جادّة الإنسانيّة! (1)

هُنا.. المكان الذي أحبّه، الذي شهد أغلب صراعاتي وأسباب فرحي، والذي شاركني المواساة والتهوين بقهوةٍ بديعة، وطعامٍ لذيذ! المكان الذي أُقدّمه دائمًا على أنه صديقي، وأوّل اختياراتي إن رغبت الخروج من المنزل. هُنا.. أجِد لذّة الانعزال، والقراءة، والكتابة وتبادل أطراف الحديث مع شخص عزيز، ذهبت إليهِ اليوم أيضًا، وفي الانتظار رأيت مئات السلوكيات الإنسانيّة بين أفراد طاقمه، واستشعرت كيف يُصبح الإنسان كذلك بكل ما يملكه..

أن يتجاوز كل الضغوط على كاهله ليهديك ابتسامة طاهرة، ومن ثمّ يتخفّف المناداة ويتليّن الأمر، ويمسح بكل الدفء على رأس طفل، ويُجاهد كل المنغصات ليبقى بشوشًا، ويستغلّ الثانية التي يُصبح فيها فارغًا ليربت على كتفِ زميله، جميعهم مُتعَبون، وجميعهم قد لقوا من بعض المارّة تمردًا وتطاولًا، ولكنّ هذا كسب عيشهم، ولهذا جميعهم سندًا لبعضهم، لطالما آلمني قلبي من تعامل بعض الأشخاص مع الموظفين والموظفات في المطاعم أو المقاهي أو المحلات التجارية، وأشهد آلاف النظرات الدامعة والنبرات التي تكتم قهرها بسبب سوء خُلق العملاء والزوّار، وأُحاول ألّا يكون في نظرتي أو نبرة صوتي أو طلبي ما قد يزيد الهمّ عليهم، أُحاول ألّا أتوقف عن تهذيب نفسي إن مررت بهم، كنت أعمل قبل شهور قليلة ماضية في محلٍ تجاري، واصطدمت بكل أنواع الشخصيّات، من يتفهّم ويلتمس العذر، ومن يلقى مُتعته في الشّتيمة والتطاول اللفظي، ومن يدخل ويخرج باسمًا ضحوكًا سمحَ الأخلاق، ومن يهلك المكان بطاقته الغير إنسانيّة، وأُجبرت في أغلب المواقف بل في كلها أن أصمت وأُمرّر كل التجاوزات، مُكرهة والله، لذلك قلبي مع كل الذين يعملون ويكدحون في هذه الأماكن التي يُواجهون فيها كم المتاعب ويصمتون رغمًا عنهم، وكل الذي يُدهشني إن وجدت الطاقم يُحاولون احتواء متاعبهم والتخفيف منها معًا، ومن كل ما رأيته اليوم في المكان تأكدت أن بيئة العمل صحيّة، وأن الذي يقف على رأسهم عطوفًا عليهم وإنسانًا حقًا، وأن العطف والرّحمة والبشاشة ضروريّات العصر، فكفّ عنهم الأذى أرجوك.

مقهى نقوة
لحظة كتابة هذه التدوينة، مقهى نقوة

حقوق الصورة البارزة للمقالة: https://unsplash.com/@pawel_czerwinski

مذكرات أسبوع متوتِّر!

       تخاصمت مع صديقٍ لي خصامٌ تافه، تدافع كل ما في قلبها نحوي بعنف واصطدم بتصبُّري، كنت قد وعدت ألّا يقع في خاطري كل تفاصيل الخصومة التي تحدث بلحظة غضب، تذكرت ذلك، ثمّ شددتُ على الودّ الذي بيني وبينها، برأيي كل أسباب الهجر التي تُغذّي خصومة الأصدقاء تافهة ولا معنى لها، كالمُكابرة على الخطأ، وتصديق كل ما يزفره الشّيطان في أفئدةِ الأطراف المُتخاصِمة، والتَّأنِّي في الفهمِ والتفهُّم هو السلاح الذي نحفظُ به الاحترام والمودّة، حاولتُ ذلك، ولكنّها لم تطع.. وتتنازل! ولم يكن الأمرُ عاديًا بالنسبةِ لي قط، وأعرفُ أنني لن أكون عاديّة في نظرها، ولكن الشيطان يتراقص في ساحتِها حتّى الآن، وكل الذي انتظرهُ متى تحين اللحظة التي تطرده بعيدًا وتحفظُ الصّداقة سامية عن توافه الخصومات.

أيضًا، هُناكَ أمرٌ عظيم لحق بي ألمه، خاصٌ وشخصي بعض الشيء، جعلني انزوي خلفَ باب قلبي، وأتذكّر كل الليالي التي جشعتُ بها كرهًا لطرفٍ قريبٍ جدًا مني قُضيَ نصفُ عمري وأنا أُشاهدهُ يتمتّع بالقهقهةِ على جرحي، ويسكب الملح عليهِ مبتهِجًا، أتذكّرُ تلك الفرحة في عينيه كلّما همّ بذلك، حتى هذا الشّخص أُحاول أن أحفظ الصّلةِ التي بيني وبينه، طمعًا بما وُعِدتُ به من الله من الأجرِ والمنزلة والتوفيق لفعلي ذلك، ومحاولات لا محدودة أُقدّمها لنفسي لتجاوزها وتجاوزه.

كذلك؛ جاءني تعليق من أحدهم على صفحة Instagram يعتب على ما أصبحت أُشاركه من تدويناتٍ قصيرة أو نصوص أو تغريدات، صدقًا لم أجِد ما يسعفني لأُبرّره له، رغم أنني لا أحتاج أن أُبرِّر، لكنني أكتب على كل حال، وأُشارك بفلترة وتأنِّي، ولا يُمكنني فعل ذلك على الدوام، هُناك ما يفوز بالنهاية بشأن كتاباتي ونشري، وهُناك أيضًا ما قد يحتاج لسطرٍ دافئ ينبثِقُ من قلبي إلى قلبه، هُناك من يحتاج هذه الكلمات أكثر مني، وأكثر من التداوي الذي انتهجهُ بالكتابة، فماذا لو تُركنا نكتب على سجيّتنا؟ واحترام كل ما ننشره مالم يمسّ الدين؟ أعتقد أنها فكرة سديدة، لاسيما هُنا، في نطاق التدوين المساحة التي أُحب.

هذا الأسبوع أيضًا، عُدت لقراءة المدونات، قرأت الكثير فيها أكثر من صفحات الكتاب حقيقة، ولكنها قراءة على أي حال، عرفت وحاولت قراءة مشاعر الكاتب أو الكاتبة عن كثب، وفهم مآل السطور الحزينة، ولمس البهجة في الأحداث السارّة، ولمست في بعضهم سوداويّة التراكمات النفسية التي كانوا تحت تأثيرها، وأثناء ذلك فكّرت! لماذا لم يلحظ أحدهم أن الكاتب/ـة يعيش حالة نفسية غير طبيعية وغير مستقرة ويحتاج للمساعدة عن طريق كتاباتهم؟ وماذا عن الذين يُشاركون فكرة عنيفة أو رغبة إجرامية في نطاقات التواصل الاجتماعي؟ هل يحظون بإجراءات احترازية وتتابعية لمساعدتهم ودعمهم نفسيًا ومحاولة احتواءهم؟ أو تكون النظرة ساخرة ودونيّة واقصائية؟ قلبي معهم صدقًا.. ألا تحظى بشخص واحد فقط قريب كان أو غريب يفهم أنّك بحاجة مساعدة نفسية ومعنوية أو حتى إنصات ودعم مِمّا تكتبه وتنشره، وبصرفِ النظر عن أنّ هناك من يتلاعب بالسلبيّة وتلاعبه، ولكن هُناك أيضًا من هم تحت وطأة ألم نفسي شديد ولا يعرفون للخروج منه سبيلًا، فلهذا أصبحت أُحاول ألّا أتغاضى عن أي منشور كهذا على وسائل التواصل الاجتماعي، وأُقدّم الدعم ولو كان بالتّوضيح أن: “المحادثة ستكون بمثابة المذكرة لك، اكتب ما تشاء، وفرّغ ما تشاء، ولكن لا تدعه ينام في صدرك”، وما يجعلني أقوم بذلك عدد الذي يصل بهم اليأس والوحدة حد أن يضعون خط النهاية لحياتهم، أولئك الذي شرحوا ما بهم كثيرًا ولكن لم يعرهم أحد اهتمامه، وكل الذين كان محور انتظارهم رسالة تُشجّعهم على أن هناك أضواء كثيرة في الأنفاقِ التي تاهوا فيها، كما أن الدنيا قاسية، قاسية جدًا، خاصةً الآن.. أصبح البعض هشًّا نفسيًا، ومُتألِّم، يركض خلف الأيّام المُتسارعة ناسيًا نصيب الحزن منه، أولئك الذين يقتلون المشاعر السلبية، ومن ثم تنتفِضُ بهم بعنف، وكل الذي تُخلّفه زعزعة نفسية قاسية، وهذا لا يُخالف ضرورة تعظيم الصّلة بين العبد وربّه، ولكن ما أصبح يؤذي الإنسان وعزيمته لا يمكن تخيّله.

