أثناء الاختبار النهائي..

السّاعة العاشرة والنصف صباحًا، مبنى المحاضرات الفرعي

بدأ الجميع في تنظيم المقاعد، ثمَّ..

سكون تامْ!

بعد مضي نصف ساعة جاء صوت مرتعد من مكانٍ قريب ليُزعزع طمأنينة كل من في المبنى، ليرتفع بعد ذلك فيتحوَّل إلى بكاءٍ وشهقات تفطر القلب، زميلة تمرّ بنوبةٍ ما يُشخّصها البسطاء من الناس بالخوف والتوتر، وأبرز سماتها بكاء شديد، ولكن لا يحظرني ما الاسم العلمي لها، وقد تكون طبيعية خاصةً في أيّام الاختبارات النهائية للفصل الدراسي.

لا أعرف طريقًا لمُساعدتها، أو بالأصح، لم يُسمح لأي شخص مد يد العون لها وتهدئتها، وبالتالي اتّضح أن المُحَاضِرَات والمراقبات لم يكنّ يملكنّ أي معلومة للتعامل معها ومع ما تمرّ به، وفي الحقيقة لا يُطلب منهنّ إجادة التعامل مع هكذا مواقف، بل الذي أطالب به أن يكون هناك لجنة -وهذا الذي أعلن عنه التعليم الجامعي مؤخرًا- مؤهلة للتعامل مع الحالات النفسية والنوبات والاسعافات الأوليّة وكل ما يستدعي تدخل سريع، ولكن أعتقد أن هذا الإعلان بقيَ في رف الإعلانات ولم يشغل حيز التنفيذ، مع الأسف.

لم يستفزّني كل ما سبق، الغضب كلّه تكدّس بعدما قالت أستاذة منهنّ: “ما تذاكرون، وتبكون عندنا”، لا أمازحكم.. هذا ما قالته بالحرف! ثقافة اللوم تتصدَّر كل المشاهد رغم افتقاد المعرفة التامّة بمسببات الموقف، وأسفي أنها خرجت من قامة حاصلة على شهادة الدكتوراه في تخصصها الذي تنقله لنا، راقبتْ الموقف جيدًا، بقلبي قبل عيني! لم تملك حق رمي هذه الجملة في وجه الطالبة، بينما هيَ الأخرى تغرق بدمعها ورجفتها ومحيط الأنظار اللائمـة والسخرية.

لا أعرفها، ولا أعرف سبب نوبتها تلك، ولكن الذي متأكدة منه أنها كانت فقط تحتاج لمن يُعزّز ثقتها فيما درسته قبل دخولها لهذا الاختبار وأنّها تستطيع بهدوء مواجهة الصعاب التي تشكّلت في رأسها حال استلام الورقة، كانت فقط تحتاج للهدوء والثقة بأنّها تستطيع، لِمَ كان تقديم ذلك لها صعبًا إلى هذه الدرجة من جمهور المراقبة؟!

يتعرَّض الجميع للنوبات باختلاف مسمياتها، بعضنا يستطيع السيطرة عليها داخل جسده ورأسه، وبعضنا تخرج الأعراض رغمًا عنه، يرتعش/ يبكي/ يختنق/ قلق/ ألام جسدية/ الغثيان والقيء/ التعرّق/ الدوار/ الخفقان… إلخ. وهذا بحسب بحث سريع عن أعراض النوبات الواضحة، ولكن في موقف كالاختبارات النهائية، فالأمر يخترق كل المسميات، ولا أعرف طريقةً أفضل من التحفيز على الهدوء بالاحتواء وتعزيز الثقة.

