مذكرات يومية: الجمعة!

(1)

         الجّمعـة، الثانية والربع ظهرًا، على الأريكةِ البيضاء، أحظى بوقتٍ هادئ بعدما أنهيتُ كافة الأعمال المنزلية، وفي الخلفيّةِ الصوتية: (أنا محمد الحاجّي، وهذ بودكاست آدم من ثمانية). أُتابع الحاجي من سنواتٍ طويلة، وفي أوقاتٍ سابقة كان هو الشّخص الوحيد الذي احتمل الاستماع إليه لأتفكّر وأتدبّر، وفي لحظاتٍ أخرى كنت أتقبّل النصيحة منه فقط وأرفضها من غيره. بخلاف أن تخصصه كان من طموحاتي التي تخلّيت عنها، يتناول في الحلقة هذه الطموحات الخاطئة والتخلِّي عنها، أعتقد أنّ العنوان بذاته يضرب بقعةٍ عميقةٍ داخلي! فأنا بذاتي أعيش طموحًا خاطئًا، ولكني أرفض التخلِّي عنه بأسبابي الخاصّة، يقول محمد: “هذه كلّها تكاليف غارقة، تجعل التخلّي قرارًا صعبًا للغاية، وتجعلنا نستمر حينما تجب علينا المُغادرة”، وفي موضعٍ آخر يقول: “نشعر بحميمية مع قراراتنا”، وهذا ما يُبرّر لي الاستمرار في طريقي، وبما أراه؛ فلم تكن المساوئ المقدرة مجدية للتخلِّي، وربما من الأساس هذا الطموح ليس خاطئًا وأنّ المشكلة في نظرتي أنا ومحيطي. نعم.. هذه مشكلات الإنسان.

          على جانبٍ آخر، أكثر بهجة: صدرت اليوم نتائج الفصل الدراسي النهائية، في الحقيقة كانت سنة صعبة للغاية، ثلاثة فصول بذلت فيها جهدًا مُضاعفًا، وجاء مقابله على قدره، فللعامِ الثاني على التوالي أحجز مقعدًا على مسرح التفوق، فالحمد لله حمدًا كثيرًا، والآن.. في عقلي تتراقص أفكـار (الصملة) التي يتحدّث عنها محمد الحاجي في الحلقة، فهدفي أن أُحافظ على مقعدي، و(أصمل) في آخر فتراتي في الجامعة، اسأل الله التيسير والتوفيق والسداد.

(2)

عندما أعلنت الإجازة فرحًا بها، ظنّ من حولي أنني سأُعوّضهم بوقتٍ أطول نتبادل خلاله الحديث والهموم، وأنه سوف أكون متفرِّغة فجرًا وظهرًا ومغربا، فأصبح الهاتف يُضاء على غير عادته و (الشرهات) لهذا الاختفاء تتزايد، وحمّلني الأقربون عبء التواجد، في الحقيقة منذ ذلك الوقت حتى الآن أود العيش في عزلة، أرغب بتصفية ذهني والتواجد مع نفسي أكثر من التواجد مع من حولي، أودّ التركيز عليْ، ما سأفعله وما أُريده، والتواصل مع عقلي، هذا ما كنتُ أنتظره من الإجازة، وهذا من الأساس نظرتي لمفهوم الإجازة، فما كتبته سابقًا عن لذة ترقب الإجازات: “كنت قد أخذت بجديّة منح نفسي أفضل الهدايا والأوقات، ولم أجد هدية أفضل وأصح من المزيد من الوقت الذي اسمح لنفسي فيه أن تعبث بالروتين كما يحلو لها، دون التزاماتٍ ولا أعمال”، وأُضيف إليها الآن الوقت الذي تعتزل فيه حياتك الاجتماعية قليلًا لتحظى به مع نفسك، ولنفسك، ليس أمرًا شخصيًا، ولن يكون كذلك قط.

تدوينة الصَّباح (1)

          العاشرة صباحًا، مقهى ليفكو المُشع! أُسمّيه كذلك لتميّزه في المدينة بجُدرانه، من لوحاتٍ واقتباسات، والأغصان الخضراء المُنسَدِلة بخجل، وأشعة الشمس التي لا يحجب نورها شيء، حيثُ المكان الذي يُشبهني! اخترته بعنايةٍ فائقة بعدما تجشأتُ أحداثَ شهرٍ بأكمله. ولكن لم أُعطِها حقّها كما ينبغي، مرّت على نفسي الأفكار ولم أجد متسعًا لفلترتها، لم أرغب إلّا بمكانٍ يتّصلُ مع ذاتي المُحبّة للمشاهد الطبيعية المُحفّزة لتأمّلاتي. وهذا يعني أنّكم على موعدٍ مع تدوينةٍ أخرى فوضوية.

          أمامي مباشرةً نافذة مستطيلة الشكل، أستطيع من خلالها ملاحظة البناء قيد الإنشاء، وخوفي على الرّجل الذي يتواجد على سطحه ويوزّع الأعمال مع مجموعةٍ من العاملين، بالمُقابل وباللحظة ذاتها، لا يغيب عن عقلي منظر الحقيبة التي سحبتها من بين أصدقائها لأُعلّقها على حائط غرفتي، بمحاذاة مكتبي، أعرف أن الذي دعاني لفعل هذا شعورًا داخلي: “يجب أن تتخلّصي مِمَّا تشعرين به تجاه هذا الحقيبة، أو تُعالجيه”. الأمر الذي يُثبت أننا نحملُ للأشياء نوعًا من الذكريات والمشاعر. هناك ضيفٌ آخر.. قصيدة! يا لثقلهما على ذاكرتي! كلاهما فيهما من الوجع ما ابتلعتهُ رغمًا عن قدرتي. كتبت في 14 مايو في نفس المكان الذي أجلسُ فيه الآن: (على المقعد الذي أمامي حقيبتي التي اشتريتها تحت وطأة مأساةٍ عاطفية، ربما يُقال عن هذا الفن المرسوم أنّه تجريدي، ولكن كل ما لحقَ بي جعلني أنظرُ إليه كفتاةٍ سحقتها الظروف حتّى أصبحت فاقدة لمهارة التمييز”، وما أعنيه بمهارة التمييز، قدرة المرء على إدارة توجّهاته لما هو أصلح له بالمنطق والعقل، ليسَ وفق عاطفته، فالعاطفة عندها همست لي: “ابقي”، ولكن تعارض البقاء مع الرّحيل جبرني على فقد هذه المهارة، ثمّ عزلني رغمًا عني. والآن أنا في ذات الموقف! ليسَ بالسّبب إنما باثنين من رفقاء السّبب: الحقيبة والقصيدة. فوضعي للحقيبة في أكثر الأماكن قربًا لي نوعًا من المواجهة، فلا لومًا عليّ إن انعزلت رغم وجودي! هذه طريقتي للعلاج يا سادة.

