حيث يُصبح كلٍ في نصابه..

أهلًا وسهلًا، كل عام وأنتم بخير قرّاء مُزدَانة

الحمد لله الذي بلّغنا شهره الكريم ونحنُ بأتمّ الصحة والعافية، وأضاءَ لنا بهجة عيد الفطر السّعيد ونعمه ووافر فضله يُحيطُ بنا.

والآن…

هل تساءلت مرّة كيف تجعل لكل شيء في حياتك نصابه الذي يستحقه أو مكانه المناسب؟

إن الحديث عن هذا السياق متشعّب ومترامي الظنون والأحكام -وقد أفشل في حصره-، ولكن نتفق أن الحياة تمضي باستقرار بعد إذن الله جل علاه حالما تمتلك مهارة إدارة التقديرات التي تُعطيها للأشياء وللأشخاص وللعادات وللممارسات في يومك، وموقنة بأن حصول اليوم على أكبر نسبة من الاستقرار -لاسيما في الأوضاع المتذبذبة الحالية- يُعطيك الاستقرار الأمثل للحياةِ كاملةً، أي استقرار الانفعالات والدوافع والمشاعر والنفس في الطوارئ، كتبت مرة أن التزامك بنفسك وسلوكياتك في مواجهة العقبات البسيطة، يُغذّي الروح المؤمنة في داخلك إن اصطدمت بالعقبات الكبيرة الفارقة.

وبعد محاولات جزلة في تحسين هذا الأمر على الصعيد الشخصي، فإنني اليوم أجد رغيفًا من الاستقرار إزاء هذه النظرة، تعلّمت خلالها أن المكانة شيء رائع إن أُعطي بدقّة، وعلى جانب العلاقات -وبمناسبة أنني للتو أخرجتُ نفسي من علاقةٍ فاشلة-، كنتُ أضعها في منزلةٍ واسعة في شخصيتي حتى أنني منحتُ لها وقتًا كافيًا لتنضج على مهل، ووقتًا أكثر لترتكز في حياتي، ولم ألقَ جزاءً، كانت سامة بالفعل، وكتبت الكثير في المدونة تحت وطأة سمومها، ولكن الآن.. وعندما وضعت نفسي في نصابها المستحق، والطرف الآخر كذلك، فإنني لستُ نادمة، ولن أُمهّد طريقًا لتعود هذه العلاقة إلى سابق عهدها -بل سأدفن كل الطرق- حتى أتجاوز، وباعتبار أن الحديث عن الشيء يجعلك تتجاوزه بخلاف المروج له أنه يعني أن الأمر لم ينتهِ بعد، فأنا أقول إن الكلام أحد قواعد بناء التجاوز والتخطّي، وبعدما كتبت وتكلمت لمدة تقدّر بأربعة أشهر، بات كلامي عونًا لي في جعل النقطة سهلة الرسم بعدما كانت صعبة، وأن كل تخلّي في مقابل كسب نفسي، لن أعدّه خسارةً، بل أرباح.

أما في جانب العادات؛ فإنني أعطيتُ عدد من عاداتي نصابها المستحق سواءً كانت بالأهمية أو المهم أو عديم الأهمية، وتنازلت عمّا لا نفع منه، ووضعت مكانه ما سيجعلني أفضل وأكثر هدوء، جلساتي الطويلة مع ذاتي ومحاوراتي المستمرة للأمور في يومي، جعلتني أكثر اتزان، وأكثر جودة في مواجهة العقبات، وعليه فإنني أقيس النظرة لكثيرٍ من الجوانب، وتأكدت أن تطبيق حسن التقدير بصورته الجيدة ستُعالج الكثير من المقلقات والمشتتات العاطفية والجسدية والذهنية، الأمر ليس تنظيريًا، إنما أحد أساليب الحياة التي سعيت لها، أن ترى نفسك منضبطًا جميل، ويُعزز الثقة بالنفس والجهد. وحيث يُصبح كلٍ في نصابه تتحقق الأهداف الحياتية بإذن الله، يُصبح الإنسان قادرًا على التمييز بين مستهلكات طاقته، ويحدد أيٍ له منها ثمرة، أن يكون للإنسان أولويات موضوعة بعنايةٍ فائقة أحد أهم المسير النافع، وما ذكر أعلاه أمثلة تُدغدغ فؤاد المرء، ولكنّها كانت أولوية تركيزي في بناء الأماكن المستحقة.