الأمر الآخر، من المعيب الوقوف في وجه المساعدات، خاصةً إن كنت كقائد غير مؤهل للمساعدة، لِمَ تكفّ أغصان المساعدة إذًا؟ 

يبررنَ رفض مساعدة معارفها لها بأنهن طالبات وبنبرةٍ حادّة: “كلٍ في ورقته”! والحال أن دعم من تعرفه حقّ المعرفة أكثر فائدة من مجموعة المراقبة! بل بشكلٍ عام في كل جوانب الحياة، يد واحدة تألفها وتُطبطب عليك، أخير من ألف يدٍ لا تألفها، فالتنازل قليلًا ما دام المنطق لا يرفضه لا يُفسد للمصالح العامة أي قضيّة.

خلّني بالحلم عايش!

كان من المفترض أن أُعيد حبر النُقطة وأُكمل المسير، بذاتِ خفّة الخاطر وبفراغ الفؤاد عند النظرة الأولى

ماذا لو أنّي رحلت بكل أشيائي؟ هل كُلّ هذا سيحدث؟

لا، كنتُ سأنعم وأسعد لكنني لم أرغب بالرحيل ولم أتوقّف بعد تلك النقطة!

ما مدى السّوء الذي سيَلحق بنا إن رغبنا في إكمال الرّحلة بعد عقبة النهاية؟ 

أشعر وكأن إجبارنا على النهاية هو الذي يصنع في عقولنا بداية ويُؤجج التساؤلات أعلاه في قلوبنا، لكننا نرضى بأجزاء الحلم وبلحظاته السّعيدة الكاذبة ونزدادُ تمسّكًا وتعلّقًا، لا نأبه بعقباتٍ وأشواك ولا بجروحٍ وفراق، يُصبح هذا السّراب سلوى فنمضي ونحنُ نضحك، وإن بكينا، فإننا نذرفُ دمعًا ضاحكًا، غريب كيف بإمكان الإنسان التّشبّث بآخر أنفاس حلمه بكل القوة هذه؟

قفز لعقلي سطر الأُغنية: “ولكن عُذرنا الحاضر، نُراعي الوقتْ والخاطر”، وبخلاف كل شيء أنا عُذري الآن مُراعاة وقتي وخاطري المُتعلِّق بطرفِ حلمٍ مُحال تحقّقه، ولكنني لم أُزعزع جذور قلبي عن دياره رغمًا عن الحقيقة..

فلنعود للواقع..

لا أودّ العودة أبدًا، ولسان الحال: (خلّني بالحلم عايش).

مسرَّاتٌ صغيرة، سعادةٌ كبيرة!

أهلًا يا أصدقاء مُزدَانة في إحدى نشرات الشهر، كيف حالكم؟. . أنعم اليوم بلحظاتٍ هادئة ويسيرة على نفسي، وأحظى بوقتِ راحة بعدما انتهيت من المهام المُتراكِمة، وفي رأسي الكثير من الحكايات لا يَسعني البوح بها إلا هنا، حيث المساحة الافتراضية التي شكّلت بالنسبة لي منزل مُصمّم كما أُحب، وهذه مسرّتي الصّغيرة، فالحمد لله.. عمومًا يُوافق الأسبوع المقبل بداية مرحلة الاختبارات النهائية في الجامعة، ولا أخفي أنِّي مُتحمّسة جدًا لما سأُقدّمه في اختباراتي، وعلى هذا السياق أود مشاركتكم نهجًا اتبعه منذ سنتينِ، وهو أن أُخصّص قائمة تحوي أهدافي قبل بداية كل فصلٍ دراسي، وأكتب فيها هدفٌ كبير أودّ تحقيقه، وتحته أهدافٍ صغيرة متفرّعة لكل مقرر، ومنحنيات تخطيطية لبلوغها، وأضع القائمة نصب عيني طوال الفصل، إنها طريقة فعّالة لاحظت منها أنّي أولًا أتطوّر في مهاراتي وأُجدّد بها لحظات الفتور والكسل والتفريط، وأصبح استقبالي ونظرتي للدراسة بشكلٍ عام أفضل ومليئة بالامتنان، في الواقع وضعت هدفين كبيرين لهذا الفصل: أوّلهما: المحافظة على رتم معدلي العالي في صورته المتصاعدة، والثاني: أن أُخصّص دفترًا خاصًا للمسار الذي أدرسه، وهو المحاسبة، وأُدوّن فيه كل المعلومات والمراجع التي ستُسهّل علي تأسيس نفسي لتحقيق هدفي الأكبر والأعظم: إكمال الدراسات العليا في المسار، وأشرح فيه كل شيء أتعلّمه وينفعني فيه بطريقتي الخاصّة والسليمة، لربما تكون الخطوة هذه متأخرة قليلًا، ولكن أُعوّل على نفسي ثم عليها في تمهيد طريقي وشغفي في المحاسبة كدراسة ومهنة أطمح التخصص فيها، أما فيما يخص أهدافي المتفرعة لكل مقرر والخطة عمومًا فهي ماضية في الطريق السليم الحمد لله.. جربوها إن كنتم تملكون هدفًا كبيرًا في دراستكم.