وأتمنّى أن يكون الشخص واعيًا بذاته وبتقلّباته النفسية حد أن يفهم أنه في هذا المنعطف يحتاج لطلب التدخل العاجل والمساعدة، فيطلبها من أيٍ كان، أو الاسراع بالتّواصل مع الجهات الرسمية المخولة بهذه الشؤون والاستشارة، كذلك نحتاج للتوعية المستمرة عن الصحة النفسية، وألا تكون شعاراتها محصورة في يوم واحد أو فترة مؤقتة وقصيرة.

حقوق الصورة البارزة: https://unsplash.com/@thanospal

تحت تأثير الفوضى!

عبر نافذة عقلي ألحظ تلك التغيّرات التي جعلت قلبي هشًّا، التي جعلته يرقص فرحًا برسالةٍ مجهولة، ويتتبع ساعات وجودِ شخصٍ ما في يومي، قلبي الذي يتخبّط ليلحظ أحدهم وجوده على هذه الأرض، أمر مُرهق، وما يزيد ذلك صعوبةً أن ذلك القلب لا يعرف صدقًا هل هو محبوب فعلًا، أو هل ما يحصده من مشاعرٍ تُختزل بالكلمات حقيقة بما يكفي ليتكبّد كل هذه الفرحة، لكنها البدايات، الأكثر إرهاقًا وتخبّطًا وتشتّتًا، تُداعب قلوبنا الضعيفة كما يحلو لها وكأننا لم نتباهَ يومًا بأننا أقوياء لنرفض كل هذه الفوضى، ولكنني الآن، وبكل اليأس! لستُ قوية على قلبي قط، أو بالأحرى أودّ أن أُعطيهِ الفرصة ليعيش الشعور حتى النهاية، وفي داخله قبضات الخوفِ من الخيبة، ولكن ليعيش ذلك على أي حال.

أنا جيدة بالكتابة وبالمُقابل قد أبدو ضمن أكثر الأشخاص الفاشلين بالكلام، تُخالجني رغبة أن أتبع مهارتي بالصّمت كثيرًا، حتى أنني أحيانًا أُريد أن أُجيب على سؤال: ماذا سنأكل اليوم؟ برسالةٍ أكتبها على ورقة ملاحظات صغيرة جدًا، هكذا وصلت بي الأمور.. كتبت لأحدهم يومًا رسالة طويلة جدًا، باكية بالاعتذار الذي لم أستطع إبداؤه عندما كان أمامي، حيث الفرصة الحقيقية الأولى للاعتذار، ولهذا أخشى كثيرًا على من أُحب مني، وأتمنى لو أن يكون هناك شخصًا واحدًا على الأقل يفهم ما أنا عليهِ وما أنا به، يفهم حقيقة ما أُبديه ويعرف أنني أستطع تزييف حُزني ليظهر له فرحًا عارمًا، وأنني ابتعد ليس كرهًا إنما ابتعد حتى لا أنسى ذاتي، بُعدِ محبٍ وليس كاره.. أتمنى أن أجِد!

تزامنًا مع العام الميلادي الجديد 2022 -رغم أنني أُحارب الاعتراف بالتقويم الميلادي-، ولكن الآن.. سأكتب عن عامٍ رسم منحوتةٍ خارقة الجمال على جدارِ قلبي، حتى لا أنسى أنني في أيّامه كبرت أعوامًا عديدة تفوق ما أنا على حقيقته، وأنني لم أعُد تلك الفتاة التي تمرر الزلات بذاتِ خفّة الخاطر، إنما بعاصفة تمحو معالم العلاقات بعدها، ولا التي تقول “نعم” مجاملةً، وأنني توسّدتُ وسادة الوحدة ليالٍ طويلة دون أن أُبدي عتابًا لأحد على ذلك، بل أنني تصالحت مع أن أكون وحيدة وأصبحت أسعى لأكسب لحظات برفقة نفسي أكثر من السّابق، تصالحت مع كل العيوبِ في، وعظّمت محاسني كثيرًا، أغرقت تفاصيلي بالغزل والعطف، وأشعر أن تلك المرحلة أسمى ما قد يصل لها الإنسان، أن يكون رحومًا بكل جوانب ذاته، أشعر أنني في هذه السنة فقدت ثقتي في جميع الناس، ولكنني كسبت ثقة نفسي بي، أشعر أنه عام مختلف، خاصةً فيما أكتب عنه! استطعت لمس تأثير الأحداث فيّ حتى أنني أُحاول الكتابة بشفافية أكثر، لم أعد أخاف أن يُصبح ما أنا عليهِ مفضوحًا للعامّة.

أخيرًا، اكتفيت من هذه الفوضى…

حقوق الصورة البارزة: unsplash.com _ @katiemcnabb

مسرَّاتٌ صغيرة، سعادةٌ كبيرة!

أهلًا يا أصدقاء مُزدَانة في إحدى نشرات الشهر، كيف حالكم؟. . أنعم اليوم بلحظاتٍ هادئة ويسيرة على نفسي، وأحظى بوقتِ راحة بعدما انتهيت من المهام المُتراكِمة، وفي رأسي الكثير من الحكايات لا يَسعني البوح بها إلا هنا، حيث المساحة الافتراضية التي شكّلت بالنسبة لي منزل مُصمّم كما أُحب، وهذه مسرّتي الصّغيرة، فالحمد لله.. عمومًا يُوافق الأسبوع المقبل بداية مرحلة الاختبارات النهائية في الجامعة، ولا أخفي أنِّي مُتحمّسة جدًا لما سأُقدّمه في اختباراتي، وعلى هذا السياق أود مشاركتكم نهجًا اتبعه منذ سنتينِ، وهو أن أُخصّص قائمة تحوي أهدافي قبل بداية كل فصلٍ دراسي، وأكتب فيها هدفٌ كبير أودّ تحقيقه، وتحته أهدافٍ صغيرة متفرّعة لكل مقرر، ومنحنيات تخطيطية لبلوغها، وأضع القائمة نصب عيني طوال الفصل، إنها طريقة فعّالة لاحظت منها أنّي أولًا أتطوّر في مهاراتي وأُجدّد بها لحظات الفتور والكسل والتفريط، وأصبح استقبالي ونظرتي للدراسة بشكلٍ عام أفضل ومليئة بالامتنان، في الواقع وضعت هدفين كبيرين لهذا الفصل: أوّلهما: المحافظة على رتم معدلي العالي في صورته المتصاعدة، والثاني: أن أُخصّص دفترًا خاصًا للمسار الذي أدرسه، وهو المحاسبة، وأُدوّن فيه كل المعلومات والمراجع التي ستُسهّل علي تأسيس نفسي لتحقيق هدفي الأكبر والأعظم: إكمال الدراسات العليا في المسار، وأشرح فيه كل شيء أتعلّمه وينفعني فيه بطريقتي الخاصّة والسليمة، لربما تكون الخطوة هذه متأخرة قليلًا، ولكن أُعوّل على نفسي ثم عليها في تمهيد طريقي وشغفي في المحاسبة كدراسة ومهنة أطمح التخصص فيها، أما فيما يخص أهدافي المتفرعة لكل مقرر والخطة عمومًا فهي ماضية في الطريق السليم الحمد لله.. جربوها إن كنتم تملكون هدفًا كبيرًا في دراستكم.

