مذكرات يومية: الجمعة!

(1)

         الجّمعـة، الثانية والربع ظهرًا، على الأريكةِ البيضاء، أحظى بوقتٍ هادئ بعدما أنهيتُ كافة الأعمال المنزلية، وفي الخلفيّةِ الصوتية: (أنا محمد الحاجّي، وهذ بودكاست آدم من ثمانية). أُتابع الحاجي من سنواتٍ طويلة، وفي أوقاتٍ سابقة كان هو الشّخص الوحيد الذي احتمل الاستماع إليه لأتفكّر وأتدبّر، وفي لحظاتٍ أخرى كنت أتقبّل النصيحة منه فقط وأرفضها من غيره. بخلاف أن تخصصه كان من طموحاتي التي تخلّيت عنها، يتناول في الحلقة هذه الطموحات الخاطئة والتخلِّي عنها، أعتقد أنّ العنوان بذاته يضرب بقعةٍ عميقةٍ داخلي! فأنا بذاتي أعيش طموحًا خاطئًا، ولكني أرفض التخلِّي عنه بأسبابي الخاصّة، يقول محمد: “هذه كلّها تكاليف غارقة، تجعل التخلّي قرارًا صعبًا للغاية، وتجعلنا نستمر حينما تجب علينا المُغادرة”، وفي موضعٍ آخر يقول: “نشعر بحميمية مع قراراتنا”، وهذا ما يُبرّر لي الاستمرار في طريقي، وبما أراه؛ فلم تكن المساوئ المقدرة مجدية للتخلِّي، وربما من الأساس هذا الطموح ليس خاطئًا وأنّ المشكلة في نظرتي أنا ومحيطي. نعم.. هذه مشكلات الإنسان.

          على جانبٍ آخر، أكثر بهجة: صدرت اليوم نتائج الفصل الدراسي النهائية، في الحقيقة كانت سنة صعبة للغاية، ثلاثة فصول بذلت فيها جهدًا مُضاعفًا، وجاء مقابله على قدره، فللعامِ الثاني على التوالي أحجز مقعدًا على مسرح التفوق، فالحمد لله حمدًا كثيرًا، والآن.. في عقلي تتراقص أفكـار (الصملة) التي يتحدّث عنها محمد الحاجي في الحلقة، فهدفي أن أُحافظ على مقعدي، و(أصمل) في آخر فتراتي في الجامعة، اسأل الله التيسير والتوفيق والسداد.

(2)

عندما أعلنت الإجازة فرحًا بها، ظنّ من حولي أنني سأُعوّضهم بوقتٍ أطول نتبادل خلاله الحديث والهموم، وأنه سوف أكون متفرِّغة فجرًا وظهرًا ومغربا، فأصبح الهاتف يُضاء على غير عادته و (الشرهات) لهذا الاختفاء تتزايد، وحمّلني الأقربون عبء التواجد، في الحقيقة منذ ذلك الوقت حتى الآن أود العيش في عزلة، أرغب بتصفية ذهني والتواجد مع نفسي أكثر من التواجد مع من حولي، أودّ التركيز عليْ، ما سأفعله وما أُريده، والتواصل مع عقلي، هذا ما كنتُ أنتظره من الإجازة، وهذا من الأساس نظرتي لمفهوم الإجازة، فما كتبته سابقًا عن لذة ترقب الإجازات: “كنت قد أخذت بجديّة منح نفسي أفضل الهدايا والأوقات، ولم أجد هدية أفضل وأصح من المزيد من الوقت الذي اسمح لنفسي فيه أن تعبث بالروتين كما يحلو لها، دون التزاماتٍ ولا أعمال”، وأُضيف إليها الآن الوقت الذي تعتزل فيه حياتك الاجتماعية قليلًا لتحظى به مع نفسك، ولنفسك، ليس أمرًا شخصيًا، ولن يكون كذلك قط.

إنَّ الأيَّامَ خزائنٌ!