للقوائم التنظيمية سحرٌ في تحقيق التوفير والاستقرار

هاجَر المطيري

مرّ العالم بنصفِ سنةٍ مُغرية على الصّعيد الاستهلاكي خاصةً، واصطفّ الكثير من الناس على انتظار الديون والمستحقات التي تراكمت بفعل الأيام المليئة بالخصومات والشدّ والجذب الشرائي، الحمد لله أنّي ثبتُ أثناء هذه العاصفة، وكنت خلالها قد استغنيت عن تطبيقات ومواقع التسوق الإلكتروني من أجهزتي، وانشأت للمطبخ قائمة تسوق أُدوّن فيها ما ينقصه من موادٍ غذائية ونحوه، وعندما أخرج لشرائها أخذ معي هذه القائمة، دون المرور على كل رفوف المحال وشراء ما تلمسه يدي، ولا حالات النسيان التي كنت أُصاب بها فأخرج وأعود وأنا لم أشتري الناقص فعلًا، وعند التسوق في نطاق الملابس فإنني أصبحت أنظر أولًا لما تحتويه الخزانات، وشراء ما ينقصها، وهكذا في كافة الأمور الأخرى، وهذا التوفير كان أول سببٍ له هو حذف تطبيقات التسوق الإلكتروني، وانعدم بذلك الرغبة الاستهلاكية الغير مسؤولة والجنونية وغريزة تكديس الأشياء بأنواعها، وبشكلٍ عام، فإن لقوائم التسوق وما يُماثلها سحرٌ في تحقيق الاستقرار المادي والتوفير، جربوها إن كنتم تُعانون من جنون الشراء.

  • ركن القراءة:

من ضيوف مكتبتي الإلكترونية: نسخة صحيح البخاري، وسُبُلًا فِجاجًا لحُذيفة صالح العرفج، قمت بتحميلهما إلى تطبيق (الكتب / iBooks )، وأسعى لشراء النسخ الورقية منهما، وأنصح بـ سُبُلًا فِجَاجًا كرفيقٍ للحظاتِ اليائسة والهادئة أيضًا.

أما في المكتبة الورقية فإنّ ضيفي كتاب: (الروايات العشر) لصاحبه: رائد المقبل، راقت لي لغة الكتاب السلسة والبسيطة في سرد القصص، وكوّنت داخله أوراقٍ صغيرة كعلاماتٍ مرجعية كيلا أُفسد جمالية ما كُتب في صفحاته، أُدوّن فيها ما يجول في رأسي عن القصّة التي قرأتها منه، وأستطيع القول إنه ضيفٌ لطيفٌ بالقراءة، ويجذب انتباهي.. لكنني لم انتهِ منه بعد!

  • مسرَّاتٌ صغيرة، سعادةٌ كبيرة!