للقوائم التنظيمية سحرٌ في تحقيق التوفير والاستقرار

هاجَر المطيري

مرّ العالم بنصفِ سنةٍ مُغرية على الصّعيد الاستهلاكي خاصةً، واصطفّ الكثير من الناس على انتظار الديون والمستحقات التي تراكمت بفعل الأيام المليئة بالخصومات والشدّ والجذب الشرائي، الحمد لله أنّي ثبتُ أثناء هذه العاصفة، وكنت خلالها قد استغنيت عن تطبيقات ومواقع التسوق الإلكتروني من أجهزتي، وانشأت للمطبخ قائمة تسوق أُدوّن فيها ما ينقصه من موادٍ غذائية ونحوه، وعندما أخرج لشرائها أخذ معي هذه القائمة، دون المرور على كل رفوف المحال وشراء ما تلمسه يدي، ولا حالات النسيان التي كنت أُصاب بها فأخرج وأعود وأنا لم أشتري الناقص فعلًا، وعند التسوق في نطاق الملابس فإنني أصبحت أنظر أولًا لما تحتويه الخزانات، وشراء ما ينقصها، وهكذا في كافة الأمور الأخرى، وهذا التوفير كان أول سببٍ له هو حذف تطبيقات التسوق الإلكتروني، وانعدم بذلك الرغبة الاستهلاكية الغير مسؤولة والجنونية وغريزة تكديس الأشياء بأنواعها، وبشكلٍ عام، فإن لقوائم التسوق وما يُماثلها سحرٌ في تحقيق الاستقرار المادي والتوفير، جربوها إن كنتم تُعانون من جنون الشراء.

  • ركن القراءة:

من ضيوف مكتبتي الإلكترونية: نسخة صحيح البخاري، وسُبُلًا فِجاجًا لحُذيفة صالح العرفج، قمت بتحميلهما إلى تطبيق (الكتب / iBooks )، وأسعى لشراء النسخ الورقية منهما، وأنصح بـ سُبُلًا فِجَاجًا كرفيقٍ للحظاتِ اليائسة والهادئة أيضًا.

أما في المكتبة الورقية فإنّ ضيفي كتاب: (الروايات العشر) لصاحبه: رائد المقبل، راقت لي لغة الكتاب السلسة والبسيطة في سرد القصص، وكوّنت داخله أوراقٍ صغيرة كعلاماتٍ مرجعية كيلا أُفسد جمالية ما كُتب في صفحاته، أُدوّن فيها ما يجول في رأسي عن القصّة التي قرأتها منه، وأستطيع القول إنه ضيفٌ لطيفٌ بالقراءة، ويجذب انتباهي.. لكنني لم انتهِ منه بعد!

  • مسرَّاتٌ صغيرة، سعادةٌ كبيرة!

تحيط بنا الكثير من الأمور الجانبية الصغيرة جدًا، لكنها تُشكّل فارقًا في أيامنا، وقلوبنا، وإيماننا، وأُفُق تفكيرنا، قد نتأخر في الانتباه لها، وقد لا نُلقي لها بالًا قط، وكثر الاستهزاء بها، والتقليل منها كثيرًا في الآونة الأخيرة، هذا ما لحظته حقيقةً وبشكلٍ يُذهل منطقي، فقلِّة من لم تعد حياتهم طبيعية وعاديّة بمقارنة مستمرة مع حياةٍ أُخرى لا نلمحُ إلا قطرةٍ منها عبر التقاطةٍ قصيرة تزدان بها صفحات العالم الافتراضي، أصبحت تلك الأمور الصّغيرة التي تحتوينا بلُطف الله وعنايته مُحتقَرة، انغمس العالم الحقيقي بالافتراضي كثيرًا، والكل يريد حياةِ الآخر ولو استطاع نهبه لنهبه، فمالنا هكذا؟ فلنتأمل ما نحن به الآن، ما ننام وتستيقظ برفقته، وما نقضي به نهارنا وليلنا، سنجد أننا محاطون بتفاصيلٍ ومسرَّات صغيرة، حتى تلك اللحظة التي تُنهي بها جميع أعمالك وفروضك ومهامك وتستلقِي براحة ضمنها، لحظةٌ لا تُقدّر بثمن.. أيضًا كل ما دونته في هذه المقالة أعتبره من مسرّاتي البسيطة، كما أن كل ما في حياتنا يستحقُ منا لفتةُ تقديرٍ وامتنانٍ وشكر، فلننشغلُ بها.


  • جادّة أفكار – مساحة لنصوصي القصيرة .. حيث أكتبها وأُشاركها:

هناك فتاة تنتظر بجانب سكَّة الحياة، وأخرى تُجدف نحو مستقبل تراه أفضل في الضفة الموازية، وأحدهم يهز ساقيه على كرسي الانتظارِ، وآخر قد ملّ الوهم، وشيخ مسكين لا يعرِف لمنزله طريق، كما إنِّي ألمَحُ الغربة في عين إحداهم، إنها تنظرُ للزمنِ كصورةٍ مُستنكَرة وعادةٍ غير مألوفة.. والكثير من المناظر.. لكنّها في رأسي! اختزنها من الشوارعِ والطرقات، ومن الأوطانِ والشعوب، وبضعُ تدويناتٍ قصيرة ظن أصحابها أن لحظة الانتهاء من قراءتها ذاتها اللحظة التي تنتهي فيها من عقولنا، ولكنني لا أنسى شيئًا، واحتفظ بكل شيء في موطنٍ صغيرٍ جدًا شُيِّد داخل ذاكرتي، وتسترجِعُ الأشياءُ نفسها في لحظةٍ مباغتة واصطدمُ بها رغمًا عني.. لا أعرفُ هل هيَ نقمةٌ أم نعمة.

هاجَر المطيري

كيف أواجه ضغط نهاية الفصل الدراسي؟

مرحبًا، أشعر هذا الصّباح أنني على ما يُرام، على الصّعيد النفسي خاصةً، صنعت قهوتي وقرأت ما تيسّر من كتاب “قبل أن تبرد القهوة”، ومن ثمّ شرعت في كتابة هذه التدوينة، لا أعلم متى سأنتهي منها وأنشرها، ولكن حتى هذه اللحظة أكتب بنهم، لم ترتفع أصابعي عن لوحة المفاتيح إلا لكتابة الفاصلة، بالمناسبة؛ سعيدة جدًا بالتطور الذي ألاحظه في نفسي عندما أكتب، لطالما مرّنت عقلي على تدفّق المفردات والأفكار عندما أفتح المسودّة، ولمن يتساءل كيف؟ سأنشر قريبًا تدوينة عن هذا النطاق.. ترقّبوا.

عمومًا، الأسابيع القليلة المقبلة تُوافق مرحلة نهاية أعمال الفصل الدراسي وإغلاق رحلة الاختبارات الجامعيّة قبل تلك الإجازة المطوّلة. أصبح الضغط مهولًا، ومحاولات لملمة المنهج على مشارف أن تُعقّد الأمور أكثر، نوم متقطّع، جلسات مطوّلة أمام شاشة الحاسوب، أمطارٌ غزيرة من الأعمال الفصلية الواجب تسليمها، بعضُ أبحاث الدراسات المؤرقة، ركضٌ دائم لانتهاز الدقيقة.. حتى أنني فكرتُ قليلًا في التوقّف عن التدوين والنشر في صفحاتي الشخصيّة حتى تمضي هذه الرحلة، ولكن أعرف يقينًا أن هذه المساحات هي التي ستُحافظ على اتزاني وتملأ وقودي، لذلك استبعدت الفكرة في أقل من جزء الثانية. عندما مارستُ “الفضفضة” عن هذه المرحلة في لقطاتٍ يسيرة في حسابي على منصة السناب شات، هناك من تمنّى لي التوفيق، وهناك من تهكّم وسأل: لماذا لم تستغلِ الشهرين الفائتة في إنجاز ما تتذمّرين منه الآن؟ يا للأسف، آلية هيئة التدريس الآن صعبة ومُنرفزة، لا يعرفون كيف بإمكانهم إطلاع طلبة وطالبات العلم على متطلبات المقرر أول الفصل عوضًا عن صفصفة سِمات الشخصية الشريرة وأبجديات التعارف الساذجة، لذلك هذا الضغط يا عزيزي الذي نُنفّس عنه هنا وهناك ليسَ بالضغطِ المصطنع الخيالي، إنها مرحلة حقيقية لا يسأم العالم من كبكبة ما تيسّر من مطباتٍ فيها، علمًا أن الجميع قد يمر في هذه المرحلة الفوضوية سواءً كان مهنيًا أو شخصيًا، لكن لا أعرف سبب تضييق الخناق على الطلبةِ والطالبات. كان الله في عوني وعون كل طالب وطالبة في كافة المراحل الدراسية.