          في هذا الشّهر أيضًا، عرفت ما يُمكن لكذب الأصدقاء فعلهُ، أُنزِلهم أماكنًا مُميّزة، وأُميّزهم بالأوصاف، صُويْحبي ومُهجتي، ضيائي ونُوري، وصُدفتي الجميلة، سقط الضّياء بسببِ كذبةٍ لم يكن لها دافعًا غير: “لا أُريد النزاع”، وما الكذبُ بذاته إلا نزاع لا يُغتفر، وخصامٌ لن تُليّنه مئات الدوافع والاعتذارات، فأنا أعرف الكذب تمرير لعدم أحقيّتي للصدق! والصدق حين أتذكّره أغفر ما لا يُغتفر.

لستُ شخصًا مُنظّمًا إلا بالوقت، التزم بهِ بطريقة تُثير أعصاب كل من يعرفني، أشعر أنّني مُحاسبة على الثانيةِ والدقيقة، بخلاف ذلك فأنا كائن فوضوي في أشيائه، مكتبي شاهدٌ على ذلك، ولكن أُبعثر ثمّ أُنظّم، وإن كانت بعثرتي على حالها لأيّام، فهذا يعني أنني لستُ بخير عاطفيًا. الشّكر لأحداث الشهر العنيفة التي طحنت تنظيمي، فما نهضتُ من حدثٍ إلا وجاءني آخر بصفعته. أدفعُ ثمنًا باهضًا لهذه التكنولوجيا، والسّرعة في تناقل الأخبار واطلاعي على الأحداث رغمًا عني، فحيث تكون، هناك خبرًا يطير من فوقك، ولإنسانيّتك العظيمة لن تجرؤ على منع حطّه عليك، أو تناثره. لم أُصنِّع، ولم أُشارك حتّى في ذلك، لكن وبمجرّد امتلاكي هاتفًا مطوّرًا، ومن ثمّ حسابًا على أي وسيلةٍ اجتماعية، أو بريدًا الكترونيًا، أُعتبَر مُشاركة! بربكم!  لم آتِ بعد إلى تخوّفي من هذا الاتّكاء الكلي للتكنولوجيا في تسيير حيواتنا وأعمالنا وأرزاقنا، الكثير من المخاوف التي لا أفصح عنها بعد!

لا بأس أشعر وكأن هناك ماراثونًا للأحداث والامتعاضات التي جئتُ بها إلى هذه المساحة الشخصيّة، ولكنني أُحب الرّبط بين المشاعر المُماثلة، وهذا ما يُخيفني بشخصيّتي! عمومًا، أنت قارئ مُخلص إن وصلت إلى هذا السّطر، ثمّ ضع في عقلك أن أصعب ما يفعله المدوّن أن يُواجه الزحام في داخله بالاختصار.

11:50 صباحًا، الجزء الأول: تمّ.

السندباد الأعمى

         “فَانْظُر بِعَقْلك إِنَّ الْعينَ كَاذِبَةٌ – واسْمَع بِقلبكَ إِنَّ السَّمعَ خَوّانٌ” التطَّيلي الأعمى

هكذا بدأت الرّواية المنشورة في نهايات العام الميلادي الماضي، لصاحبتها الكويتية بُثينة العيسى. لمْ أُقرّر قراءة الرواية إلا بعدما قرأت خرائط التيه، وفضولًا لمعرفة أسلوب الكاتبة وحبكة خيالاتها ولم اتشبّع حتى هذه اللحظة. استنبطت من الرّوايتين أنّ الكاتبة تُركِّز على الجوانب الاجتماعية، الجرائم والحروب وحيثيات العلاقات، كانَ النّصف الأول من الرواية أخّاذ، وجدتُ أنني عرفت كل شخصيّة كما ينبغي، لم تكشفْ ذلك الكاتبة! ولكن القارئ حينَ ينغمس في قراءته يستطيع رسْم النقاط الدّاكنة فوق أوصاف الكاتب. تتشابه الرّوايتين نوعًا ما، من جريمة خطف الأطفال والمتاجرة بأعضائهم والاعتداء الجنْسي عليهم، إلى وجهٍ آخر من عالم الجريمة، الشّرف والخيانة، بالإضافة إلى الحرب، والوباء. لا أُحب التوصيات كثيرًا، والجزء الأكبر من قراءاتي مؤخرًا قائم على الفضول، إمّا ناحية الكاتب أو الكتاب. بمعنى آخر اقرأ لاكتشفْ، ثم أتعلَّم واستنتج، فأتغذى كما أُحب من هذا البحر، وأعتقد هناك من يوافقني بهذه النظرة. 

          تأتي الرّواية لتدعم وجهة نظري التي لم تتبدّل يومًا بأنّه: يجب أن يبقى الآباء أبطالًا في عقول أبنائهم مهما كلّف الأمر، ثمّ إنّ الطفل الذي يعيش طفولته كما أنه غير مرئي، لا يُسمع له أو يشعر بالودّ، يستمرُ نزاعه مع نفسه حتى الكبر، كما أن بعض الحقائق يجب أن تستمر في قشورها، وألّا نخدشها بتاتًا لأنها سوف تجرحنا لا محالة، فتزيد بؤس اللاتقبّل، وأنّ الخوض فيها ما هو إلا استدعاء لقهرٍ حتميّ، وهُنا تتجلّى فضيلة التغاضي، والمعرفة المحدودة، ثمّ المضي قدمًا. 