تحيط بنا الكثير من الأمور الجانبية الصغيرة جدًا، لكنها تُشكّل فارقًا في أيامنا، وقلوبنا، وإيماننا، وأُفُق تفكيرنا، قد نتأخر في الانتباه لها، وقد لا نُلقي لها بالًا قط، وكثر الاستهزاء بها، والتقليل منها كثيرًا في الآونة الأخيرة، هذا ما لحظته حقيقةً وبشكلٍ يُذهل منطقي، فقلِّة من لم تعد حياتهم طبيعية وعاديّة بمقارنة مستمرة مع حياةٍ أُخرى لا نلمحُ إلا قطرةٍ منها عبر التقاطةٍ قصيرة تزدان بها صفحات العالم الافتراضي، أصبحت تلك الأمور الصّغيرة التي تحتوينا بلُطف الله وعنايته مُحتقَرة، انغمس العالم الحقيقي بالافتراضي كثيرًا، والكل يريد حياةِ الآخر ولو استطاع نهبه لنهبه، فمالنا هكذا؟ فلنتأمل ما نحن به الآن، ما ننام وتستيقظ برفقته، وما نقضي به نهارنا وليلنا، سنجد أننا محاطون بتفاصيلٍ ومسرَّات صغيرة، حتى تلك اللحظة التي تُنهي بها جميع أعمالك وفروضك ومهامك وتستلقِي براحة ضمنها، لحظةٌ لا تُقدّر بثمن.. أيضًا كل ما دونته في هذه المقالة أعتبره من مسرّاتي البسيطة، كما أن كل ما في حياتنا يستحقُ منا لفتةُ تقديرٍ وامتنانٍ وشكر، فلننشغلُ بها.


  • جادّة أفكار – مساحة لنصوصي القصيرة .. حيث أكتبها وأُشاركها:

هناك فتاة تنتظر بجانب سكَّة الحياة، وأخرى تُجدف نحو مستقبل تراه أفضل في الضفة الموازية، وأحدهم يهز ساقيه على كرسي الانتظارِ، وآخر قد ملّ الوهم، وشيخ مسكين لا يعرِف لمنزله طريق، كما إنِّي ألمَحُ الغربة في عين إحداهم، إنها تنظرُ للزمنِ كصورةٍ مُستنكَرة وعادةٍ غير مألوفة.. والكثير من المناظر.. لكنّها في رأسي! اختزنها من الشوارعِ والطرقات، ومن الأوطانِ والشعوب، وبضعُ تدويناتٍ قصيرة ظن أصحابها أن لحظة الانتهاء من قراءتها ذاتها اللحظة التي تنتهي فيها من عقولنا، ولكنني لا أنسى شيئًا، واحتفظ بكل شيء في موطنٍ صغيرٍ جدًا شُيِّد داخل ذاكرتي، وتسترجِعُ الأشياءُ نفسها في لحظةٍ مباغتة واصطدمُ بها رغمًا عني.. لا أعرفُ هل هيَ نقمةٌ أم نعمة.

هاجَر المطيري

إنَّ الأيَّامَ خزائنٌ!

هل بإمكان الأيَّام أن تكون كمِنْدِيلٍ لَطيف الملمس تمسَح به على قلبك فيُضمد جرحك؟ إليك رأيي، إن هذه الحياة تهون إن حَمِلَ همَّها شخصان، وحَمِلَ هذين الشخصين هَمْيِّ بعضيهما، ويدًا بيد مضيا، ونتذكَّر في هذا مشهد الغارِ الذي شَهِدَ على محبّة وتوافق الرسول -صلى الله عليه وسلم- ورفيق دربه الصِّدِّيق أبو بكر -رضي الله عنه-، اللذَيْن حَمِلا همومَ الدعوة والإصلاح وتلبية النداء معًا، وبينما الصِّراع قائمٌ حول الغار، إلا أن داخله مُطمئنًا بطمأنينة ساكنيه، وساكنٌ بترتيلِ الآيات الكريمة، وتربيت الكتف التي يحفظَان بها رباطة جأشهما.