فهلّا اقتنع البعض أن أسلوب الحياة حقيقة وليست مجرد حداثة دخيلة لا نفع منها؟

كيف أواجه ضغط نهاية الفصل الدراسي؟

مرحبًا، أشعر هذا الصّباح أنني على ما يُرام، على الصّعيد النفسي خاصةً، صنعت قهوتي وقرأت ما تيسّر من كتاب “قبل أن تبرد القهوة”، ومن ثمّ شرعت في كتابة هذه التدوينة، لا أعلم متى سأنتهي منها وأنشرها، ولكن حتى هذه اللحظة أكتب بنهم، لم ترتفع أصابعي عن لوحة المفاتيح إلا لكتابة الفاصلة، بالمناسبة؛ سعيدة جدًا بالتطور الذي ألاحظه في نفسي عندما أكتب، لطالما مرّنت عقلي على تدفّق المفردات والأفكار عندما أفتح المسودّة، ولمن يتساءل كيف؟ سأنشر قريبًا تدوينة عن هذا النطاق.. ترقّبوا.

عمومًا، الأسابيع القليلة المقبلة تُوافق مرحلة نهاية أعمال الفصل الدراسي وإغلاق رحلة الاختبارات الجامعيّة قبل تلك الإجازة المطوّلة. أصبح الضغط مهولًا، ومحاولات لملمة المنهج على مشارف أن تُعقّد الأمور أكثر، نوم متقطّع، جلسات مطوّلة أمام شاشة الحاسوب، أمطارٌ غزيرة من الأعمال الفصلية الواجب تسليمها، بعضُ أبحاث الدراسات المؤرقة، ركضٌ دائم لانتهاز الدقيقة.. حتى أنني فكرتُ قليلًا في التوقّف عن التدوين والنشر في صفحاتي الشخصيّة حتى تمضي هذه الرحلة، ولكن أعرف يقينًا أن هذه المساحات هي التي ستُحافظ على اتزاني وتملأ وقودي، لذلك استبعدت الفكرة في أقل من جزء الثانية. عندما مارستُ “الفضفضة” عن هذه المرحلة في لقطاتٍ يسيرة في حسابي على منصة السناب شات، هناك من تمنّى لي التوفيق، وهناك من تهكّم وسأل: لماذا لم تستغلِ الشهرين الفائتة في إنجاز ما تتذمّرين منه الآن؟ يا للأسف، آلية هيئة التدريس الآن صعبة ومُنرفزة، لا يعرفون كيف بإمكانهم إطلاع طلبة وطالبات العلم على متطلبات المقرر أول الفصل عوضًا عن صفصفة سِمات الشخصية الشريرة وأبجديات التعارف الساذجة، لذلك هذا الضغط يا عزيزي الذي نُنفّس عنه هنا وهناك ليسَ بالضغطِ المصطنع الخيالي، إنها مرحلة حقيقية لا يسأم العالم من كبكبة ما تيسّر من مطباتٍ فيها، علمًا أن الجميع قد يمر في هذه المرحلة الفوضوية سواءً كان مهنيًا أو شخصيًا، لكن لا أعرف سبب تضييق الخناق على الطلبةِ والطالبات. كان الله في عوني وعون كل طالب وطالبة في كافة المراحل الدراسية.

وأُكمل على ذات السياق.. كيف أُواجه هذه المرحلة؟

إن أهم أهدافي للعبور في هذه المرحلة أن أُحافظ على صحتي النفسية والجسدية، كيف؟

  • أُنظِّم فترة النوم، بحيث يكون كافٍ وصحي في فترة الليل، وسلامة الوجبات اليومية من الوصفات المُكسِّلة.
  • أُرتّب وقتي ومهامي، وأسعى في وضع قوائم الأولويات بحسب أوقات التركيز والإنتاجية، وهذا في وضع المهام التي تتطلب تركيزًا عاليًا وجهدًا مضاعفًا في الفترة الزمنية التي أكون فيها بأوجّ عطاءاتي وإنتاجيّتي، وهذه الفترة بالنسبة لي هي في الصباح.
  • أبتعد عن البيئة السلبية، وبالنسبة لي البيئة السلبية هي في تجمّعات الطالبات الافتراضية ورسائل التذمر على واتس اب وغيره، وهذا لا يُنافي حاجتك كطالب في التنفيس عن تعبك في المذاكرة أو الدراسة.. ولكن حاول أن تُمارس هذا التنفيس بعيدًا عن التجمّعات هذه.
  • الاستجابة لرسائل النجدة التي تنبثق من ذهني وجسدي وأخذ أوقات استراحة متفرقة في أثناء تأدية مهامي الدراسية.
  • أُواجه أفكاري المباغتة التي تنغص عليّ وقتي في المذاكرة، ومنها: ما الفائدة من هذه الدراسة؟ متى أتخلّص من هذا التعب؟ وما على شاكلتها.. تذكر أن هذه فترة بسيطة وستنقضي!
  • أُجهّز قوائم المكافآت ووسائل الترفيه المساعدة والمُخفِّفة من وطأة المرحلة، كالمسلسلات والأفلام والتنزهات والهدايا للنفس، وأُنوّه أن يجب أن يتم اختيارها بعنايةٍ شديدة، بحيث تقوم منزلة التخفيف وليس تصعيد الأمر العاطفي للشدّة، احترس.
  • أكتب الهدف الذي أسعى له حبوًا وسط هذا الركام، وتختلف الأهداف بحسب الشخص وتطلعاته في مرحلته، ولكن بالنسبة لي أهدف إلى عدم التفريط في معدلي العالي والممتاز.