          بالأمس، وفي محاضرةٍ دراسية، كان المحاضر يشرح لنا متطلبات الدراسة التي جاءت كتكليف ضمن تكاليف المقرر، في خضم حديثه قال: ((يجب أن تتعلَّمنَ كيف يكون النقد البناء، حقيقي وقائم على مبررات منطقية، سواءً في الأبحاث أو الدراسات أو المراجعات، حتى في الكتب))، جملةً كافية لإعادة تنظيمي، فأعدتُ فتح مسودّة النصوص التي أعمل عليها مؤخرًا، رغبت ارتداء نظارة قارئ، لا كاتب يملك هذا العمل الذي أمامه، رغم أنّه من الطبيعي أن يتحيَّز المرء لنصوصه وأعماله، إلا أن ذلك يحول بينه وبين قدرته على تقمّص دور القارئ -أو هذا ما يحدث معي-، ولكن لا أشعر أنني أكون قارئة محايدة إن كانَ المجهر مسلطًا على ما أكتب. فلذلك يحتاج الكاتب والمدوّن دائمًا لمن يقوم بانتقاده، ليس شخصه إنّما أعماله وما شابه، هذا ما يدفعني في الوقت الرّاهن لإعداد قوائم بمهمة المراجعة لعملي المقبل في الرواية، إلى جانب تشجّعي على تعلّم نقد ما أقوم بقراءته بدلًا من ركنه جانبًا والاكتفاء بجملة يتيمة: “لم يعجبني”، بلا مبررات وتفسيرات. ها نحن ذا، نُضيفُ لونًا جديدًا لنا.

          مخرج؛ في الصّفحة 109 من الرواية: “كانت مثل شخصٍ استيقظ من حياته، ووجد أنّ كل ما يعرفهُ هو محض تزويرٍ لحقيقة لن يعرفها أبدًا”

مجموعات صورية برفقة الرواية، السندباد الأعمى، بثينة العيسى.

أثناء الاختبار النهائي..

السّاعة العاشرة والنصف صباحًا، مبنى المحاضرات الفرعي

بدأ الجميع في تنظيم المقاعد، ثمَّ..

سكون تامْ!

بعد مضي نصف ساعة جاء صوت مرتعد من مكانٍ قريب ليُزعزع طمأنينة كل من في المبنى، ليرتفع بعد ذلك فيتحوَّل إلى بكاءٍ وشهقات تفطر القلب، زميلة تمرّ بنوبةٍ ما يُشخّصها البسطاء من الناس بالخوف والتوتر، وأبرز سماتها بكاء شديد، ولكن لا يحظرني ما الاسم العلمي لها، وقد تكون طبيعية خاصةً في أيّام الاختبارات النهائية للفصل الدراسي.

لا أعرف طريقًا لمُساعدتها، أو بالأصح، لم يُسمح لأي شخص مد يد العون لها وتهدئتها، وبالتالي اتّضح أن المُحَاضِرَات والمراقبات لم يكنّ يملكنّ أي معلومة للتعامل معها ومع ما تمرّ به، وفي الحقيقة لا يُطلب منهنّ إجادة التعامل مع هكذا مواقف، بل الذي أطالب به أن يكون هناك لجنة -وهذا الذي أعلن عنه التعليم الجامعي مؤخرًا- مؤهلة للتعامل مع الحالات النفسية والنوبات والاسعافات الأوليّة وكل ما يستدعي تدخل سريع، ولكن أعتقد أن هذا الإعلان بقيَ في رف الإعلانات ولم يشغل حيز التنفيذ، مع الأسف.

لم يستفزّني كل ما سبق، الغضب كلّه تكدّس بعدما قالت أستاذة منهنّ: “ما تذاكرون، وتبكون عندنا”، لا أمازحكم.. هذا ما قالته بالحرف! ثقافة اللوم تتصدَّر كل المشاهد رغم افتقاد المعرفة التامّة بمسببات الموقف، وأسفي أنها خرجت من قامة حاصلة على شهادة الدكتوراه في تخصصها الذي تنقله لنا، راقبتْ الموقف جيدًا، بقلبي قبل عيني! لم تملك حق رمي هذه الجملة في وجه الطالبة، بينما هيَ الأخرى تغرق بدمعها ورجفتها ومحيط الأنظار اللائمـة والسخرية.

لا أعرفها، ولا أعرف سبب نوبتها تلك، ولكن الذي متأكدة منه أنها كانت فقط تحتاج لمن يُعزّز ثقتها فيما درسته قبل دخولها لهذا الاختبار وأنّها تستطيع بهدوء مواجهة الصعاب التي تشكّلت في رأسها حال استلام الورقة، كانت فقط تحتاج للهدوء والثقة بأنّها تستطيع، لِمَ كان تقديم ذلك لها صعبًا إلى هذه الدرجة من جمهور المراقبة؟!

يتعرَّض الجميع للنوبات باختلاف مسمياتها، بعضنا يستطيع السيطرة عليها داخل جسده ورأسه، وبعضنا تخرج الأعراض رغمًا عنه، يرتعش/ يبكي/ يختنق/ قلق/ ألام جسدية/ الغثيان والقيء/ التعرّق/ الدوار/ الخفقان… إلخ. وهذا بحسب بحث سريع عن أعراض النوبات الواضحة، ولكن في موقف كالاختبارات النهائية، فالأمر يخترق كل المسميات، ولا أعرف طريقةً أفضل من التحفيز على الهدوء بالاحتواء وتعزيز الثقة.

الأمر الآخر، من المعيب الوقوف في وجه المساعدات، خاصةً إن كنت كقائد غير مؤهل للمساعدة، لِمَ تكفّ أغصان المساعدة إذًا؟ 

يبررنَ رفض مساعدة معارفها لها بأنهن طالبات وبنبرةٍ حادّة: “كلٍ في ورقته”! والحال أن دعم من تعرفه حقّ المعرفة أكثر فائدة من مجموعة المراقبة! بل بشكلٍ عام في كل جوانب الحياة، يد واحدة تألفها وتُطبطب عليك، أخير من ألف يدٍ لا تألفها، فالتنازل قليلًا ما دام المنطق لا يرفضه لا يُفسد للمصالح العامة أي قضيّة.

حيث يُصبح كلٍ في نصابه..

أهلًا وسهلًا، كل عام وأنتم بخير قرّاء مُزدَانة

الحمد لله الذي بلّغنا شهره الكريم ونحنُ بأتمّ الصحة والعافية، وأضاءَ لنا بهجة عيد الفطر السّعيد ونعمه ووافر فضله يُحيطُ بنا.

والآن…

هل تساءلت مرّة كيف تجعل لكل شيء في حياتك نصابه الذي يستحقه أو مكانه المناسب؟

إن الحديث عن هذا السياق متشعّب ومترامي الظنون والأحكام -وقد أفشل في حصره-، ولكن نتفق أن الحياة تمضي باستقرار بعد إذن الله جل علاه حالما تمتلك مهارة إدارة التقديرات التي تُعطيها للأشياء وللأشخاص وللعادات وللممارسات في يومك، وموقنة بأن حصول اليوم على أكبر نسبة من الاستقرار -لاسيما في الأوضاع المتذبذبة الحالية- يُعطيك الاستقرار الأمثل للحياةِ كاملةً، أي استقرار الانفعالات والدوافع والمشاعر والنفس في الطوارئ، كتبت مرة أن التزامك بنفسك وسلوكياتك في مواجهة العقبات البسيطة، يُغذّي الروح المؤمنة في داخلك إن اصطدمت بالعقبات الكبيرة الفارقة.