لكمّ مر على رسول الله ورفيقه المتاعِب، ولكن الله منحهما القوة من عنده أولًا ثمّ من بعضيهما، يُروى أنه قال -صلى الله عليه وسلم-: (… ولو كُنتُ متخذًا من أهل الأرض خليلًا لاتخذتَ أبا بكرٍ خليلًا) وفي اللغة العربية يُرمز بالخليلِ بالوَفاءِ والإخلاصِ وحُسنِ الرِّفقة، يا الله! منزلةٌ عظيمة بسلامة سريرتهما، وإعانتهما لبعضهما، وماهيَ إلا مضرب مثلٍ يُشاد به البنانَ في علاقاتنا الاجتماعيةِ الآن، وبخلافِ التصنيفِ إن كانت صداقةٍ أو أُخوَّةٍ أو زوجٍ وزوجة وأُم وطفلها وأب وطفلته، هذه الحياة تُصبح سهلةً متى ما كانَ هناك من تشدّ عضدُك به، أيضًا.. ألم تَقُل لك والدتكَ يومًا صَاحِب الصَّالحين تصطلحُ بهم؟ أعتقد أن جميعنا نُصحنا بهذه النصيحة الثمينة.

ثمّ إن كل تلك التفاصيل التي تمرّ بها مع الشخص الآخر إن كان صديقًا، أو أخًا، أو زوجًا، أو زوجةً، وما إلى ذلك.. تجتمع لتَكبُر، وتكوِّن تلك العقدة السميكة التي يُقال عنها المواقِف، والتي تُحافظ على عدم وصولِ علاقتكما معًا إلى نقطة النهايةِ الحزينة تلك، أيّ الافتراق.. وربما هيَ أيضًا من يُعجِّل بانتهاءِ علاقتكما، الأمر أشبه بأن يكونَ لك وعاءً واسعًا وكلاكما تضعانِ فيه همومكما، حديثكما الذي لن يخرج، وحزمة مشاعركما باطمئنانٍ أنها لن تُهِزّ نظرة أحدكما بالآخر، أيضًا كل تلك الكلمات التي تشدّان من أزركما بها، والوقفاتِ التي تُهوِّنا عن بعضيكما بها، هذه كلها تصنع أيامًا حنونة ودافئة تُصبح كالضماد الذي حال أن تتذكرونها تتنهّدانِ العزيمة والصّبر، والأمل، والتفاؤل، والإصرار.

ولهذا يُمكن للأيّامِ أن تكون كمِنْدِيلٍ لَطيف الملمس تمسَح به على قلبك فيُضمد جرحك، وتقوى خطوتك، وتصلُح نفسك، وإنّ الأيّام التي نقضيها مع شخصٍ آخر نُنزله منزلة الخليل ما هيَ إلا قوى نستهلِك منها ما يزيدنا بصيرة للسيرِ في متاهاتِ الحياة، ثمَّ إن الأيَّام خزائنٌ فانتقِ الذي يملؤها معك كما يُحب الله، ويُعينك على ذلك.

نشرة مُزدَانة الشهرية، صَفَر.. حيث الانهيارات!

أهلًا يا أصدقاء في التدوينة المتأخرة، حيث اليوم الرابع من صَفَر، كنت أمضِ في هذا الشهر برتمٍ هادئ، جدير بالامتنان، أُحقِّق أهدافي تباعًا وفي الوقت الذي حددته، وكثيرٍ من أيام النزهة التي تُزوّدني بالوقودِ للاستمرار قدمًا، كانت بداياته كجوٍ ساكنٍ وغائم في آنٍ واحد، قبل أن تثور في سمائي الرياح العنيفة، وكدت احترق نفسيًا من الضغط من ناحية المنزل والدراسة والعلاقات الاجتماعية والوظيفة والعمل الحر، كان الأمر صعبًا في منتصف الشهر، وقررت الاحتفاظ بالأولويات والابتعاد عن دائرة وسائل التواصل الاجتماعي قليلًا، والاحتفاء بلحظات استرخاء، أعتقد أنني نجحت بهذا كثيرًا وقلّل هذا القرار من تبعات الاحتراق النفسي والحد من تفاقمه، بالإضافة إلى أنني خلال هذه المدة أنهيت الكثير من المهام في مجالي، والتي لمست تطوّري بها واكتشفت نفسي خلالها – وبهذا الصدد أُرتّب خلسةً ملف الأعمال التي أتاحه wordpress كميزة للمشتركين في الباقات المميزة، تستحق استكشافكم لها.