وأُكمل على ذات السياق.. كيف أُواجه هذه المرحلة؟

إن أهم أهدافي للعبور في هذه المرحلة أن أُحافظ على صحتي النفسية والجسدية، كيف؟

  • أُنظِّم فترة النوم، بحيث يكون كافٍ وصحي في فترة الليل، وسلامة الوجبات اليومية من الوصفات المُكسِّلة.
  • أُرتّب وقتي ومهامي، وأسعى في وضع قوائم الأولويات بحسب أوقات التركيز والإنتاجية، وهذا في وضع المهام التي تتطلب تركيزًا عاليًا وجهدًا مضاعفًا في الفترة الزمنية التي أكون فيها بأوجّ عطاءاتي وإنتاجيّتي، وهذه الفترة بالنسبة لي هي في الصباح.
  • أبتعد عن البيئة السلبية، وبالنسبة لي البيئة السلبية هي في تجمّعات الطالبات الافتراضية ورسائل التذمر على واتس اب وغيره، وهذا لا يُنافي حاجتك كطالب في التنفيس عن تعبك في المذاكرة أو الدراسة.. ولكن حاول أن تُمارس هذا التنفيس بعيدًا عن التجمّعات هذه.
  • الاستجابة لرسائل النجدة التي تنبثق من ذهني وجسدي وأخذ أوقات استراحة متفرقة في أثناء تأدية مهامي الدراسية.
  • أُواجه أفكاري المباغتة التي تنغص عليّ وقتي في المذاكرة، ومنها: ما الفائدة من هذه الدراسة؟ متى أتخلّص من هذا التعب؟ وما على شاكلتها.. تذكر أن هذه فترة بسيطة وستنقضي!
  • أُجهّز قوائم المكافآت ووسائل الترفيه المساعدة والمُخفِّفة من وطأة المرحلة، كالمسلسلات والأفلام والتنزهات والهدايا للنفس، وأُنوّه أن يجب أن يتم اختيارها بعنايةٍ شديدة، بحيث تقوم منزلة التخفيف وليس تصعيد الأمر العاطفي للشدّة، احترس.
  • أكتب الهدف الذي أسعى له حبوًا وسط هذا الركام، وتختلف الأهداف بحسب الشخص وتطلعاته في مرحلته، ولكن بالنسبة لي أهدف إلى عدم التفريط في معدلي العالي والممتاز.

وأخيرًا، أتمنى لنفسي ولكم التوفيق، وأن تُزيَّن أحلامنا بالبلوغِ والتمام، آمين.

إنَّ الأيَّامَ خزائنٌ!

هل بإمكان الأيَّام أن تكون كمِنْدِيلٍ لَطيف الملمس تمسَح به على قلبك فيُضمد جرحك؟ إليك رأيي، إن هذه الحياة تهون إن حَمِلَ همَّها شخصان، وحَمِلَ هذين الشخصين هَمْيِّ بعضيهما، ويدًا بيد مضيا، ونتذكَّر في هذا مشهد الغارِ الذي شَهِدَ على محبّة وتوافق الرسول -صلى الله عليه وسلم- ورفيق دربه الصِّدِّيق أبو بكر -رضي الله عنه-، اللذَيْن حَمِلا همومَ الدعوة والإصلاح وتلبية النداء معًا، وبينما الصِّراع قائمٌ حول الغار، إلا أن داخله مُطمئنًا بطمأنينة ساكنيه، وساكنٌ بترتيلِ الآيات الكريمة، وتربيت الكتف التي يحفظَان بها رباطة جأشهما.

لكمّ مر على رسول الله ورفيقه المتاعِب، ولكن الله منحهما القوة من عنده أولًا ثمّ من بعضيهما، يُروى أنه قال -صلى الله عليه وسلم-: (… ولو كُنتُ متخذًا من أهل الأرض خليلًا لاتخذتَ أبا بكرٍ خليلًا) وفي اللغة العربية يُرمز بالخليلِ بالوَفاءِ والإخلاصِ وحُسنِ الرِّفقة، يا الله! منزلةٌ عظيمة بسلامة سريرتهما، وإعانتهما لبعضهما، وماهيَ إلا مضرب مثلٍ يُشاد به البنانَ في علاقاتنا الاجتماعيةِ الآن، وبخلافِ التصنيفِ إن كانت صداقةٍ أو أُخوَّةٍ أو زوجٍ وزوجة وأُم وطفلها وأب وطفلته، هذه الحياة تُصبح سهلةً متى ما كانَ هناك من تشدّ عضدُك به، أيضًا.. ألم تَقُل لك والدتكَ يومًا صَاحِب الصَّالحين تصطلحُ بهم؟ أعتقد أن جميعنا نُصحنا بهذه النصيحة الثمينة.

ثمّ إن كل تلك التفاصيل التي تمرّ بها مع الشخص الآخر إن كان صديقًا، أو أخًا، أو زوجًا، أو زوجةً، وما إلى ذلك.. تجتمع لتَكبُر، وتكوِّن تلك العقدة السميكة التي يُقال عنها المواقِف، والتي تُحافظ على عدم وصولِ علاقتكما معًا إلى نقطة النهايةِ الحزينة تلك، أيّ الافتراق.. وربما هيَ أيضًا من يُعجِّل بانتهاءِ علاقتكما، الأمر أشبه بأن يكونَ لك وعاءً واسعًا وكلاكما تضعانِ فيه همومكما، حديثكما الذي لن يخرج، وحزمة مشاعركما باطمئنانٍ أنها لن تُهِزّ نظرة أحدكما بالآخر، أيضًا كل تلك الكلمات التي تشدّان من أزركما بها، والوقفاتِ التي تُهوِّنا عن بعضيكما بها، هذه كلها تصنع أيامًا حنونة ودافئة تُصبح كالضماد الذي حال أن تتذكرونها تتنهّدانِ العزيمة والصّبر، والأمل، والتفاؤل، والإصرار.

ولهذا يُمكن للأيّامِ أن تكون كمِنْدِيلٍ لَطيف الملمس تمسَح به على قلبك فيُضمد جرحك، وتقوى خطوتك، وتصلُح نفسك، وإنّ الأيّام التي نقضيها مع شخصٍ آخر نُنزله منزلة الخليل ما هيَ إلا قوى نستهلِك منها ما يزيدنا بصيرة للسيرِ في متاهاتِ الحياة، ثمَّ إن الأيَّام خزائنٌ فانتقِ الذي يملؤها معك كما يُحب الله، ويُعينك على ذلك.

توقَّـف.. وتأمَّل!

مرحبًا بكم، سعدت جدًا بنشر هذه السلسلة على صفحاتي الشخصيَّة في منصتي TwitterInstagram وكانت ردود فعل القُرَّاء جميلة، والآن أسعد أن أُثبّتها في مساحتي الجميلة هذه!

بدأت سلسلة توقَّف تدور في بالي أثناء قراءات المحتوى الذي يدعو إلى مواجهة وتيرة الحياة المتسارعة التي صِرنا في عُمقها اليوم، ولا سبيل منها إلا بالعزيمة والإصرار، ومِمَّا كنت أحتاج سماعه صغت هذه السلسلة، وكما يُقال: من القلب إلى القلب.. بدأت الرحلة بالتذكرة الثالثة، وسُئلت لماذا لم أبدأ بالرقم واحد أو اثنان، لأن موضوعي هذه التذكرتين خاصٌ جدًا ودراميٍ بشكلٍ هائل، فعندما كتبت السلسلة من التذكرة الأولى، فضّلت أن أنشر بدءً من التذكرة الثالثة، فأهلًا بكم!

  • تذكرة رقم #3

هناك صوت في داخل كل إنسان يُرافقه كروحه، ويأتيه حين يُذنب، يَحزن، يَنكسِر، يَفشَل، يَزِلْ، يُخطئ، يَتوه، يَنجح، يَبتكر، يَتطوّر.. إلخ! ولو تأملت فيه قليلًا، ستجده حاضِرًا في كل حالاتك، وإن نجحت سيأتيك على هيئةٍ يستنقِصُ بها ما نجحت به، لكن سيُصبح أكثر حِدَّة حينَ تضعف، وَ وجودِ هذا الصوت له حِكْمَة، وكنت أتصالح مع استقرارِه ودوافعهِ وغاياتِه، حتى باتَ يُطيل الحديثَ معي عن أهدافي المرسومة على حائِط المكتب، ومتطلباتي في عملي ودراستي وما إلى ذلك، حتى شكَّلَ شخصًا آخرًا منّي، أكثر جزعٍ وجوعٍ وتيهٍ في دهاليز الحياة، لا يُرضِيه تقدُّمًا ولا سعي.. ولا أخجَلُ فضحه.

