خُطّتي هذه الليلة مُختلفة، طلبت عشاءي من المطعم الذي أُحبّه وسأتابع مسلسل تاريخي، أعتقد أن هذا أفضل ما سأُهديه لنفسي بعد الآلام التنفّسية التي تحمّلتها طيلة فترة النهار.

ماذا فعل الإغلاق بالأصدقاء؟ تساؤلات من رحم النهايات!

لا أعرف سببًا للتطرق لهذا الأمر من حياتي غير أنني أحتاجُ إلى بعض المساحة التي يشغلها في عقلي، لأمورٍ ربما تكون أهم، قبل إجراءات الإغلاق والحجر المنزلي كنت أستطيع الاتصال على الأصدِقاء دون أن تثقل شفتيَّ الأعذار التي تنتظر السؤال عن السبب لتنطلق مبررة، ولا أتأهب ملايين المرات حين تُحلِّق فكرةً ما ليلًا باحثةٍ عن معبر هبوط لتُفصَّل من كل الاتجاهات، ولا أعدُّ الوقت قبل أن يتسلَّل الصباح لإرسالِ مسودةٍ أُحافظ فيها على إخلاصي في أن هناكَ شخصًا ما أُعيرهُ اهتمامًا بالغًا للحدِ الذي يجعله أول قارئٍ لما كتبت، وأثناء الإغلاق أصبح وكأن هناك من لَعِب في علاقتي بهم، وجدت إسمي على قائمة الانتظار طويلًا، والهروب كثيرًا، لم نعد جميعنا كما كُنّا، ضيَّقت علينا تبعات الأزمة وسائل الاتصال رغم وفرتها، ومع تزايد شهور الإغلاق تلاشى معها شيئًا مميزًا فينا معًا، مرات عديدة نقول لا بأس، ولكن هناكَ حاجزًا لا يكفّ عن بناء نفسه -ربما بفعلنا- أمام تلك العلاقة التي نحسبها قوية بما يكفي لتُقاوم أمواج العالم والأحداث الثائرة، والانقطاعات الطويلة وصعوبات اللقاء، إلى أن قرر الجميع -دون أن يُقرِّر- أن تُغلق هذه العلاقة دون نهاية قطعية، نصفٌ يبسط ذراعيه للآتي بعد شهورٍ، وآخر يوسِّع مجالات الانشغالِ باكتشاف الحياة لا الأشخاص.

قرأت مقالًا للكاتبة جين هو في موقع النيويوركر وأستطيع الآن إيضاح سبب كتابتي لهذه المقالة في نهاية الليل، إذ أن الفكرة أثارت الفوضى في داخلي طوال اليوم مما دفعني إلى افراغ الضجيج عند الساعة 4:18 فجرًا، بدأت الكاتبة بقصَّة مع إحدى متابعاتها على منصة تويتر قبل أكثر من عام، عندما أخبرت إحداهن جين بأنها سوف تبتعد عن تويتر وتُقلِّل اتصالها بالإنترنت، قبل أن تطلب البريد الالكتروني للكاتبة، وبعدها تأتي المكالمات الهاتفية والرسائل النصية المستمرة لتلعب دورها في توطيد علاقة الصداقة الناشئة بين جين والأخرى حتى أثارت تلك العلاقة غيرة حبيب جين مُعتقدًا أنها تقوم بخيانته.

وفي أثناء تعمقي في قراءة المقالة ومحاولة فهم كل شيء فيها شعرت بأن بعض علاقات الصداقة ترتبط ارتباطًا وثيقًا إن وُجِدت مُحفِّزات معينة قام ببنائها الطرفين فيما بينهم، فعندما نظرت إلى طبيعة المُحفِّزات فيما بيننا، وجدت أن لقاءاتنا وأحاديثنا العميقة لم تكن عبر الرسائل النصية أو محادثات التواصل الاجتماعي ولا المكالمات الهاتفية الطويلة وليست في المنزل بالتأكيد، بل تارةً بمقهى، وأخرى بالنادي الرياضي أو السوق التجاري، وكثيرًا في الحدائق وكراسي الجامعة والمناسبات الاجتماعية، وهذه المحفزات جميعها أُغلقت مع الجائحة، وشيئًا فشيئًا أُغلقت معها صفحات حكاياتنا، حتى آن أن يشقّ الجميع طريقًا مختلفًا عن ذلك الذي مهدناه سويًا، فهل فعلًا هناك مجالًا للعلاقات أن تستمر أو تنتهي بالاستناد إلى مُحفِّزات اللقاءِ والحديث؟ بالنسبة لي؛ نعم، بعض العلاقات الاجتماعية تنشأ بنشوء وتزايد الأمكنة التي تجمعنا، أتذكر في طفولتي انتقلنا إلى مسكنٍ جديد في أحد أحياء الرياض المتواضعة والذي لم يعد متواضعًا الآن لاتساع رقعة التطور فيه حتى أصبح كذلك الحي الذي يُقال عنه (حي الأغنياء)، وفي أول أسبوعٍ لنا لم تتوقف زيارات الجيران وأطباق الحلوى اللذيذة، وطالت الترحيبات إلى أن تكونت صداقة بيني وبين بناتهم اللواتي في عمري، واجتمعت طرقنا في الحياة حتى نهاية المرحلة المتوسطة، حيث انتقلنا إلى مدينةٍ أخرى، وانقطعت بنا سُبل اللقاء والصَّداقة، ولم نعد نعرف عنهم شيئًا، حتى أرقام الهواتف التي بحوزتنا لم تعد تُشير بنا إليهم وبقيت المكالمات مبتورة، لا إجابة ولا إغلاق، هكذا بالمنتصف، حقيقةً العودة إلى كل تلك الصداقات التي نشأت بيننا وبين الجيران منذ الطفولة حتى الآن جعلني اتجه إلى التأكيد بأن المُحفِّزات حجر أساس في بناء العلاقات الاجتماعية، ومع عدمية وجودها سيُكسر جزءً من هذا الحجر، وفي غالب الأحيان يستكمل الطرفين عمليات الكسر، هل تجدون الأمر منطقي؟ أنا أراه نوعًا من الغشاوة، أشارت الكاتبة في مقالها إلى مقالة أخرى للفيلسوف والشاعر رالف والدو إيمرسون بعنوان الصداقة ، سأقرأه لأعرف أكثر عن ماهية الشعور الذي أحمله، وأتمنى أن أجد مساحة مليئة بالآراء حول هذا الموضوع، هل تشاركوني؟