  • شعار الشهر:

مهما بلغت من الهمّة والاحتراف والإتقان والمعرفة والجودة والسرعة وحب العمل الفردي والإخلاص هناك حالات يستوجب عليك طلب المساعدة فيها، وهذا ما آمنت به هذا الشهر حقيقةً، فعندما تفاقمت المشكلات علي طلبت من إحدى الصديقات مساعدتي في أمرٍ ما، وساعدتني مشكورةً وخففت عني ثقلًا كبيرًا، فلا تُناضل في كل جهاتك وحيدًا، شُدَّ ساعدك بمن تثق بهم.

  • خريطة الإنجاز في الشهر:

لم يكن شهري هادئًا، لذلك لم استمر طويلًا في ممارسة الهدف الذي وضعته ولم يأخذ كامل تركيزي، لم أُوبِّخ نفسي على ذلك، بل تصالحت وأجلت العمل عليه شهرًا آخر، وعلى هذا السياق لم أكُن مِمَّن يتساهلون في عدم تحقيق أهدافهم أو متطلباتهم في أمرٍ ما، بل كان الأمر دائمًا محط جدالٍ داخل عقلي والكثير من التساؤلات التي استنزِفُ بها صحتي النفسية، قبل أن أتدرّب على جعل المرونة أول سِمات العلاقة بيني وبين ذاتي، فليسَ كل شيء بإمكاننا إنجازه، ولسنا دائمًا في موضعٍ يسمح لنا بالعمل والإنتاجية، بل ربما الإصرار على الإنتاج وتجاهل الحاجة الذهنية والجسدية والنفسية للراحة واستجماع القوى يجعلك أكثر سوءٍ في السلوك والتفكير، فتوقّف قليلًا، خذ قسطًا من كل ما يؤذيك نفسيًا ولو كنت تحبه، اصنع فجوة تساعدك على الرؤية الواضحة، فليست كل الفجواتِ ضررًا، هذا على صعيد الأهداف الشخصية، ولكن على صعيد الأهداف المهنية فإنني أنجزت الكثير وسأُشاركه معكم فيما بعد.

  • اكتشافات وقراءات الشهر:
  • أحب التنقّل في المدونات العربية خاصةً، وأسعدُ حين اكتشف مدونة تجعلني أُفكِّر، وأندهِش، وأتفكَّر بما بينِ سطورها، ومن اكتشافات المدونات بشهر صَفَر مدونة بشرى قرأت ما يُقارب الـ 70% من محتوى مدونتها، لكنني أجِدُ هذه التدوينة (عن الوعي بالذات ومعرفة النفس) الأكثر قُربًا مني، إذ قرأتها مرتينِ تواليًا لأستوعِب كمّ الفائدةِ فيها، وسِحْرِ اللغة البسيطة وعُمق الفكرة.
  • أحيانًا جُلَّ ما يريد المرء استقباله وتصديقه في كلمةٍ عميقة تجعله يستخرج تذكرة رحلة مع ذاته ومعتقداته وما يجول في خاطره نحوَ توضيحٍ يستكن به ويسعد، وكانت هذه الكلمة برؤيتي مختزلة في أكثر من ساعةٍ في حوارٍ جذّابٍ أدبيٍ عميق الأثر من بود كاست نُقطة بثنائية الشيخ عبد الله العجيري والمحاور محمد البليهد، وحرصت على الاستماعِ إليه في الصباح الباكر قبل أن انغمس في مهام ووجهات اليوم، وأرى أن هذه الخطوة هي ما جعلتني أنصت بجوارحي للحوارات وأتفكَّر، لأنني إنسانٍ نهاري يلقى البركة في صباحاته.
  • أيضًا اختلست ساعتين من مجمل أيامٍ عصيبة في مشاهدة فيلمِ أمومة والذي يحكِي احتراق الأُم مارلو نفسيًا بعد الولادة وصراعات التغيرات الطارئة والصعبة، إلى أن تقرر أخيرًا طلب المساعدة من المربية الليلية تالِّي، رغم أنه مر وقتٍ طويل على يومِ مشاهدتي له إلا أنه بكل تفاصيله وحواراته بقيَ راسخًا في عقلي، وإحدى حواراته العميقة: لن تكوني أُمًا صالحة إن لم تعتني بنفسكِ، الفيلم جدير بالمشاهدة.