هل بإمكان الأيَّام أن تكون كمِنْدِيلٍ لَطيف الملمس تمسَح به على قلبك فيُضمد جرحك؟ إليك رأيي، إن هذه الحياة تهون إن حَمِلَ همَّها شخصان، وحَمِلَ هذين الشخصين هَمْيِّ بعضيهما، ويدًا بيد مضيا، ونتذكَّر في هذا مشهد الغارِ الذي شَهِدَ على محبّة وتوافق الرسول -صلى الله عليه وسلم- ورفيق دربه الصِّدِّيق أبو بكر -رضي الله عنه-، اللذَيْن حَمِلا همومَ الدعوة والإصلاح وتلبية النداء معًا، وبينما الصِّراع قائمٌ حول الغار، إلا أن داخله مُطمئنًا بطمأنينة ساكنيه، وساكنٌ بترتيلِ الآيات الكريمة، وتربيت الكتف التي يحفظَان بها رباطة جأشهما.

لكمّ مر على رسول الله ورفيقه المتاعِب، ولكن الله منحهما القوة من عنده أولًا ثمّ من بعضيهما، يُروى أنه قال -صلى الله عليه وسلم-: (… ولو كُنتُ متخذًا من أهل الأرض خليلًا لاتخذتَ أبا بكرٍ خليلًا) وفي اللغة العربية يُرمز بالخليلِ بالوَفاءِ والإخلاصِ وحُسنِ الرِّفقة، يا الله! منزلةٌ عظيمة بسلامة سريرتهما، وإعانتهما لبعضهما، وماهيَ إلا مضرب مثلٍ يُشاد به البنانَ في علاقاتنا الاجتماعيةِ الآن، وبخلافِ التصنيفِ إن كانت صداقةٍ أو أُخوَّةٍ أو زوجٍ وزوجة وأُم وطفلها وأب وطفلته، هذه الحياة تُصبح سهلةً متى ما كانَ هناك من تشدّ عضدُك به، أيضًا.. ألم تَقُل لك والدتكَ يومًا صَاحِب الصَّالحين تصطلحُ بهم؟ أعتقد أن جميعنا نُصحنا بهذه النصيحة الثمينة.

ثمّ إن كل تلك التفاصيل التي تمرّ بها مع الشخص الآخر إن كان صديقًا، أو أخًا، أو زوجًا، أو زوجةً، وما إلى ذلك.. تجتمع لتَكبُر، وتكوِّن تلك العقدة السميكة التي يُقال عنها المواقِف، والتي تُحافظ على عدم وصولِ علاقتكما معًا إلى نقطة النهايةِ الحزينة تلك، أيّ الافتراق.. وربما هيَ أيضًا من يُعجِّل بانتهاءِ علاقتكما، الأمر أشبه بأن يكونَ لك وعاءً واسعًا وكلاكما تضعانِ فيه همومكما، حديثكما الذي لن يخرج، وحزمة مشاعركما باطمئنانٍ أنها لن تُهِزّ نظرة أحدكما بالآخر، أيضًا كل تلك الكلمات التي تشدّان من أزركما بها، والوقفاتِ التي تُهوِّنا عن بعضيكما بها، هذه كلها تصنع أيامًا حنونة ودافئة تُصبح كالضماد الذي حال أن تتذكرونها تتنهّدانِ العزيمة والصّبر، والأمل، والتفاؤل، والإصرار.

ولهذا يُمكن للأيّامِ أن تكون كمِنْدِيلٍ لَطيف الملمس تمسَح به على قلبك فيُضمد جرحك، وتقوى خطوتك، وتصلُح نفسك، وإنّ الأيّام التي نقضيها مع شخصٍ آخر نُنزله منزلة الخليل ما هيَ إلا قوى نستهلِك منها ما يزيدنا بصيرة للسيرِ في متاهاتِ الحياة، ثمَّ إن الأيَّام خزائنٌ فانتقِ الذي يملؤها معك كما يُحب الله، ويُعينك على ذلك.