وأخيرًا، أتمنى لنفسي ولكم التوفيق، وأن تُزيَّن أحلامنا بالبلوغِ والتمام، آمين.

تأملات في العزلة المزمنة

قديمًا كانت العزلة الإجبارية نوع من أنواع العقاب للإنسان المُذنب، ويتم تعذيبه نفسيًا وعقليًا بحبسه فترات طويلة في غرفةٍ ضيّقة وحرمانه من الخُلطة في المجتمع حوله، ومن هنا ظهر مبدأ السجون الانفرادية كوجه آخر من أوجه كف أذى المذنب عن الناس، ويُعاقب الطفل المثير للفوضى والعصيان في غرفته أو حدود المنزل وحرمانه من الخروج، كذلك في اعتزال الصديق أو القريب الذي أساء إلينا وعدم تكرار الحديث معه، ومن هذه السلوكيات قد يُخيّل أنها ردة فعل صحية ولكنها جاءت ببند التعذيب، تعذيب الشخص ذاته أو تعذيب أحد المحيطين به، أو تعذيبٌ للإقرار بالخطأ والعدول عنه، وبينما للعزلة مستويات للخطر أود التأمل في المرتبة التامّة والحادة، أو المزمنة إن صحَّ الوصف، تلك الحالة المفترسة بذاتها من حالات العزلة.

وبخلاف أن للعزلةِ مراتبٍ ودرجات قبل الوصول للمقامِ القاتل، إلا أنه هناك فرقًا جوهريًا بين العزلة والوحدة والاختلاء بالنفس، وتلك المفترقات هي المحرك الرئيسي لدوران عجلة الخوض في العزلة كمفهومٍ مُشوّه حتى القرن الحالي، مما أنتج تأملاتٍ فلسفية كلٍ بما تملي عليه مآل نفسه، وتتجلَّى كانعكاساتٍ لحالته النفسية، والوعي بحد ذاته بمتاهات العزلة النفسية والعقلية دافع للاتزان، فالعزلة ستُصبح أجدى علاجيًا إن مُورست بطريقتها الصحيحة، ولن تعرف مجالًا للممارسة السليمة إلا إن اتبعت مبدأ الخلوة بالنفس بطريقةٍ سليمة أيضًا.

بالنسبة لي أرى العزلة كقطعة نقدية ذات وجهين، يحمل كل وجه منحنيات غير مرئية تتصل باتصالٍ وثيق في الحاجة الغريزية للإنسان ومشاعره ومولّدات صحته النفسية الطبيعية والعقلية كذلك، وتؤدي التأثيرات المخالفة لكل ذلك إلى حالة من الاضطراب قد تتعمق لتولِّد بدورها اختلال في طبيعة الإنسان يستنزف جلسات علاجية تستهدف إعادة البناء في جذور الغريزة الإنسانية، ليبدو إنسانًا صحيًا سليمًا، ولهذا أُشبّه العزلة المزمنة بحالةٍ مُفترسة، لن تنتظر لك رأي، قد تصيبك وتزعزعك من أضعف حالاتك الوجدانية، عندما تفقد حلم/حبيب/عزيز/بيت/سيارة، أو يخيب أملك، وهذه الحالات الوجدانية الضعيفة في الإنسان والتي من خلالها تدخل العزلة لحياته وتمهّد للاكتئاب وبقية الآفات النفسية مجلسًا، لذلك فإن العزلة ليست ردة فعل صحية مطلقة، والإفراط بالاعتزال يسبب نتائج وخيمة.