آخرًا، وبمناسبة اليوم العالمي للصحة النفسية.. اجعلوا أنفسكم أولًا، لستَ مضطرًا لقبولِ أمرٍ ما لا تُحبّه، ولا تُريده، فتعلَّم كيف تحافظ على صحتك النفسية.

حقيقة منسية – نقد مؤلفات (كيف) المتبوعة بمدة زمنية

قبل أيام توجهت إلى قرطاسية الحي التي تُوفِّر رفوفًا شاهقة بتصنيفاتٍ كثيرة، وجذبتني محادثة شيِّقة بين فتاتين حول جودة المؤلفات المعروضة، وأُصدقكم القول أنني ولأول مرة أمنع نفسي من التدخل في أي حديثٍ ترمي أطرافه إلى الكتب والقراءة والتوصيَات، وفي عُمق تلك المحادثة كانت إحداهنَّ تحاول التأثير في رأيّ الأخرى بكتابٍ ما، وتصر عليها بـ “لا يخدعك عنوانه، لا تشتريه”، وإن تحدثت شخصيًا عن كم الكتب التي خدعتني عناوينها وعن النتيجة المتمثلة في الندم والاستصغار من هذا القرار فلن أنتهي، أعادت الفتاة الكتاب إلى موضعه على الرف بتردد يُشابه ذلك الندم فيّ، وبنظرة خاطفة استطعت تمييز اسمه، وبضحكةِ انتصارٍ من وراءِ الكمامة خرجت، كانت أول كلمة في عنوانه (كيف) وآخره مدة زمنية يُزعم أنها كافية لتحقيق المَنالِ، والمُستفز أنها عشرُ دقائق! كيف يُمكن أن أُصبح/ أنجح/ أُطوِّر/ أُغيِّر في هذه المدة فقط؟ ، وهذا مُختلف كليًا عن الإنجاز بمعناه الحرفي.

في الحقيقة إن الخروج بعنوانٍ لافتٍ ومُغري للاقتناء مهمة صعبة تفوق صعوبة تأليفِ المحتوى، وأنه بذاته قادرًا على تحطيم جميع مميزات المحتوى ودفعه للهاوية، حتى وإن كان ثريًا ومُفيدًا وناجحًا وصانعًا للتغيير، ولإثبات أنني لست الوحيدة التي تُستفز من عنوانٍ أو تنظر بهذه النظرة إلى مؤلفات (كيف) المتبوعة بمدة زمنية سألت زميلةً عن رأيها، فانهمر على تذوقي القرائي الاطمئنان والأمان حينَ أجابت أن تلك العناوين تنتشلُ الأرق من مواطنه وتضعه في رؤوسنا، مُشيرة إلى أنها ضحية كتاب يُعلِّم كيف تُصبح قائدًا مُحترفًا في عشرِ دقائق، وتوجب علي الاحتفال بهذا الوصفِ العميق والحقيقي، لأنني شعرت بذات الشعور حين كنت اقتني مثل هذه المؤلفات، وأغوص في صفحاتها بينما عقلي لا زال مُتوقف عند الغلاف يُحدِّق بوظائفه إلى ذلك العنوان، وبينما أُحفِّز جلبهِ للصفحة الحادية عشر هو هناك يُجدِّف عكس التيار وقد أعياه التعب، إلى أن تحكم اليد قبضتها فتُغلق هذا الكتاب، فلا يظن كاتب هذا العنوان أن القارئ مُستمتع، أنه يُصارع للنجاة.