وبينما كان ينمو، كنت أنا من يُغذّيهِ، ويُحسِّن هندامه، ويَدعم معتقداته، قبل أن أجزم التغيير وأهدم بُنيانه، فسابقًا لم أكن مِمَّن يتساهلون حين لا تسِير أهدافهم وفق أهوائهم، بل كان الأمر محط جدالٍ داخل عقلي والكثيرِ من التساؤلاتِ الذي يُضخِّمها هذا الصوت بترحيبٍ مني، واستنزِفُ بها صحتي، وهذه الصِّراعات تتطلَّب موقفًا حازمًا منك فقط، فوحدك تستطيع تولِّي زمام الهدنة، والتحسين، وأوَّل ما سعيت له في رحلةِ توقَّف، أن أتدرّب على جعل المرونة أول سِمات العلاقة بيني وبين ذاتي، فليسَ كل شيء بإمكاننا إنجازه، ولسنا دائمًا في موضعٍ يسمح لنا بالعمل والإنتاجية وتحقيق كل ما نرسمه بمثالية.

بل ربما الإصرار على الإنتاج وتجاهل الحاجة الذهنية والجسدية والنفسية للراحة واستجماع القوى يجعلك أكثر سوءٍ في السلوك والتفكير، فتوقّف قليلًا، خذ قسطًا من الراحة من كل ما يؤذيك ولو كنت تحبه، اصنع فجوة تساعدك على الرؤية الواضحة، فليست كل الفجواتِ ضررًا، لا تفزع، أنت بمأمنٍ طالما تستطيع السيطرة على هذا الصّوت بداخلك.

  • تذكرة رقم #4

“لن تكوني أُمًا صالحة إن لم تعتني بنفسكِ”، إحدى حوارات فيلم الأمومة المُلهِم (Tully)، والذي يُرمز لاسم المربية الليلية التي جاءت للأُم مارلو كمُعجزَةٍ من السَّماء، لتمدَّ لها أيدِ العون والمواساة للأُمِ المُنهَكة، في بدايةِ الأزمة لم تُحبّ مارلو طلب المساعدة من أحدٍ قط، رُغم أن الجميع حولها يحاولون تقديم المساعدةِ لها لكنها ترفض وتُناضِل المسؤولياتِ وحيدة، وفي نهارٍ ما زادت نوبة بكاء طفلتها الرضيعة، ومع كل صرخةِ ضغطٍ صرختها مارلو، اتضح لها أن المُكابرة على طلب المساعدة لا يزيدها إلا توترٍ وتقصيرٍ واضطرابٍ نفسي وسلوكي، فقررت طلب المساعدة من هذه المربية تالِّي، وما إن بدأت تالِّي عملها، لاحظ الجميع تحسُّن الأُم، الفيلم مليء بالتفاصيل التي تُغيِّر نظرية بعض الأُمّهاتِ لفكرة طلب المساعدة مِمَّن حولهن، لذا يستحق المُشاهدة.

عمومًا ليس فقط الأُمّهات من يحتاجون لتقبُّل هذه الفكرة، بل الجميع، الآباء والأطفالِ والأصدقاءِ والإخوة، وكل إنسان يجب أن يتقبَّل أنه لا عيبَ في طلب المساعدة لإنجازِ أمرٍ ما. فمهما بلغت من الهمّة والاحتراف والإتقان والمعرفة والجودة والسرعة وحب العمل الفردي والإخلاص هناك حالات يستوجب عليك طلب المساعدة فيها رأفةً بك، وتوقَّف عن احراقِ نفسك واطلب العون ولا تُناضل في كل جهاتك وحيدًا، شُدَّ ساعدك بمن تثق بهم وبرأيهم.

  • تذكرة رقم #5

هناك حِيلة يُمارسها الإنسان على ذاته وهي التأخيرِ أو التأجيل، ولا ضرر في ذلك إن كان في حدودٍ سليمة تَرفَع لا تُسقِط، تُهذِّب وتُحسِّن لا تُفسِد، وكما قِيل:(لا تؤجل عمل اليوم إلى الغد)، العبارة التي كانت تقولها والدتي في طفولتي بسخرية، طمعًا في إنهاءِ واجبات الخط العربي المتراكمة، لم أكن أعرف أنها فضفاضة لاحتضانِ كل هذه الأبعاد النفسية إلَّا عندما كبرت بما يكفي لأُصبح واعية أن بإمكان الإنسان خِداع نفسه بالعباراتِ الرنَّانة بسهولةِ خداعِ شخصٍ آخر، لا أنوي التطرق لهذه الحيلة بلهجةٍ حادَّة تُبعثرك، لكن هذه المحطة هي أساس بناء علاقة صحيَّة بين الفرد وذاته. لماذا؟ لأنّ نفس الإنسان مكشوفة عليه، لا أحد لا يفهم نفسه، ولا يعرف حقيقة ما يبدر منه، جميعنا نملك مفاتيح أنفسنا، لكن الغامض أننا أحيانًا لا نودّ التعامل بوضوح، فعندما تريد أن تُحسِّن من علاقتك بنفسك يتوجب عليك أن تكون صادقًا معها، عطوفًا، حنونًا، متفهّمًا، واضحًا بلا حيل!

ومن صور الحيل النفسية الدارجة الآن: بعدين!

بعدين في القرارات المستقبلية، بعدين في الدراسة، بعدين في الوظيفة، بعدين في الزيارة، بعدين في التحسُّن، بعدين في التوبة، بعدين في التفقّه، بعدين في كل شيء تقريبًا، صغير أو كبير، مُباشر، أو غير مباشر!

فتوقَّــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــف

توقَّف الآن وتأمل في كل التأجيلات التي قمت بها في حياتك، وضع النقاط المناسبة للحدّ من تفاقم مشكلة التأجيل معك، وتفهَّم بأن هدف هذه الرحلة ليسَ بالضغط عليك بما لا تطيق تحمّله، إنما الهدف أن تُبصر على نفسك لغايةِ التحسُّن، وألا تُراكم الصغائر وتحتقرها.. وتذكر بأن كل صغيرة جسر عبور لحدوث الكبيرة.

  • تذكرة رقم #6

هناك محطَّات يمر بها الإنسان ويعبرها، لكن لن يعبرها كمَا كان! سيركن على جانبِ المحطَّة شيئًا منه، ويَمضِي بشيءٍ آخر بإدراكه أو رغمًا عنه، ربما عادة كان يُمارسها، أو مفردة ردّدها كثيرًا، أو سلوكٍ ما ومُعتقَدٍ لطالما آمن به، ربما يَخسر صديق أو مهنة وربما يكسبهما معًا، وغير ذلك الكثير، ظاهرًا أو باطنَا، يُحبّه أو لا يُحبّه. فالمخلوقات مرغمة على تجرُّع حُزن الخسارة ولذَّة الكسب، وهذا مِمَّا لا شكّ به، ولكن هل تعرِف أحدًا حطَّ رِحالهُ في محطَّةٍ ما مليئة بالأمتعة الحَزينة، وهو مجبرًا على حملها والمُضيَ بها، لكنه نَسيَ أن يَحمِلَ نفسهُ معها؟ هُناك من يدخل علاقة ويَعود منها خاسرًا نفسه، مكبّلًا بآفةٍ نفسية، وتمر فصول الحياةِ من جانبه وهُو ساكن! يَضع نقطة نهايةِ حياته بيدهِ ويطلب من الدَّنيا التوقف معه، متجاهلًا أن الدنيا لا تأبه بخساراتِه ولا تتوقف لتوقّفه! وأتطرّق للعلاقات لأنها مثالٌ حي ولا زال الوعيُ به قاصرًا، أيضًا هناك من يتلذَّذ بنُسخته الحزينة وكلما همَّ بالخروج دَفَع نفسه داخلها بعُنف، حقيقةً هناك من لا يَرغب بالتغيير أبدًا، وهؤلاء ليسوا محور التذكرةِ، إنما أكتب لأولئك الذين يرغبون بالتحسّن والتغيير فعلًا لا قولًا، لكن يجهلون السَّبيل لذلك، أقولُ لهم: توقَّف! ما دُمْتَ مُدركًا للأمر فستنجو، ما دُمْتَ موقِنًا بفصولِ الحياةِ التي يُرتّبها الله بأمره وحكمته فستَصِل! فتوقَّف، وراجع محطَّاتِك التي حملت كل شيءٍ فيها عدا نفسك، عُد إليها مجازًا، وأَنِرْ أضواء حاضرك بالقناعةِ والرِّضا بأنَّ كل هذه المحطَّات إضافة فقط، كل ما حولك إضافة، فتأمَّل متى ستكون هذه الإضافة نِعمةً أو نِقمة.

نشرة مُزدَانة الشهرية، صَفَر.. حيث الانهيارات!