إذًا كيف نتزن بالعزلة؟

نتزن بالعُزلة إن أصبح في مخزوننا تنشئة مستمرة للعلاقة بيننا وبين الله، فإن كانت عُزلتك لا تبصرك لطريق الله ولا تحبّب لك أحب الأعمال لله فأنت في عزلة مرضية ليست صحية، فهذه الفائدة المنزهة عن كل خزعبلات الفلسفة العصرية، فالعزلة في مكنونها الجوهري إنارة البصيرة في الدين والتفرغ لأداء الواجبات الدينية وكف الأذى غير المُحتمل، وتخفيف حمل الدنيا على العواتق، كذلك العزلة لا تحرم الإنسانية من الحضور وهذا من حكمة الله في تطبّع الإنسان أن يكون إنسانًا، فالإنسان يحيا بالإنسان، فإن كانت إنسانيتك حاضرة في محيطك فأنت معتزلٌ متزن.

ومن غايات العزلة الحميدة أن تكون رفيقًا لنفسك، تسمعها، تتفهمها، تعذرها، تحنو عليها، فإن لم تكن رفيقًا لنفسك فلن تُصبح رفيقًا لأحد، فالاختلاء بالنفس وممارسة طقوس الرفقة والرفق عليها ومعها يجعلك واعيًا بذاتك وبالتالي واعيًا بمحيطك، وهذه الاختلاءات بالنفس تجعلك متزنًا بالعزلة وفي مواجهة الحياة.

بالنسبة لك قارئي العزيز، كيف نحقق الاتزان في العزلة؟

ما الذي يُشعرني بالاتزان في حياتي؟ [ وسائل الاتزان ]

ما معنى أن يكون في جُعبتك وسائل مُعينة على تحصيل الاتزان ومواجهة الاختلالات الطارئة في الحياة اليوميّة دون تدفق المزيد من الاضطرابات النفسية والسلوكية والذهنية؟ كان هذا مصبُّ اهتمامي بالفترة الماضية بعد أن عصِفت بي ظروفًا على كافة الأصعدة، اجهدت نفسي في محاولة إيجاد الحلول المُناسبة التي تحتوي الموقف وتعالجه كاملًا من جذوره، ولم أكن أطمح للتهدئة، أو الاحتواء المؤقت، وهذا ما جعل الأمر طويلًا، واستنزف الكثير من مكاسبي المختلفة كالنفسية مثلًا! وبالتأكيد سيبدو الحديث سهلًا ومنمقًا ما لم تعير تنبيهات الحياة الاهتمام المستحق، وبطبع الحياة أيضًا؛ أن من يتجاهل حدثًا منها جاءته محملة بالأحداث الأشد وطأة، هذا حقيقة ما كان يحدث معي.

خلال بحثي في نفسي أولًا عن تركيز الخطط الطارئة في جوانب حياتي المختلفة، كأن أضع مصروفًا مخصصًا للظروف المادية الطارئة في حسابٍ بنكيٍ مُستقل لا اقترب منه إلا في حالات الحاجة الشديدة، وأن أشتري قميصًا يأخذ شكلًا لطيفًا مع ثمانية تنسيقاتٍ بدلًا من قميصٍ لا يُحتمل إعادة تنسيقه، أو الاكتفاء بأربعةِ حقائب ذات ألوانٍ مُحايدة لمدة سنتين مثلًا، وما على ذات المعنى؛ بالإضافة إلى ابتكار حلقات وصل في داخل عقلي لأتمتع بمزاجٍ معتدل لأطول فترة ممكنة دون الحاجة إلى كتم مشاعرٍ تكابد عناء الخروج، كأن اعترف بأن حالتي المزاجية قد أنارت الحمراء تنبيهًا لي بأنني اليوم احتاج مساحة راحة، ومن ثم التهوين عليّ بأنها ليست حالة مستمرة، و التخفف من الأثقال التي أدت إلى هذا الاضطراب المزاجيّ، و إعطاء المناعة وقتها الجيّد لتقوم بوظيفتها وتغذيتها غذاءً مفضلًا لها ويزيدها قوة، وغيرها الكثير من الأساليب المهمة التي لا بد من جعلها نمط حياة ولا تقتصر على جانبٍ فقط دون الآخر، بل شاملة للمادة والذهن والفؤاد، وجدت أنني مقصرة جدًا في انعاش الخطط الطارئة في حياتي، وغالبًا لا أفكر فيما سيصبو إليه الغد راكضة وراء اليوم ولحظاته، وفي رحلةٍ مليئة يشهد عليها دفتري الخاص، أوجبت على نفسي عدم انتظار الصفعة من الحياة لأصحو على ما فرّطت، منوهة لنفسي أن هذا كله سأتحصَّل عليه بعد سرقة لحظاتٍ منفردة مع ذاتي، وبداية الفكرة في أمورٍ صغيرة وبسيطة قبل أن أُطبّق الخطة الطارئة مع الأمور الكبيرة والمعقدة في المواجهة، ومؤكدة بأن الاستعانة ببوصلة تبصرني على نفسي ليس أمرًا مستحيل الحدوث، ولكنه مؤجل حتى هذه اللحظة، ليقيني بأن لا أحد بإمكانه فهم شخصٍ ما إلا الشخص ذاته، بخلوته ومحاورة ذاته، والتوصل لنتائج تناسبه.