وفي ذات السِّياق؛ كان هناك ورشة عمل افتراضية تحت أُطر اكتساب العادات والمهارات، وقد أُقيمت بإشرافٍ تام من قِبل رئاسة قسم الأنشطة الصَّيفية، ولا أخفي أنها كانت كالضَّمير الذي يُثير فوضى مُتداخلة مع ذاتك، لشدة ما كان شحذها للهمم مُفرطًا، والمعروف أن كل أمر يزداد عن حدوده، ينقلب ضدنا، لذلك كنت أراها كالعِقاب، تناولت الورشة محاورًا عدة أبرزها: كيف أتعلّم أي مهارة أريدها خلال عشرين ساعةٍ فقط؟ آلمني أن ما أهرب منه بالمكتبات قد انتقل إلى ورش العمل والدورات التدريبية، وتحدٍ جديد لإثبات أن المهارات والعادات وكل ما يَزعمون لا يمكن تحديدها بتوقيتٍ معين، عشر دقائق، عشر ساعاتٍ، واحد وعشرين يومًا، كل هذه التحديدات تخلق ضغط هائل على المُستمع والقارئ والجاد في التعلُّم، وقد تكون منفرة إن لم يكن واعيًا للحد الذي يعرف أن لا شيء منوط بالتوقيت أو عدد الأيام أبدًا، إنما بالالتزام، وهذه الحقيقة المنسية دائمًا من النصائح والمحاضرات، كل شيء يرتبط بشكل أو بآخر برغبة مُلحّة للعمل، وبدون الالتزام لن تنجح بعادة ولا بمهارة ولا بقيادة ولا بأي شيءٍ آخر.

وهنا وجه ثالث للإثبات بمحض تجربةٍ شخصية، عندما أنشأت مدونتي السابقة في العام 2017م، لم أكتب فيها سوى مقالًا واحدًا لا يتجاوز الـ300 حرف، يوجد حب للكتابة والمواضيع والأفكار وميادين التجربة، والأكبر أنه هناك قرار للبدء في التدوين، كل ذلك متوفر بحقيبتي، لكنني فقدت عنصرًا مهمًا ووقودًا حقيقيًا يستظل كل ما سبق تحت قدرته، الالتزام، لم أكن مُلتزمة وجديَّة بشأن المدونة، ولم أُحوِّل كل تلك الأفكار لخدمة المدونة، أيضًا كنت مِمَن يسعون لإدخال التمارين الرياضية لأسلوب حياتهم، وعلى مدار سنتين ونصف، شحذت همتي ورتبت مكاني وتكلّفت بعدتي وصدقت مقولة “21 يوم تكفيك لبناء العادة”، وتدربت وحالما أنهيت الواحد وعشرين يومًا، انتهت معها التمارين الرياضية، وهُجرَ المكان -مع كامل أسفي-، وهنا ألومُ نفسي لأنني لم التزم إلا بعدد تلك الأيام، وأنني فتحت مجالًا لعقلي الباطني أن يُنفذ القرار في هذه المدة فقط، وفي العودة لكل ذلك المحتوى الناقص من أهم مورد، أيقنت أنني أبغضُ كل كيفية تخلو من بند الالتزام، وأن كل ما استهلّ بـ (كيف)، سيُهدم سريعًا، وأننا بدون الالتزام لن نصنع ولن نُنجز ولن نتطوّر ولن نتعلم أبدًا.