أهلًا يا أصدقاء في التدوينة المتأخرة، حيث اليوم الرابع من صَفَر، كنت أمضِ في هذا الشهر برتمٍ هادئ، جدير بالامتنان، أُحقِّق أهدافي تباعًا وفي الوقت الذي حددته، وكثيرٍ من أيام النزهة التي تُزوّدني بالوقودِ للاستمرار قدمًا، كانت بداياته كجوٍ ساكنٍ وغائم في آنٍ واحد، قبل أن تثور في سمائي الرياح العنيفة، وكدت احترق نفسيًا من الضغط من ناحية المنزل والدراسة والعلاقات الاجتماعية والوظيفة والعمل الحر، كان الأمر صعبًا في منتصف الشهر، وقررت الاحتفاظ بالأولويات والابتعاد عن دائرة وسائل التواصل الاجتماعي قليلًا، والاحتفاء بلحظات استرخاء، أعتقد أنني نجحت بهذا كثيرًا وقلّل هذا القرار من تبعات الاحتراق النفسي والحد من تفاقمه، بالإضافة إلى أنني خلال هذه المدة أنهيت الكثير من المهام في مجالي، والتي لمست تطوّري بها واكتشفت نفسي خلالها – وبهذا الصدد أُرتّب خلسةً ملف الأعمال التي أتاحه wordpress كميزة للمشتركين في الباقات المميزة، تستحق استكشافكم لها.

  • شعار الشهر:

مهما بلغت من الهمّة والاحتراف والإتقان والمعرفة والجودة والسرعة وحب العمل الفردي والإخلاص هناك حالات يستوجب عليك طلب المساعدة فيها، وهذا ما آمنت به هذا الشهر حقيقةً، فعندما تفاقمت المشكلات علي طلبت من إحدى الصديقات مساعدتي في أمرٍ ما، وساعدتني مشكورةً وخففت عني ثقلًا كبيرًا، فلا تُناضل في كل جهاتك وحيدًا، شُدَّ ساعدك بمن تثق بهم.

  • خريطة الإنجاز في الشهر:

لم يكن شهري هادئًا، لذلك لم استمر طويلًا في ممارسة الهدف الذي وضعته ولم يأخذ كامل تركيزي، لم أُوبِّخ نفسي على ذلك، بل تصالحت وأجلت العمل عليه شهرًا آخر، وعلى هذا السياق لم أكُن مِمَّن يتساهلون في عدم تحقيق أهدافهم أو متطلباتهم في أمرٍ ما، بل كان الأمر دائمًا محط جدالٍ داخل عقلي والكثير من التساؤلات التي استنزِفُ بها صحتي النفسية، قبل أن أتدرّب على جعل المرونة أول سِمات العلاقة بيني وبين ذاتي، فليسَ كل شيء بإمكاننا إنجازه، ولسنا دائمًا في موضعٍ يسمح لنا بالعمل والإنتاجية، بل ربما الإصرار على الإنتاج وتجاهل الحاجة الذهنية والجسدية والنفسية للراحة واستجماع القوى يجعلك أكثر سوءٍ في السلوك والتفكير، فتوقّف قليلًا، خذ قسطًا من كل ما يؤذيك نفسيًا ولو كنت تحبه، اصنع فجوة تساعدك على الرؤية الواضحة، فليست كل الفجواتِ ضررًا، هذا على صعيد الأهداف الشخصية، ولكن على صعيد الأهداف المهنية فإنني أنجزت الكثير وسأُشاركه معكم فيما بعد.

  • اكتشافات وقراءات الشهر:
  • أحب التنقّل في المدونات العربية خاصةً، وأسعدُ حين اكتشف مدونة تجعلني أُفكِّر، وأندهِش، وأتفكَّر بما بينِ سطورها، ومن اكتشافات المدونات بشهر صَفَر مدونة بشرى قرأت ما يُقارب الـ 70% من محتوى مدونتها، لكنني أجِدُ هذه التدوينة (عن الوعي بالذات ومعرفة النفس) الأكثر قُربًا مني، إذ قرأتها مرتينِ تواليًا لأستوعِب كمّ الفائدةِ فيها، وسِحْرِ اللغة البسيطة وعُمق الفكرة.
  • أحيانًا جُلَّ ما يريد المرء استقباله وتصديقه في كلمةٍ عميقة تجعله يستخرج تذكرة رحلة مع ذاته ومعتقداته وما يجول في خاطره نحوَ توضيحٍ يستكن به ويسعد، وكانت هذه الكلمة برؤيتي مختزلة في أكثر من ساعةٍ في حوارٍ جذّابٍ أدبيٍ عميق الأثر من بود كاست نُقطة بثنائية الشيخ عبد الله العجيري والمحاور محمد البليهد، وحرصت على الاستماعِ إليه في الصباح الباكر قبل أن انغمس في مهام ووجهات اليوم، وأرى أن هذه الخطوة هي ما جعلتني أنصت بجوارحي للحوارات وأتفكَّر، لأنني إنسانٍ نهاري يلقى البركة في صباحاته.
  • أيضًا اختلست ساعتين من مجمل أيامٍ عصيبة في مشاهدة فيلمِ أمومة والذي يحكِي احتراق الأُم مارلو نفسيًا بعد الولادة وصراعات التغيرات الطارئة والصعبة، إلى أن تقرر أخيرًا طلب المساعدة من المربية الليلية تالِّي، رغم أنه مر وقتٍ طويل على يومِ مشاهدتي له إلا أنه بكل تفاصيله وحواراته بقيَ راسخًا في عقلي، وإحدى حواراته العميقة: لن تكوني أُمًا صالحة إن لم تعتني بنفسكِ، الفيلم جدير بالمشاهدة.

آخرًا، وبمناسبة اليوم العالمي للصحة النفسية.. اجعلوا أنفسكم أولًا، لستَ مضطرًا لقبولِ أمرٍ ما لا تُحبّه، ولا تُريده، فتعلَّم كيف تحافظ على صحتك النفسية.

تأملات في العزلة المزمنة

قديمًا كانت العزلة الإجبارية نوع من أنواع العقاب للإنسان المُذنب، ويتم تعذيبه نفسيًا وعقليًا بحبسه فترات طويلة في غرفةٍ ضيّقة وحرمانه من الخُلطة في المجتمع حوله، ومن هنا ظهر مبدأ السجون الانفرادية كوجه آخر من أوجه كف أذى المذنب عن الناس، ويُعاقب الطفل المثير للفوضى والعصيان في غرفته أو حدود المنزل وحرمانه من الخروج، كذلك في اعتزال الصديق أو القريب الذي أساء إلينا وعدم تكرار الحديث معه، ومن هذه السلوكيات قد يُخيّل أنها ردة فعل صحية ولكنها جاءت ببند التعذيب، تعذيب الشخص ذاته أو تعذيب أحد المحيطين به، أو تعذيبٌ للإقرار بالخطأ والعدول عنه، وبينما للعزلة مستويات للخطر أود التأمل في المرتبة التامّة والحادة، أو المزمنة إن صحَّ الوصف، تلك الحالة المفترسة بذاتها من حالات العزلة.

وبخلاف أن للعزلةِ مراتبٍ ودرجات قبل الوصول للمقامِ القاتل، إلا أنه هناك فرقًا جوهريًا بين العزلة والوحدة والاختلاء بالنفس، وتلك المفترقات هي المحرك الرئيسي لدوران عجلة الخوض في العزلة كمفهومٍ مُشوّه حتى القرن الحالي، مما أنتج تأملاتٍ فلسفية كلٍ بما تملي عليه مآل نفسه، وتتجلَّى كانعكاساتٍ لحالته النفسية، والوعي بحد ذاته بمتاهات العزلة النفسية والعقلية دافع للاتزان، فالعزلة ستُصبح أجدى علاجيًا إن مُورست بطريقتها الصحيحة، ولن تعرف مجالًا للممارسة السليمة إلا إن اتبعت مبدأ الخلوة بالنفس بطريقةٍ سليمة أيضًا.