فما الذي يشعرني بالاتزان في حياتي؟ بعض عادات صغيرة وسلوكيات حياة بسيطة هي الفارق في الحالة المتزنة التي أشعر بها هذه الفترة، سأذكرها هنا للفائدة وآمل أن تُشكِّل فارقًا بالنسبة لكم أيضًا، ورغبة مني في توثيقها هنا، إذ أنني شاركتها مع الأصدقاء على صفحتي الشخصية في الانستجرام.

  • تبنِّي قاعدة التخفف :

قبل أن تَعصِف بنا جائحة كورونا، تابعت إحدى الوثائقيّات الشيِّقة والتي تختزل تجارب في فنّ التخفُّف، أو ما يُعرف بـ: The art of letting go.. Minimalism ، والتي ألهمتني لإعادة ترميم بوصلتي في إدارة حياتي ومُختلف جوانبها لتحقيق المعنى الحقيقي للحريَّة، بلا شعاراتٍ أو أنماط وهميَّة مهترئة، وكانت فترة الحجر المنزلي الفرصة الثمينة بالنسبة لي لترجمة الأمر إلى واقع أستطيع لمس محاولاتي فيه وملاحظة نتائجه وتقييمها، ولم يقتصر مفهوم التخفف على الماديّات فقط، بل يطول الأمر إلى نوعية البرامج المُحمَّلة في هاتفي المحمول، ولم أبدأ بصغائر الأمور كما اعتدت، بل بدأت بأكبر شيء أُريد تحقيق الحريَّة فيه أولًا، المنزل، فالصناديق التي تملئ أرجائه باعثة لحالات المزاج القلق، وتكدّس الكثير من الأشياء زيادةً على المخزن الذي لا أجد فيه مكانًا لأضع قدمي، كان الأمر مريعًا يا أصدقاء، الفائض مُحبط جدًا رغم أنه يعطي شعورًا بالحريّة، لكنها حريّة مزيفة ما تلبث أنّ تنهار وتصبح مصدر قلقٍ وتعاسة، وهنا نجد العقدة التي تفصل في معانِ الحرية الحقيقية، على كلٍ؛ استغرقت عملية المسح الأوليّ لما يحتويه المنزل قرابة العشرة أيّام، ومن ثمّ عشرةٍ أخرى للمسح الثاني، وفترةٍ لم أحصيها للفرز النهائي وملئ الصناديق بالفائض، وتجهيزها للتبرع بها أو إهداءها لمن حولنا، وأخيرًا، أصبح هذا الفراغ مصدرًا استمد منه قوة الاستيقاظ، والعمل، والدراسة، والترفيه، أصبح المنزل يتنفّس إن صحّ التعبير، وانتعش بذلك ساكنِيه، وهكذا إلى أن أوجدنا مواطن قوة الحب للمنزل بتخفّفه من الفائض، تبع ذلك تطبيق القاعدة على المصروفات الشهريّة ما بينَ المهمة والكماليّة وتحصيل الجودة، ومن ثمَّ التخفف النفسي والسلوكي وإعادة بناء البيئة المحيطة وتغذيتها بالأنشطة المحببة والتي تساعد على إيجاد حلقة الاتزان النفسي بداخلنا، وعلى ذات سياق القاعدة، لم تُستبعد تطبيقات الهاتف من دورة التخفف، كحذف تلك التطبيقات الخاصّة بالتسوق وخدمات المطاعم، وإغلاق تنبيهات العروض المُغرية، بالإضافة إلى مراقبة منصات التواصل الاجتماعي ذات التأثير السيئ ومتدنية الفائدة والاستغناء عنها كليًا، والمحافظة على جودة محتويات الخط الزمني في تويتر وانستجرام وصندوق البريد، ولم أتوقف عند هذا الحدّ! بل بسطت القاعدة جاذبيتها على وتيرة حياتي، وقمت ببيع/إهداء/التبرع بالكتب التي أنهيت قراءتها أو التي لم أعد بحاجة إليها لمن حولي، كذلك عرضها عبر حساباتي الشخصيّة للبيع/الاستعارة وخاصةً الكتب الجامعيّة، وهكذا طالت الحلقة لتُحيط تفاصيل منّي، وآمنت فعلًا أن التخفف أسلوب حياة يحافظ على مكتسباتنا الملموسة وغير الملموسة بجودة وحريّة حقيقية، وليس بالصعوبة التي تتبادر إلى ذهنك حالما تقرأ تخفّف، بل المعنى أن تعيش مع ما تحتاجه فعلًا، لا مع كل ما تملك.