وبعد محاولات جزلة في تحسين هذا الأمر على الصعيد الشخصي، فإنني اليوم أجد رغيفًا من الاستقرار إزاء هذه النظرة، تعلّمت خلالها أن المكانة شيء رائع إن أُعطي بدقّة، وعلى جانب العلاقات -وبمناسبة أنني للتو أخرجتُ نفسي من علاقةٍ فاشلة-، كنتُ أضعها في منزلةٍ واسعة في شخصيتي حتى أنني منحتُ لها وقتًا كافيًا لتنضج على مهل، ووقتًا أكثر لترتكز في حياتي، ولم ألقَ جزاءً، كانت سامة بالفعل، وكتبت الكثير في المدونة تحت وطأة سمومها، ولكن الآن.. وعندما وضعت نفسي في نصابها المستحق، والطرف الآخر كذلك، فإنني لستُ نادمة، ولن أُمهّد طريقًا لتعود هذه العلاقة إلى سابق عهدها -بل سأدفن كل الطرق- حتى أتجاوز، وباعتبار أن الحديث عن الشيء يجعلك تتجاوزه بخلاف المروج له أنه يعني أن الأمر لم ينتهِ بعد، فأنا أقول إن الكلام أحد قواعد بناء التجاوز والتخطّي، وبعدما كتبت وتكلمت لمدة تقدّر بأربعة أشهر، بات كلامي عونًا لي في جعل النقطة سهلة الرسم بعدما كانت صعبة، وأن كل تخلّي في مقابل كسب نفسي، لن أعدّه خسارةً، بل أرباح.

أما في جانب العادات؛ فإنني أعطيتُ عدد من عاداتي نصابها المستحق سواءً كانت بالأهمية أو المهم أو عديم الأهمية، وتنازلت عمّا لا نفع منه، ووضعت مكانه ما سيجعلني أفضل وأكثر هدوء، جلساتي الطويلة مع ذاتي ومحاوراتي المستمرة للأمور في يومي، جعلتني أكثر اتزان، وأكثر جودة في مواجهة العقبات، وعليه فإنني أقيس النظرة لكثيرٍ من الجوانب، وتأكدت أن تطبيق حسن التقدير بصورته الجيدة ستُعالج الكثير من المقلقات والمشتتات العاطفية والجسدية والذهنية، الأمر ليس تنظيريًا، إنما أحد أساليب الحياة التي سعيت لها، أن ترى نفسك منضبطًا جميل، ويُعزز الثقة بالنفس والجهد. وحيث يُصبح كلٍ في نصابه تتحقق الأهداف الحياتية بإذن الله، يُصبح الإنسان قادرًا على التمييز بين مستهلكات طاقته، ويحدد أيٍ له منها ثمرة، أن يكون للإنسان أولويات موضوعة بعنايةٍ فائقة أحد أهم المسير النافع، وما ذكر أعلاه أمثلة تُدغدغ فؤاد المرء، ولكنّها كانت أولوية تركيزي في بناء الأماكن المستحقة.

فهلّا اقتنع البعض أن أسلوب الحياة حقيقة وليست مجرد حداثة دخيلة لا نفع منها؟

ثقب في رداء الطمأنينة!

لستُ مميزة، أنا فقط أحاول أن أكون إنسانة تعرف كيف تُثبّت قدميها عندما تتداعى الأشياء من حولها، وتبتسم وتتلطف القول عندما يتحد كل شيء لإحزانها، أحاول أن أكون ذات قيمٍ سليمة ومبادئ واضحة.. ببساطة، أود أن أمارس بشريتي كشخص بسيط جدًا يملك موقفه وكامل تصرفه بقراراته وأحقيته بالبكاء وإبداء الضعف كسائر البشر..

أود الإحساس بصدق الاكتراث لأمري، لا أعرف سببًا منطقيًا لكل هذا التكذيب الذي أُواجه به كل ما يدور حولي، الذي أعرفه أنّي أُعاني أيامًا متذبذبة! أود الرحيل، ولكن أريد البقاء بذات الشدّة، أرغب بوضع النقطة التي لا يكون بعدها التفاتة، ولكن يبدو قلمي عاجزًا عنها كثيرًا، أبكي كل تلك الفرص التي تهرب من يدّي، وتلك التي أرفضها مجبرة، ربما في ذلك خيرة، ولكن أرغب في الدخول لمضمارها بكل أسلحتي! أعرف أنه يجب أن اتّبع مصالحي، الذي يؤلم وتتردد لأجله خطوتي أن المستقبل لم يعد شيء يخصّني وحدي وكل تلك المصالح هناك من سيدفع ثمنها معي.. يا الله!

أيضًا؛ يخنقني الاحساس بقرب انتهاء شيء أُحبّه جدًا وتلاشيه رويدًا رويدًا من بين إدراكي، شعرت بثقل التواصل ذاك الذي بدأ يُخيّم بيني وبين أحدهم العزيز، أصبحت قابعة تحت غيمةٍ سوداء تُهطل الوداع قطرة قطرة، شعـر قلبي بذلك، قلبي الذي لطالما وضعته جانبًا في كثيرٍ من المواقف.. ولكن ماذا أفعل بعقلي؟ بدأت أرى جدار النهاية ببصيرته، كيف أُكذِّبه؟

بحرٌ من اللَّايقين!