بالنسبة لي أرى العزلة كقطعة نقدية ذات وجهين، يحمل كل وجه منحنيات غير مرئية تتصل باتصالٍ وثيق في الحاجة الغريزية للإنسان ومشاعره ومولّدات صحته النفسية الطبيعية والعقلية كذلك، وتؤدي التأثيرات المخالفة لكل ذلك إلى حالة من الاضطراب قد تتعمق لتولِّد بدورها اختلال في طبيعة الإنسان يستنزف جلسات علاجية تستهدف إعادة البناء في جذور الغريزة الإنسانية، ليبدو إنسانًا صحيًا سليمًا، ولهذا أُشبّه العزلة المزمنة بحالةٍ مُفترسة، لن تنتظر لك رأي، قد تصيبك وتزعزعك من أضعف حالاتك الوجدانية، عندما تفقد حلم/حبيب/عزيز/بيت/سيارة، أو يخيب أملك، وهذه الحالات الوجدانية الضعيفة في الإنسان والتي من خلالها تدخل العزلة لحياته وتمهّد للاكتئاب وبقية الآفات النفسية مجلسًا، لذلك فإن العزلة ليست ردة فعل صحية مطلقة، والإفراط بالاعتزال يسبب نتائج وخيمة.

إذًا كيف نتزن بالعزلة؟

نتزن بالعُزلة إن أصبح في مخزوننا تنشئة مستمرة للعلاقة بيننا وبين الله، فإن كانت عُزلتك لا تبصرك لطريق الله ولا تحبّب لك أحب الأعمال لله فأنت في عزلة مرضية ليست صحية، فهذه الفائدة المنزهة عن كل خزعبلات الفلسفة العصرية، فالعزلة في مكنونها الجوهري إنارة البصيرة في الدين والتفرغ لأداء الواجبات الدينية وكف الأذى غير المُحتمل، وتخفيف حمل الدنيا على العواتق، كذلك العزلة لا تحرم الإنسانية من الحضور وهذا من حكمة الله في تطبّع الإنسان أن يكون إنسانًا، فالإنسان يحيا بالإنسان، فإن كانت إنسانيتك حاضرة في محيطك فأنت معتزلٌ متزن.

ومن غايات العزلة الحميدة أن تكون رفيقًا لنفسك، تسمعها، تتفهمها، تعذرها، تحنو عليها، فإن لم تكن رفيقًا لنفسك فلن تُصبح رفيقًا لأحد، فالاختلاء بالنفس وممارسة طقوس الرفقة والرفق عليها ومعها يجعلك واعيًا بذاتك وبالتالي واعيًا بمحيطك، وهذه الاختلاءات بالنفس تجعلك متزنًا بالعزلة وفي مواجهة الحياة.

بالنسبة لك قارئي العزيز، كيف نحقق الاتزان في العزلة؟

ما الذي يُشعرني بالاتزان في حياتي؟ [ وسائل الاتزان ]

ما معنى أن يكون في جُعبتك وسائل مُعينة على تحصيل الاتزان ومواجهة الاختلالات الطارئة في الحياة اليوميّة دون تدفق المزيد من الاضطرابات النفسية والسلوكية والذهنية؟ كان هذا مصبُّ اهتمامي بالفترة الماضية بعد أن عصِفت بي ظروفًا على كافة الأصعدة، اجهدت نفسي في محاولة إيجاد الحلول المُناسبة التي تحتوي الموقف وتعالجه كاملًا من جذوره، ولم أكن أطمح للتهدئة، أو الاحتواء المؤقت، وهذا ما جعل الأمر طويلًا، واستنزف الكثير من مكاسبي المختلفة كالنفسية مثلًا! وبالتأكيد سيبدو الحديث سهلًا ومنمقًا ما لم تعير تنبيهات الحياة الاهتمام المستحق، وبطبع الحياة أيضًا؛ أن من يتجاهل حدثًا منها جاءته محملة بالأحداث الأشد وطأة، هذا حقيقة ما كان يحدث معي.

خلال بحثي في نفسي أولًا عن تركيز الخطط الطارئة في جوانب حياتي المختلفة، كأن أضع مصروفًا مخصصًا للظروف المادية الطارئة في حسابٍ بنكيٍ مُستقل لا اقترب منه إلا في حالات الحاجة الشديدة، وأن أشتري قميصًا يأخذ شكلًا لطيفًا مع ثمانية تنسيقاتٍ بدلًا من قميصٍ لا يُحتمل إعادة تنسيقه، أو الاكتفاء بأربعةِ حقائب ذات ألوانٍ مُحايدة لمدة سنتين مثلًا، وما على ذات المعنى؛ بالإضافة إلى ابتكار حلقات وصل في داخل عقلي لأتمتع بمزاجٍ معتدل لأطول فترة ممكنة دون الحاجة إلى كتم مشاعرٍ تكابد عناء الخروج، كأن اعترف بأن حالتي المزاجية قد أنارت الحمراء تنبيهًا لي بأنني اليوم احتاج مساحة راحة، ومن ثم التهوين عليّ بأنها ليست حالة مستمرة، و التخفف من الأثقال التي أدت إلى هذا الاضطراب المزاجيّ، و إعطاء المناعة وقتها الجيّد لتقوم بوظيفتها وتغذيتها غذاءً مفضلًا لها ويزيدها قوة، وغيرها الكثير من الأساليب المهمة التي لا بد من جعلها نمط حياة ولا تقتصر على جانبٍ فقط دون الآخر، بل شاملة للمادة والذهن والفؤاد، وجدت أنني مقصرة جدًا في انعاش الخطط الطارئة في حياتي، وغالبًا لا أفكر فيما سيصبو إليه الغد راكضة وراء اليوم ولحظاته، وفي رحلةٍ مليئة يشهد عليها دفتري الخاص، أوجبت على نفسي عدم انتظار الصفعة من الحياة لأصحو على ما فرّطت، منوهة لنفسي أن هذا كله سأتحصَّل عليه بعد سرقة لحظاتٍ منفردة مع ذاتي، وبداية الفكرة في أمورٍ صغيرة وبسيطة قبل أن أُطبّق الخطة الطارئة مع الأمور الكبيرة والمعقدة في المواجهة، ومؤكدة بأن الاستعانة ببوصلة تبصرني على نفسي ليس أمرًا مستحيل الحدوث، ولكنه مؤجل حتى هذه اللحظة، ليقيني بأن لا أحد بإمكانه فهم شخصٍ ما إلا الشخص ذاته، بخلوته ومحاورة ذاته، والتوصل لنتائج تناسبه.

فما الذي يشعرني بالاتزان في حياتي؟ بعض عادات صغيرة وسلوكيات حياة بسيطة هي الفارق في الحالة المتزنة التي أشعر بها هذه الفترة، سأذكرها هنا للفائدة وآمل أن تُشكِّل فارقًا بالنسبة لكم أيضًا، ورغبة مني في توثيقها هنا، إذ أنني شاركتها مع الأصدقاء على صفحتي الشخصية في الانستجرام.

  • تبنِّي قاعدة التخفف :

قبل أن تَعصِف بنا جائحة كورونا، تابعت إحدى الوثائقيّات الشيِّقة والتي تختزل تجارب في فنّ التخفُّف، أو ما يُعرف بـ: The art of letting go.. Minimalism ، والتي ألهمتني لإعادة ترميم بوصلتي في إدارة حياتي ومُختلف جوانبها لتحقيق المعنى الحقيقي للحريَّة، بلا شعاراتٍ أو أنماط وهميَّة مهترئة، وكانت فترة الحجر المنزلي الفرصة الثمينة بالنسبة لي لترجمة الأمر إلى واقع أستطيع لمس محاولاتي فيه وملاحظة نتائجه وتقييمها، ولم يقتصر مفهوم التخفف على الماديّات فقط، بل يطول الأمر إلى نوعية البرامج المُحمَّلة في هاتفي المحمول، ولم أبدأ بصغائر الأمور كما اعتدت، بل بدأت بأكبر شيء أُريد تحقيق الحريَّة فيه أولًا، المنزل، فالصناديق التي تملئ أرجائه باعثة لحالات المزاج القلق، وتكدّس الكثير من الأشياء زيادةً على المخزن الذي لا أجد فيه مكانًا لأضع قدمي، كان الأمر مريعًا يا أصدقاء، الفائض مُحبط جدًا رغم أنه يعطي شعورًا بالحريّة، لكنها حريّة مزيفة ما تلبث أنّ تنهار وتصبح مصدر قلقٍ وتعاسة، وهنا نجد العقدة التي تفصل في معانِ الحرية الحقيقية، على كلٍ؛ استغرقت عملية المسح الأوليّ لما يحتويه المنزل قرابة العشرة أيّام، ومن ثمّ عشرةٍ أخرى للمسح الثاني، وفترةٍ لم أحصيها للفرز النهائي وملئ الصناديق بالفائض، وتجهيزها للتبرع بها أو إهداءها لمن حولنا، وأخيرًا، أصبح هذا الفراغ مصدرًا استمد منه قوة الاستيقاظ، والعمل، والدراسة، والترفيه، أصبح المنزل يتنفّس إن صحّ التعبير، وانتعش بذلك ساكنِيه، وهكذا إلى أن أوجدنا مواطن قوة الحب للمنزل بتخفّفه من الفائض، تبع ذلك تطبيق القاعدة على المصروفات الشهريّة ما بينَ المهمة والكماليّة وتحصيل الجودة، ومن ثمَّ التخفف النفسي والسلوكي وإعادة بناء البيئة المحيطة وتغذيتها بالأنشطة المحببة والتي تساعد على إيجاد حلقة الاتزان النفسي بداخلنا، وعلى ذات سياق القاعدة، لم تُستبعد تطبيقات الهاتف من دورة التخفف، كحذف تلك التطبيقات الخاصّة بالتسوق وخدمات المطاعم، وإغلاق تنبيهات العروض المُغرية، بالإضافة إلى مراقبة منصات التواصل الاجتماعي ذات التأثير السيئ ومتدنية الفائدة والاستغناء عنها كليًا، والمحافظة على جودة محتويات الخط الزمني في تويتر وانستجرام وصندوق البريد، ولم أتوقف عند هذا الحدّ! بل بسطت القاعدة جاذبيتها على وتيرة حياتي، وقمت ببيع/إهداء/التبرع بالكتب التي أنهيت قراءتها أو التي لم أعد بحاجة إليها لمن حولي، كذلك عرضها عبر حساباتي الشخصيّة للبيع/الاستعارة وخاصةً الكتب الجامعيّة، وهكذا طالت الحلقة لتُحيط تفاصيل منّي، وآمنت فعلًا أن التخفف أسلوب حياة يحافظ على مكتسباتنا الملموسة وغير الملموسة بجودة وحريّة حقيقية، وليس بالصعوبة التي تتبادر إلى ذهنك حالما تقرأ تخفّف، بل المعنى أن تعيش مع ما تحتاجه فعلًا، لا مع كل ما تملك.