  • تحرر من القوالب المجتمعية:

تُفصِّل المجتمعات من حولنا ثيابًا ليست صحيحة المقاس دائمًا وبأقمشةٍ تُصيبنا بالحساسية المُفرطة تجاه الحياة وتقذفنا في مضمارٍ على هامشها لنواصل الركض كما يحلو للعادات والتقاليد، سالبة منا حقنا في عيشها وتحقيق نصيبنا منها، قد نناضل، أو ننكر وجودنا في هذه الدائرة، ولكن هذا ما يُخيَّل لنا، نحن بشكلٍ أو بآخر نُحلِّق في مدارٍ قد رُسم لنا سلفًا من قِبل المجتمع، وضوابط حياتية ما أنزل الله بها سلطان، تدور بنا إلى أن نتبنى شيئًا منها جبرًا في غالِب الأحيان، واعتلت الوتيرة في هذه الفترات أكثر من قبل وأصبحت القوالب المجتمعية تحصد أكبر عددٍ من الصحة النفسية للأشخاص، وفي قرن التكنولوجيا والوسائل الرقميّة أصبح الاصطياد سهلًا وسريعًا كالفايروس، ونسابق الزمن وذواتنا لنحقق ولو واحدًا منها لنبدو في صورة المجتمع ناجحين وأكِفَّاء، الذي يحصر جميع جوانب الحياة الرحبة في قوالب مادية بحتة، وبث الشعارات الوهميَّة في عقول الفئة الشابَّة خاصة بأن النجاح والإنجاز هو مال فقط، مِمَّا دفع الكثير للتخبُّط لتحصيله، وتشويه الوظيفة في أنظارهم بأساليبٍ مموهة، والكثير من الآفات المجتمعية التي يصعب تركيزها في نقاطٍ محددة، إذ أن كل فرد يُمارس عليه أسلوب ضغط إمّا في دراسته أو وظيفته أو عائلته أو أصدقائه أو نسبه والجميع كذلك، المتعلِّم والأُميّ والعاطل والكبير والصَّغير، والأُم والصبيَّة، الجميع بلا استثناء يتعرَّض لضغط مجتمعي، البعض قد يواجه والآخر يستسلم، لكن المهم أن نعرف أن هناك ثياب اجتماعية لا تناسبنا، وقوالب تدمّرنا، وأن النجاح يبدو جليًا في أصغر التفاصيل، ليس مالًا بشكلٍ كامل، ويجب أن نعي أن ليس كل ما يتبعه الناس صحيح، ولا كل ما يُقال كذلك، ويجب أن نتحرَّر من القوالب الاجتماعية التي تُفسدنا لنحقق الاتزان الذي يجعلنا آمنين نفسيًا بعيدًا عن المقارنات والوتيرة التي لا تشبهنا.

  • تعلّم فن إعادة التدوير:

من أكثر الأساليب التي ساعدتي جدًا في تحقيق الاتزان الداخلي حين تعلمت كيف أُعيد تدوير بعض السلع والمنتجات وربما الخدمات بأقل التكاليف المادية والنفسية والجسدية، عندما كنت صغيرة في المرحلة الابتدائية كنت أدمج الأقمشة ببعضها لأحصل على مجموعة مميزة للبس، واستخدام معدات التزيين كاللؤلؤ والشرائط الملونة لتزيين أطراف القطع العلوية أو السفلية، واستخدام الخيط والابرة ومحاولة تعلّم الخياطة اليدوية النظيفة، كنت أفشل أحيانًا وتخرج من يديّ قطعة فضيعة القُبح، ولكن أيضًا هناك بعض التجارب التي لاقيت عليها مديح العائلة، وإلى الآن استخدم الخيط والابرة لتوسعة/تضييق/تقصير ملابس والدتي، وتروق لي هذه الثقة الجميلة منها، والدتي التي شهدت على كل هذه التجارب في إعادة تدوير الملابس بصدرٍ رحب، إذ أنها لم توبخني يومًا إن ضاع شيئًا من حقيبة الخياطة المفضلة لديها.