يتبادر إلى ذهنك الكثير من اللحظات التي ترتطم فيها مع ذاتك في مفترق الطرق التي تسلكها، لعلّ أسوءها أن تتجمّد في مكانك عندما تتزعزع طمأنينتك في أنّ حقيقة ركضك المستمر شيء في نفسك تودّ التخلّص منه، وليس حبًّا وشغفًا وأملًا كما تدّعي، تتخبّط اتجاهاتك لاهثًا وراء بادرة نهايته، فجأة تشعر بالظّلام وأنت قابع في ذروة النُّور، تودّ أن تجثو على همّتك، ليس استسلامًا إنّما للملمة الشّتات، حتّى وصل بكَ الحال بأنك لا تعلم حقيقة شجاعتك، تتساءل: ماذا لو توقّفت وملأت النّبع الذي يجعلني قادرًا على إكمال سيري، هل سأبقى راغبًا في الوصول إلى تلك الوجهة حقًّا؟ يا الله، هذه الشكوك التي تغزو الآمن مُرهقة، ولم يعد يُسكتها إغماض العينين، هل لو رطمت رأسك ستصمُت يا ترى؟ لا أعلم.. لكنّك ستكون تحت وطأتها بشكلٍ مؤلم، ولا ترغب في أن تُسْقِط قلبك في أرضها، شيء في داخلك يدفعك للأمام رُغم الأرض المُلغّمة، وهذه كفّك! تتأمّلها ولا تُريد لأحد فهم ماهية رجفتها ويشعر بيُتمها، ربما حالة تجاوزت الطبيعي في الكبرياء، أيضًا كل هذه الأرقام في هاتفك لم تُجيب، وكل الأماكن التي لطالما تغزّلت بالأُلفة على سورها أصبحت مُوحشة، اندثار السّلام إلى هذا الحد مؤلم والرغبة المفرطة في العودة إلى كونك غريب عن نفسك وعمَّن حولك تتعاظم، ولا تستطيع التخلّي عن كون كتفك عكّازًا لمن حولك، ولكن ترغب بكتفٍ ما لبضع الثّواني.

أحيانًا تشعر كما الصّندوق؛ مُمتلئ، يستنجد عدم إرهاقه بالمزيد! لكن لا أحد يشعر بما يُحاول حكايته، وأحيانًا تشعر أنّك تزوّدت بما تيسّر في الحياة ونسيت شيئًا باستطاعته انتشال كل هذه الغربة منك، نسيتَ من بإمكانه بلا كللٍ ولا ملل الحديث معك النهارَ بطولِه والليلَ بسكونه، عمَّن يزرع في قلبك روحه ويضمد بها الوحشة، وحال احتياجُك إليه يُخرجها ويلفُّ بها روحك، لا أن يذهب بها ويُعمِّق الاحتياج، أردتَ من يعرفك عندما يجهلك الجميع، ويشدّ هذه التجاعيد إن بانَ ضيمها، من يفهم عتبك تقرّبًا، واستراحتك تجعلهُ أكثر ما يجذبهُ إليك، تحتاج لمن يفهم حقيقتك! بل تحتاج لمن يُضيئ الحقيقة وسط كل هذا التكدّس للزيفِ والشّكوكِ واللّايقين في أيامك، أن يكون جهتك الخامسة التي تهرب إليها عندما تتداعى جهاتك الأربع، وكل الذي ترى نفسك بعينهِ من خلاله!

أيّام تتزعزع فيها وتترنّح على خيوطٍ من الأسئلة التي تبتغي إيجاد أجوبةً لها، لكنّ الجميع يُصرّ على دفعك لحفرٍ مليئة بالألغاز والتساؤلات والحيرة، ناضلت حتى بت طريحًا وهم يشهدون على كل شيء! وبين يديهم كل ما بوسعه إطفاء كل هذا الغضب والقلق، لكن لم يرغبوا تقديمه إليك.

خلّني بالحلم عايش!

كان من المفترض أن أُعيد حبر النُقطة وأُكمل المسير، بذاتِ خفّة الخاطر وبفراغ الفؤاد عند النظرة الأولى

ماذا لو أنّي رحلت بكل أشيائي؟ هل كُلّ هذا سيحدث؟

لا، كنتُ سأنعم وأسعد لكنني لم أرغب بالرحيل ولم أتوقّف بعد تلك النقطة!

ما مدى السّوء الذي سيَلحق بنا إن رغبنا في إكمال الرّحلة بعد عقبة النهاية؟ 

أشعر وكأن إجبارنا على النهاية هو الذي يصنع في عقولنا بداية ويُؤجج التساؤلات أعلاه في قلوبنا، لكننا نرضى بأجزاء الحلم وبلحظاته السّعيدة الكاذبة ونزدادُ تمسّكًا وتعلّقًا، لا نأبه بعقباتٍ وأشواك ولا بجروحٍ وفراق، يُصبح هذا السّراب سلوى فنمضي ونحنُ نضحك، وإن بكينا، فإننا نذرفُ دمعًا ضاحكًا، غريب كيف بإمكان الإنسان التّشبّث بآخر أنفاس حلمه بكل القوة هذه؟

قفز لعقلي سطر الأُغنية: “ولكن عُذرنا الحاضر، نُراعي الوقتْ والخاطر”، وبخلاف كل شيء أنا عُذري الآن مُراعاة وقتي وخاطري المُتعلِّق بطرفِ حلمٍ مُحال تحقّقه، ولكنني لم أُزعزع جذور قلبي عن دياره رغمًا عن الحقيقة..

فلنعود للواقع..

لا أودّ العودة أبدًا، ولسان الحال: (خلّني بالحلم عايش).

مذكَّرة كورونا (2)

(5)

اليوم الخامس، السّاعة السابعة والنصف صباحًا، أعتقد أنّ أفضل شيء فعلته أثناء العزل أنني لم أفقد نومي الصحي في الليل، صحيح أنَّي سهرت ليلتين ماضيتين، ولكن علاقتي مع نظام السهر متوتّر، فلا أنا أُحبّه ولا هو يُحبّني، أنا الفتاة البارّة بالنهار! عمومًا؛ لم أُبارح سريري، أُواجه ضيق تنفّس فضيع، أشعر وكأنني سأفقد نفسي في أيّ لحظة، وتلك الوخزة التي أشعر بها في حلقي لا زالت مستمرّة، هذا يعني أن الوباء لا زال يُعارك جهازي التنفسي، يستوجب عليّ أن أنهض وأشرب عصيرًا طازجًا، وأتناول أدويتي التي لم آخذها طيلة الأمس، ولا تُخبروا والدتي بهذا الأمر.. لكن لن أنهض الآن، سأنام!

السّاعة الحادية عشر صباحًا، أخيرًا رأيتُ نفسي في المرآة وفي يدّي كوبًا من القهوة، نعم؛ لا أستطيع أن ابدأ بلا قهوة، أجّلت كأس العصير لما بعد الغداء. الآن؛ أُفكّر أن أقوم بمسؤوليات المنزل المُتراكمة، أحتاج للحركة، أحيانًا يُعطيكَ جسدك رسالة أنه يودّ الاستلقاء طويلًا، هذه الحالة بتُ أرفضها بعد الإصابة، أعرف أنه عندما أُعطي هذه الحالة القبول سأتعب، وسأبقى كل الوقت تحت وطأتها واستسلم لانهزام المناعة، الحركة تُفيدني وتُبقيني بخير.