  • تحرر من القوالب المجتمعية:

تُفصِّل المجتمعات من حولنا ثيابًا ليست صحيحة المقاس دائمًا وبأقمشةٍ تُصيبنا بالحساسية المُفرطة تجاه الحياة وتقذفنا في مضمارٍ على هامشها لنواصل الركض كما يحلو للعادات والتقاليد، سالبة منا حقنا في عيشها وتحقيق نصيبنا منها، قد نناضل، أو ننكر وجودنا في هذه الدائرة، ولكن هذا ما يُخيَّل لنا، نحن بشكلٍ أو بآخر نُحلِّق في مدارٍ قد رُسم لنا سلفًا من قِبل المجتمع، وضوابط حياتية ما أنزل الله بها سلطان، تدور بنا إلى أن نتبنى شيئًا منها جبرًا في غالِب الأحيان، واعتلت الوتيرة في هذه الفترات أكثر من قبل وأصبحت القوالب المجتمعية تحصد أكبر عددٍ من الصحة النفسية للأشخاص، وفي قرن التكنولوجيا والوسائل الرقميّة أصبح الاصطياد سهلًا وسريعًا كالفايروس، ونسابق الزمن وذواتنا لنحقق ولو واحدًا منها لنبدو في صورة المجتمع ناجحين وأكِفَّاء، الذي يحصر جميع جوانب الحياة الرحبة في قوالب مادية بحتة، وبث الشعارات الوهميَّة في عقول الفئة الشابَّة خاصة بأن النجاح والإنجاز هو مال فقط، مِمَّا دفع الكثير للتخبُّط لتحصيله، وتشويه الوظيفة في أنظارهم بأساليبٍ مموهة، والكثير من الآفات المجتمعية التي يصعب تركيزها في نقاطٍ محددة، إذ أن كل فرد يُمارس عليه أسلوب ضغط إمّا في دراسته أو وظيفته أو عائلته أو أصدقائه أو نسبه والجميع كذلك، المتعلِّم والأُميّ والعاطل والكبير والصَّغير، والأُم والصبيَّة، الجميع بلا استثناء يتعرَّض لضغط مجتمعي، البعض قد يواجه والآخر يستسلم، لكن المهم أن نعرف أن هناك ثياب اجتماعية لا تناسبنا، وقوالب تدمّرنا، وأن النجاح يبدو جليًا في أصغر التفاصيل، ليس مالًا بشكلٍ كامل، ويجب أن نعي أن ليس كل ما يتبعه الناس صحيح، ولا كل ما يُقال كذلك، ويجب أن نتحرَّر من القوالب الاجتماعية التي تُفسدنا لنحقق الاتزان الذي يجعلنا آمنين نفسيًا بعيدًا عن المقارنات والوتيرة التي لا تشبهنا.

  • تعلّم فن إعادة التدوير:

من أكثر الأساليب التي ساعدتي جدًا في تحقيق الاتزان الداخلي حين تعلمت كيف أُعيد تدوير بعض السلع والمنتجات وربما الخدمات بأقل التكاليف المادية والنفسية والجسدية، عندما كنت صغيرة في المرحلة الابتدائية كنت أدمج الأقمشة ببعضها لأحصل على مجموعة مميزة للبس، واستخدام معدات التزيين كاللؤلؤ والشرائط الملونة لتزيين أطراف القطع العلوية أو السفلية، واستخدام الخيط والابرة ومحاولة تعلّم الخياطة اليدوية النظيفة، كنت أفشل أحيانًا وتخرج من يديّ قطعة فضيعة القُبح، ولكن أيضًا هناك بعض التجارب التي لاقيت عليها مديح العائلة، وإلى الآن استخدم الخيط والابرة لتوسعة/تضييق/تقصير ملابس والدتي، وتروق لي هذه الثقة الجميلة منها، والدتي التي شهدت على كل هذه التجارب في إعادة تدوير الملابس بصدرٍ رحب، إذ أنها لم توبخني يومًا إن ضاع شيئًا من حقيبة الخياطة المفضلة لديها.

إن فن إعادة التدوير رحب ومتنوع وشامل جميع جوانب حياتنا والأشياء التي نملكها، فليس مختصرًا على الملابس فقط، ومما تأكدت منه في هذا الفن أنه يبعث على الاتزان النفسي ويُهدئ الذوات المتعطّشة للحياة المتسارعة والأنظمة الرأسمالية، ولهذا كان صاحب الأثر الأكبر فيّ.

  • أوجِد مساحتك المفضلة:

فكرة إيجاد شيء في حياتك تستمتع به جدًا وتهرب إليه من ضغوط العمل أو الدراسة أو المسؤوليات والمشاعر، وأي شيء من شأنه أن يُبعثر اتزانك، فكرة منطقية وضرورية، ربما مكان، كتاب، هواية، مهارة، طقوس، كل شيء بوسعه إضاءتك في أظلم حالاتك يمكنه أن يكون مساحتك المفضلة، بالنسبة لي منذ صغري كنت هاوية في تزيين الأوراق والكتابة وصُنع الفواصل واقتناء الكثير من كتب التلوين، وحتى عندما كبرت كبُر معي حب هذه الأشياء، فحافظت على تواجد الألوان والدفاتر والأوراق القوية في مكتبي، أهرب إليها في كل مرة أشعر بخمولٍ في الإبداع أو الكتابة، أو القيام بالمسؤوليات.. غالبًا المساحة المفضلة لدى أي شخص هي بالواقع أمر مارسه في صغره بصورةٍ متكررة، فابحث عنها.

  • مارس جلسات الاختلاء بالنفس:

يُقال أن الذي يُحاور نفسه كثيرًا ويفهم نفسه وانفعالاته وسلوكياته يُصبح متزنًا ومنضبطًا أكثر، أؤمن بهذا، لذلك كما تحتاج أهدافي وطموحاتي لمراقبة وتتبع كذلك نفسي، فالاحتواء الذاتي مطلب مهم جدًا، أن تحتوي نفسك، وتصرفاتك، وتتابع سلوكياتك، هذا سيُقرّبك لذاتك أكثر، فخصص وقتًا تجلس فيه لوحدك، وتتأكد أنك تتمتع بالصحة النفسية والحيوية الكافية.

________________

هذا ما يُشعرني بالاتزان، ولربما تُصبح هذه المقالة مطولة، لكنني سأحرص على مشاركة الجوانب المساعدة التي ترمي بفائدتها على أيامي، لأُصبح أكثر اتزانٍ، وانضباطٍ، وتهذيبٍ ذاتي، ولربما تلمس فيها عزيزي القارئ شيئًا تحبذ تطبيقه وانتهاجه.