إن فن إعادة التدوير رحب ومتنوع وشامل جميع جوانب حياتنا والأشياء التي نملكها، فليس مختصرًا على الملابس فقط، ومما تأكدت منه في هذا الفن أنه يبعث على الاتزان النفسي ويُهدئ الذوات المتعطّشة للحياة المتسارعة والأنظمة الرأسمالية، ولهذا كان صاحب الأثر الأكبر فيّ.

  • أوجِد مساحتك المفضلة:

فكرة إيجاد شيء في حياتك تستمتع به جدًا وتهرب إليه من ضغوط العمل أو الدراسة أو المسؤوليات والمشاعر، وأي شيء من شأنه أن يُبعثر اتزانك، فكرة منطقية وضرورية، ربما مكان، كتاب، هواية، مهارة، طقوس، كل شيء بوسعه إضاءتك في أظلم حالاتك يمكنه أن يكون مساحتك المفضلة، بالنسبة لي منذ صغري كنت هاوية في تزيين الأوراق والكتابة وصُنع الفواصل واقتناء الكثير من كتب التلوين، وحتى عندما كبرت كبُر معي حب هذه الأشياء، فحافظت على تواجد الألوان والدفاتر والأوراق القوية في مكتبي، أهرب إليها في كل مرة أشعر بخمولٍ في الإبداع أو الكتابة، أو القيام بالمسؤوليات.. غالبًا المساحة المفضلة لدى أي شخص هي بالواقع أمر مارسه في صغره بصورةٍ متكررة، فابحث عنها.

  • مارس جلسات الاختلاء بالنفس:

يُقال أن الذي يُحاور نفسه كثيرًا ويفهم نفسه وانفعالاته وسلوكياته يُصبح متزنًا ومنضبطًا أكثر، أؤمن بهذا، لذلك كما تحتاج أهدافي وطموحاتي لمراقبة وتتبع كذلك نفسي، فالاحتواء الذاتي مطلب مهم جدًا، أن تحتوي نفسك، وتصرفاتك، وتتابع سلوكياتك، هذا سيُقرّبك لذاتك أكثر، فخصص وقتًا تجلس فيه لوحدك، وتتأكد أنك تتمتع بالصحة النفسية والحيوية الكافية.

________________

هذا ما يُشعرني بالاتزان، ولربما تُصبح هذه المقالة مطولة، لكنني سأحرص على مشاركة الجوانب المساعدة التي ترمي بفائدتها على أيامي، لأُصبح أكثر اتزانٍ، وانضباطٍ، وتهذيبٍ ذاتي، ولربما تلمس فيها عزيزي القارئ شيئًا تحبذ تطبيقه وانتهاجه.

حقيقة منسية – نقد مؤلفات (كيف) المتبوعة بمدة زمنية

قبل أيام توجهت إلى قرطاسية الحي التي تُوفِّر رفوفًا شاهقة بتصنيفاتٍ كثيرة، وجذبتني محادثة شيِّقة بين فتاتين حول جودة المؤلفات المعروضة، وأُصدقكم القول أنني ولأول مرة أمنع نفسي من التدخل في أي حديثٍ ترمي أطرافه إلى الكتب والقراءة والتوصيَات، وفي عُمق تلك المحادثة كانت إحداهنَّ تحاول التأثير في رأيّ الأخرى بكتابٍ ما، وتصر عليها بـ “لا يخدعك عنوانه، لا تشتريه”، وإن تحدثت شخصيًا عن كم الكتب التي خدعتني عناوينها وعن النتيجة المتمثلة في الندم والاستصغار من هذا القرار فلن أنتهي، أعادت الفتاة الكتاب إلى موضعه على الرف بتردد يُشابه ذلك الندم فيّ، وبنظرة خاطفة استطعت تمييز اسمه، وبضحكةِ انتصارٍ من وراءِ الكمامة خرجت، كانت أول كلمة في عنوانه (كيف) وآخره مدة زمنية يُزعم أنها كافية لتحقيق المَنالِ، والمُستفز أنها عشرُ دقائق! كيف يُمكن أن أُصبح/ أنجح/ أُطوِّر/ أُغيِّر في هذه المدة فقط؟ ، وهذا مُختلف كليًا عن الإنجاز بمعناه الحرفي.