السّاعة الثانية بعد الظهر، منذ سنتين تقريبًا لم أعد أعترف بالقيلولة خلال فترة النّهار، وتأقلمت مع انعدامها، بل أُصبح نشيطة بدونها، وما الذي أفعله في هذه السّاعة؟ أكتب، أقرأ، وأُكمل واجباتي الدراسية، والمهام العملية، هكذا إلى أن يُنادى على صلاة العصر، فترة القهوة العربيّة والعائلة، لكن الآن، حيث لا عائلة ألتفُّ حولها، أقضي وقتي في متابعة الوثائقيات والمدونات البصريّة.

السّاعة الخامسة، تلقّيتُ عناقًا بشكل جميل، بكوبِ قهوةٍ وحلوى لذيذة، ومن ثمّ مكالمة تطمئن على وصول القهوة بسلام، تصرف ابهجني جدًا، أتمنّى ألا يُحرم الأحباب والأصدقاء من لذّة اللقاء بلا قيودٍ ولا أوبئة ولا موانع، أتمنّى في هذه اللحظة أن ألتقي بأصدقائي، اشتقت لأوقاتي معهم، أُهاتفهم كل يوم، ولكن أُريد لمس أيديهم والنظر لعيونهم واحتضانهم.

السّاعة الثامنة مساءً، أنهيت مهام المنزل وأطفأت كافة أضواءه، يبدو أنّه لم تعد تُخيفني العتمة، أشعلت شمعة واستضفت رواية لا تقولي أنّكِ خائفة، الآن أيضًا سأقرأ حتّى أنام.

(6)

السّاعة التاسعة صباحًا، مُتعبة واشتهي البكاء ولا قوّة لدي للنهوض ومُجابهة الحياة، ذراعي تؤلمني، وآلام صدري أفسدت نومي، أودّ الاتصال على أحد، لكن لا أملك رقمًا واحدًا أستطيع الاتصال به هذه الدقيقة بلا تبريراتٍ أو قيود، حتى من أضعه بمنزلةٍ مُختلفة عن الجميع لم أستطع الاتّصال به ورمي ألمي عنده، مُتعبة جدًا.

السّاعة العاشرة وأربعين دقيقة، لا زلت أتألم وفي عقلي تتصارع حكاية الشّاب الذي لم يعرف أحد بموته داخل منزله الصّغير إلا بعد عشرة أيام، من سيعلم بشأني في هذه الشّقّة الصغيرة الباردة؟ توقّفي هاجر، يجب أن لا تتركي نفسكِ للأفكار السّيئة، انهضي!

السّاعة الواحدة ظهرًا، أشرب الماء الدافئ مع قطع ليمون، يجب ألّا تتمكّن مني الأعراض، أعلم أنّ أول عقبة يُواجها المريض أفكاره السلبية وإن فاز عليها فإنه لن يضرّه شيء بعد أمر الله، وموقنة أن جسدي يحتاج مني هذه القوة النفسيّة، لذلك أنا قوية.. حتى الآن!

وبعد.. تناولت وجبة غداءٍ لذيذة، أُحبّ الأرز بالخضار، أشعر وكأن معدتي تبتسم! الحمد لله. أيضًا لم أشرب القهوة اليوم عندما استيقظت، استبدلتها بمشروباتٍ صحيّة، ولكن الآن انهزمت! هذه القهوة أمامي! أسرق النّظر إليها بكل الحُب، شكرًا لله على وجود القهوة.

هل تعلمون أنني مؤخرًا أصبحت أكتب بشكلٍ يومي؟ لا أنشر نصفها بالتأكيد، بل أضعها مسودّة، ولكنني أكتب، أكتب بنهم، وما أقلق منه أن تتلاشى الكتابة اليوميّة عندما أنتهي من الإجازة الصحيّة وأعود لساحة العمل والدراسة والمسؤوليات.

لا زالت ذراعي تؤلمني ولا أعرف السبب رغم استهلاكي لمُسكِّنٍ مؤقت لآلام المفاصل والعضلات، وأُتابع بعض التدوينات البصرية لمدونون من ايطاليا، أُحب ايطاليا، تاريخها ومطبخها وجودة الحياة لديهم، أُحب متنزهاتها وأماكنها القديمة، اندهش بها.. وبجانبي دفتر صغير أُمسك فيه كل فكرة تُحلِّق في فلكي، هكذا أقضي النهار.

السّاعة العاشرة والربع مساءً، في هذه الساعة تبدأ طاقتي بالتلاشي شيئًا فشيئًا، أقضيها غالبًا بالقراءة، لكنّ خُطّتي هذه الليلة مُختلفة، طلبت عشاءي من المطعم الذي أُحبّه وسأتابع مسلسل تاريخي، أعتقد أن هذا أفضل ما سأُهديه لنفسي بعد الآلام التنفّسية التي تحمّلتها طيلة فترة النهار.

مذكَّرة كورونا (1)

لم تخرج نتيجة اختبار الفحص سريعًا، وددتُ أن يكون هناك خطأ ما، ليس لأنني أخشى الجائحة، إنّما لأنني قبل الاختبار بيومٍ واحدٍ فقط خرجت للتنزّه خارج المنزل، اختلطتُ بالكثير، وتعاملت مع كثيرٍ من البائعين، وشربت قهوتي المُفضَّلة في المقهى الذي أُحبّه، ابتسمت لجميع من اصطدم بكتفي، وكتبتُ على منديلٍ أثناء الانتظار، ولم آخذه معي، تركته على الطاولة. لم يُراودني شك أنني أحمل الوباء، لا أشتكِ من أيّ أعراض، بخلاف الصداع الذي لازمني خلال الأسبوع، وبالنسبة لفتاة تقضي معظم أوقات يومها بين شاشة الحاسوب والأوراق والدفاتر، لم آخذه على أنه عرض جدّي للوباء، وهذا والله الذي أنا آسفة عليه، وربّما تكون هذه النقطة الوحيدة التي تُحزنني من كل الأمر، وعندما خرجت النتيجة إيجابية وثبتت إصابتي بوباء كورونا، حزنت لأجلهم أكثر وتمنيت ألّا يكون هُناك من تأذّى! وشاركت من استطعت الوصول إليه نتيجة الاختبار لتبرئة الذمّة.

(1)

الجُمعة، السّاعة الآن الواحدة بعد منتصف الليل، بدأت أول ليالي العزل.. ليلة باردة ضيفيها الصّداع الحاد وآلام الصّدر، لطالما أهديت نفسي ليال وساعات وحيدة أقضيها بينَ هواياتي المُفضّلة، ولكنني تثاقلت هذه الليلة لأنني أقضيها وما بعدها وحيدة مُجبرةً على ذلك، وأعتقد أنّ القوّة في الإنسان تظهر عندما يُجبر على الاعتناء بنفسه وبطعامه وشربه وكل ما يتعلّق به في حال التعب والإرهاق، وفي هذه الليلة تمنّيت أن أكون بجوار والدتي، التي تصنع ألذ حساء دافئ في العالم، وكأس ليمونٍ طازج، وتنهيه بأطرافٍ تمسح برفق على رأسي المُتعَب، أعتقد أيضًا أن قيمة العائلة والأصدقاء والأحباب وزملاء السّكن تظهر عندما يمرض الإنسان، وفي قلبي أؤمن أنه لا يُمكن أن يغتني الإنسان عن الآخرين والاكتفاء بالله وحده بلا شك، لكنّ ربما تستطيع أن تحتوي حزنك وحيدًا، ومرضك وحيدًا، وفرحك وحيدًا، لربما تفعل كل شيء لنفسكَ وحيدًا، لكنّك لن تُصبح كذلك على الدّوام، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم عن رواية ابن النّعمان بن بشير: أنه قال: (مثل المؤمنين في توادِّهم وتراحُمهم وتعاطُفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تدَاعى له سائر الجسدِ بالسَّهرِ والحُمَّى)، ومن ذلك نفهم قيمة النّاس للنّاس، وعلى سياق ذلك اتأمّل هبة الله لأجسادنا، الذي جعل العلامات الحيوية والاستطاعة الجسديّة تتعاضد مع الصّحة النفسية، وكيف يُعطي الإنسان العطف على نفسه حينَ يكون شاهدًا على ما يحدث داخل جسده وبين أجهزته وأعضائه، الآن أشعر بمُجاهدة جهازي التنفّسي للوباء الذي يخرج على هيئة ألم، وأُحاول ألّا تسقط عزيمة جسدي ولا حالتي النفسية المستقرّة، رُغم أن سائر جسدي تداعَى لهذه المناعة بالسَّهرِ والحُمَّى، ولكنها خفيفة، وأسعى إلى أن تبقى خفيفة.

لا زلنا في اليوم الأوّل، عند السّاعة الرابعة عصرًا، في غُرفةٍ واسعة أقضي فيها معظم وقتي، مُسلّحة بكل مسبّبات الأُلفة في العزل المنزلي، شاشة تلفاز كبيرة، ومكتبة صغيرة، وطاولة مليئة بكل الأدويةِ والمُسكّنات بجانب السّرير، علبة ماء كبيرة، الألوان والدّفاتر، بالإضافة إلى مرآة كبيرة اختلس النظر فيها بين الفينة والأخرى لأُحفِّز ذاتي، وخزانة ملابس أتأنَّقُ منها، وحُمرةٍ وكُحلة أتجمَّلُ بها حتى لا أستسلم، نعم هكذا تتحمَّل الأنثى آلامها الجسدية والنفسية والصحيّة، لذلك قويّات، هُناك أيضًا جلسة أرضيّة أهرب إليها مع ابريقٍ من الشّاي، قرأتُ رسائل الشُّعراء إلى حبيباتهم، والتّعريفات الشهيرة للحب، وتابعت الوثائقيات البسيطة عن المودّة بين الناس.

وفي اليوم الأوّل، تحمّلت الكثير من الألم لأبقى مستيقظة طوال النّهار، لأخذ كفايتي من الشّمس والنور، في اليوم الأوّل كرهت العتمة كثيرًا، وعندما أنهيتُ فروضي الشرعية وهاتفتُ والدتي، نمت!

(2)

السّبت، الساعة الواحدة ظهرًا، لا زلت على السّرير، مُستيقظة مذ العاشرة صباحًا، لكنني لم أقوى النهوض، صدح نداء الأذان، وجاءتني الطاقة الجسدية بعدما لبّيته، مررتُ بالمنزل كله، بغرفهِ وممرّاته، أغلقت جميع الإضاءات، وشرعت كل النوافذ، تحسّست الشّمس الباسمة على أركانه، صنعتُ قهوتي وكتبت ورقة لمشاعر اليوم، قفز إلى ذاكرتي نقاش كان قد دار بيني وبين صديقةٍ لي عن الاستقرار وحيدة بمنزلٍ صغير والخروج منه إلى العمل، وفي نهاية اليوم نعود إليه وننام بتعب، لوحدنا فقط، كنت أُمجِّد لها هذا النوع من الاستقرار، اليوم، وفي هذه الأثناء بالتحديد، أعيش شكل سيئ من أشكال الاستقرار التي كنتُ أُمجّدها، في منزلٍ صغير، أقطن وحيدة، بلا أي شخص، ولا أستطيع الخروج منه أبدًا لتداعيات العزل المنزلي، كالصّفعة: كيف لم أنتبه إلى هذا.

السّاعة الثانية ظهرًا، كتبتُ رسالة إلى أحدهم، وصفتُ فيها أحلامي والأُمنيات الكبيرة، لطالما أحببت كتابة الرسائل على الهدايا وفي داخل الكتب التي أُعيرها، كتبت رسائل الفرح، والحُب، والعتاب، والحُزن، داويتُ كل ما أشعر به عن طريق الكتابة على أوراقٍ صغيرة ومناديلٍ ضائعة، شعرتُ اليوم أنني بحاجة الكتابة بشكلٍ عاجل، وأعطيت كل شعورٍ زاحم قلبي حقّه من مفرداتي، لذلك كانت ظهرية حانية، والرّائع أن هناك هدنة مؤقتة أُقيمت بين أعراض الوباء وبين جسدي، مرحى!

السّاعة التاسعة ليلًا، بدأ الصّداع يدق أبواب رأسي، وآلام الجسد تسحبني للاستلقاء، وخضعت لذلك، لم يعد هُناك ما انتظره لليوم أو ما أُريد فعله، سأقرأ إلى أن أنام.

(3)

الأحد، السّاعة العاشرة صباحًا، لستُ مُتعبة، ولكنني لا أودّ النهوض من السّرير، حتّى أنني نهضت لأضع هاتفي على الشّاحن ومن ثمّ عُدتُ للسرير مباشرةً، أيضًا في البارحة لم أنام عند التاسعة، بل سهرتُ حتى الفجر، كنتُ طوال الليل أتبادل أطراف الحديث مع شخصٍ عزيز عبر الهاتف، بقيَ معي حتّى اطمأن أنني نمت، كنتُ قد قلتُ له أنني أخافُ الوحدة وأني مُتعبة من رأسي، وسهر معي لأكثرِ من خمس ساعات، همسنا لبعضينا الكثير من مُفردات الطمأنينة التي يُمكن للإنسان الشّعور بها من خلال إنسانٍ آخر.