في الحقيقة إن الخروج بعنوانٍ لافتٍ ومُغري للاقتناء مهمة صعبة تفوق صعوبة تأليفِ المحتوى، وأنه بذاته قادرًا على تحطيم جميع مميزات المحتوى ودفعه للهاوية، حتى وإن كان ثريًا ومُفيدًا وناجحًا وصانعًا للتغيير، ولإثبات أنني لست الوحيدة التي تُستفز من عنوانٍ أو تنظر بهذه النظرة إلى مؤلفات (كيف) المتبوعة بمدة زمنية سألت زميلةً عن رأيها، فانهمر على تذوقي القرائي الاطمئنان والأمان حينَ أجابت أن تلك العناوين تنتشلُ الأرق من مواطنه وتضعه في رؤوسنا، مُشيرة إلى أنها ضحية كتاب يُعلِّم كيف تُصبح قائدًا مُحترفًا في عشرِ دقائق، وتوجب علي الاحتفال بهذا الوصفِ العميق والحقيقي، لأنني شعرت بذات الشعور حين كنت اقتني مثل هذه المؤلفات، وأغوص في صفحاتها بينما عقلي لا زال مُتوقف عند الغلاف يُحدِّق بوظائفه إلى ذلك العنوان، وبينما أُحفِّز جلبهِ للصفحة الحادية عشر هو هناك يُجدِّف عكس التيار وقد أعياه التعب، إلى أن تحكم اليد قبضتها فتُغلق هذا الكتاب، فلا يظن كاتب هذا العنوان أن القارئ مُستمتع، أنه يُصارع للنجاة.

وفي ذات السِّياق؛ كان هناك ورشة عمل افتراضية تحت أُطر اكتساب العادات والمهارات، وقد أُقيمت بإشرافٍ تام من قِبل رئاسة قسم الأنشطة الصَّيفية، ولا أخفي أنها كانت كالضَّمير الذي يُثير فوضى مُتداخلة مع ذاتك، لشدة ما كان شحذها للهمم مُفرطًا، والمعروف أن كل أمر يزداد عن حدوده، ينقلب ضدنا، لذلك كنت أراها كالعِقاب، تناولت الورشة محاورًا عدة أبرزها: كيف أتعلّم أي مهارة أريدها خلال عشرين ساعةٍ فقط؟ آلمني أن ما أهرب منه بالمكتبات قد انتقل إلى ورش العمل والدورات التدريبية، وتحدٍ جديد لإثبات أن المهارات والعادات وكل ما يَزعمون لا يمكن تحديدها بتوقيتٍ معين، عشر دقائق، عشر ساعاتٍ، واحد وعشرين يومًا، كل هذه التحديدات تخلق ضغط هائل على المُستمع والقارئ والجاد في التعلُّم، وقد تكون منفرة إن لم يكن واعيًا للحد الذي يعرف أن لا شيء منوط بالتوقيت أو عدد الأيام أبدًا، إنما بالالتزام، وهذه الحقيقة المنسية دائمًا من النصائح والمحاضرات، كل شيء يرتبط بشكل أو بآخر برغبة مُلحّة للعمل، وبدون الالتزام لن تنجح بعادة ولا بمهارة ولا بقيادة ولا بأي شيءٍ آخر.

وهنا وجه ثالث للإثبات بمحض تجربةٍ شخصية، عندما أنشأت مدونتي السابقة في العام 2017م، لم أكتب فيها سوى مقالًا واحدًا لا يتجاوز الـ300 حرف، يوجد حب للكتابة والمواضيع والأفكار وميادين التجربة، والأكبر أنه هناك قرار للبدء في التدوين، كل ذلك متوفر بحقيبتي، لكنني فقدت عنصرًا مهمًا ووقودًا حقيقيًا يستظل كل ما سبق تحت قدرته، الالتزام، لم أكن مُلتزمة وجديَّة بشأن المدونة، ولم أُحوِّل كل تلك الأفكار لخدمة المدونة، أيضًا كنت مِمَن يسعون لإدخال التمارين الرياضية لأسلوب حياتهم، وعلى مدار سنتين ونصف، شحذت همتي ورتبت مكاني وتكلّفت بعدتي وصدقت مقولة “21 يوم تكفيك لبناء العادة”، وتدربت وحالما أنهيت الواحد وعشرين يومًا، انتهت معها التمارين الرياضية، وهُجرَ المكان -مع كامل أسفي-، وهنا ألومُ نفسي لأنني لم التزم إلا بعدد تلك الأيام، وأنني فتحت مجالًا لعقلي الباطني أن يُنفذ القرار في هذه المدة فقط، وفي العودة لكل ذلك المحتوى الناقص من أهم مورد، أيقنت أنني أبغضُ كل كيفية تخلو من بند الالتزام، وأن كل ما استهلّ بـ (كيف)، سيُهدم سريعًا، وأننا بدون الالتزام لن نصنع ولن نُنجز ولن نتطوّر ولن نتعلم أبدًا.