عندما استيقظت لم يقفز لذاكرتي إلّا ما قُلناه في تلك المكالمة الطويلة، بقيت معزولة عن الدّنيا للحظات، قبل أن يعود ألم رأسي مجددًا، نهضت أجرّ معي طاقتي، وكعادتي؛ أنطلق للحياة بكوبِ قهوة.

السّاعة الثانية ظهرًا، نظرتُ نظرة سريعة لغُرفتي التي أقضي فيها كل فترة العزل بعد الإصابة، فكّرت: ماذا لو نقلتُ هذه الطاولة إلى هذه الجهة، وأزحتُ السرير إلى هذه الجهة؟ جاءتني رغبة مفرطة ومُلحّة بتغيير شكل المكان وتجديد هويّته قليلًا، وهذا بالفعل ما قمت به، فبعد أربع ساعاتٍ، خرجتُ من الغرفة وعدتُ إليها بطاقةٍ معنوية جديدة، كل شيء يحتفظ بروحهِ الجميلة التي أُحبّها، ولكن الذي تغيّر فقط المكان، أُحبُّ الشّمس كثيرًا، ولو بوسعي وضع كل شيء في الغرفة في وجهِ الشّمس لوضعته.

السّاعة الحادية عشر ليلًا، جئت للسّرير بعدما وضّبت المطبخ والخزائن، بدأ رأسي يؤلمني ويضيق التنفس لديّ، لا أُعاني من أي عارض صحّي مُصاحب للمرض باستثنائهما، ارتديت معطف أُحبّه من أحدهم، وأشعر في هذه اللحظة أن أثمن ما قد يضعه شخص عند أحبائه شيءٌ من ملابسه ورائحته عطره، ولذلك أُفضِّل الهدايا التي تكون قابلة للارتداء والاستخدام الطويل، بالإضافة إلى العطور والكتب.

الآن.. أظنني سأنام!

(4)

السّاعة الثامنة صباحًا، باكرًا كثيرًا بالنّسبةِ لفتاة تعتزل صحيًا ولا تمتلك أي نشاط من الأنشطة التي كانت تنهض لأجلها هذه السّاعة، لكن رأسي ثقيل، يؤلمني كثيرًا، وفي صدري دقّت أجراس الحرب، آلام الوباء بدأت تضغط عليّ، حتّى أنها تُفسد نومي! للحظات أشعر وكأن هناك من يُدخل سكاكينه داخل صدري ويُخرجها بكل قوّته، الماء يُخفِّف علي هذه المرحلة، الحمد لله أنّ هناك ماءً وأستطيع شربه.

كنتُ قد وضعت نظامًا في أول ساعة من اليوم واتبعته منذ فترةٍ طويلة، لا وسائل التواصل الاجتماعي، ولا رؤية الأخبار، لكنني اليوم شاهدتُ بثًا مباشرًا للأخبار عبر منصّة تويتر، ريان، الصبي المغربي الذي سقط في البئر وتوفيَ بعدما أسعفوه، كنت مستاءة من تعاطي بعض البشرية وكيف أصبحت مأساته وعائلته عرضة للاحتيال وتصفية الحسابات، وكيف تأذّت الجروح النيام وتراقص الإعلام وسكب الملح سكبًا انتهازًا للحادثة، حزنتُ لأجله بالتأكيد، ولكن كابرتُ ولم أفصح لأحد أنني أكره ما فعله النّاس تحت اسمه الطاهر، ولكنني سقطت بتغريدةٍ واحدة، بكيت! ولك أن تتخيّل أي سوء تقترفه بحق نفسك إن تعرّضت لهذا الجو وأنت للتو نهضت من نومك!

السّاعة العاشرة والربع صباحًا، أتأمّل قهوتي، وأُقلّب صفحات كتاب لا تقولي أنّكِ خائفة، توقّفت عن قراءته منذ وقت طويل حتى أنني نسيت عند أي صفحة سأستأنف القراءة، لدي صفوف دراسية إلكترونية بعد الظهر عزمت على حضورها، طالما كل الذي أحتاجه شاشة حاسوب فلما لا؟ بالواقع أحتاج فعلًا أن أسمع أصواتٍ مُختلفة، اشتقت لاعتزازي بنفسي عندما يفتقدني المحاضر بين الحضور ويطلب منّي التفاعل معه، لذلك سأحضر صفوفي الإلكترونية لهذا اليوم.

السّاعة الرابعة عصرًا، هاتفتني صديقة وشاركتني كل الذي واجهته في الجامعة، ردّدت أنها مشتاقة للقهوة التي نشربها سويًا أثناء ساعات الاستراحة، فرحت كثيرًا بهذه المكالمة، احتجت صدقًا أنّ أرى مكانتي الغائبة عند أحدٍ ما.

السّاعة التاسعة مساءً، بسط الليل برودته، استمعت لبعض الموسيقى والقصَائد بالفصحى، وتابعت مقطعًا مرئيًا عن ثقافة الاعتذار، أصبحت الآن ناضجة أكثر من السّابق بشأن الاعتذار، وأفهم كل الذين يُخطئون ولا يملكون شجاعة الاعتذار الصّريح، هُناك لغات كثيرة للاعتذار، هل تعلمون؟ هناك من يحتضنك عوضًا عن كلمة الأسف، هناك من سيشدّك إليه بفعله، سيصنع لك قهوتك أو يشتريها، سيجلب لك كأس ماء، سيشتري لك صنفًا تحبّه من مطعمك المُفضّل، وسيكتب لك الرسائل ويدسّها في جيبك أو حقيبتك أو داخل كتبك، أو يُثبّتها على الخزانة، وأحيانًا كثيرة يعتذر الشّخص في مكالمة صامتة، حدث سوء فهم بيني وبين إحداهنّ الغالية عندي، كتبت رسالة بخطِّ يدي وأرسلتها مع الورد إليها، الصّادم والمُحزن أنّها لم تُقدِّر ما وضعته من روحي في هذه الرسالة على شكل كلمات مُعتذرة ومُحبّة، ولا أُحب من لا يضع رسائلي في منزلتها المُستحقّة، لذا هذا الذي سأنام على حُزنه الليلة.

ننتظر اليوم الخامس من العزل!