ما الذي يُشعرني بالاتزان في حياتي؟ [ وسائل الاتزان ]

ما معنى أن يكون في جُعبتك وسائل مُعينة على تحصيل الاتزان ومواجهة الاختلالات الطارئة في الحياة اليوميّة دون تدفق المزيد من الاضطرابات النفسية والسلوكية والذهنية؟ كان هذا مصبُّ اهتمامي بالفترة الماضية بعد أن عصِفت بي ظروفًا على كافة الأصعدة، اجهدت نفسي في محاولة إيجاد الحلول المُناسبة التي تحتوي الموقف وتعالجه كاملًا من جذوره، ولم أكن أطمح للتهدئة، أو الاحتواء المؤقت، وهذا ما جعل الأمر طويلًا، واستنزف الكثير من مكاسبي المختلفة كالنفسية مثلًا! وبالتأكيد سيبدو الحديث سهلًا ومنمقًا ما لم تعير تنبيهات الحياة الاهتمام المستحق، وبطبع الحياة أيضًا؛ أن من يتجاهل حدثًا منها جاءته محملة بالأحداث الأشد وطأة، هذا حقيقة ما كان يحدث معي.

خلال بحثي في نفسي أولًا عن تركيز الخطط الطارئة في جوانب حياتي المختلفة، كأن أضع مصروفًا مخصصًا للظروف المادية الطارئة في حسابٍ بنكيٍ مُستقل لا اقترب منه إلا في حالات الحاجة الشديدة، وأن أشتري قميصًا يأخذ شكلًا لطيفًا مع ثمانية تنسيقاتٍ بدلًا من قميصٍ لا يُحتمل إعادة تنسيقه، أو الاكتفاء بأربعةِ حقائب ذات ألوانٍ مُحايدة لمدة سنتين مثلًا، وما على ذات المعنى؛ بالإضافة إلى ابتكار حلقات وصل في داخل عقلي لأتمتع بمزاجٍ معتدل لأطول فترة ممكنة دون الحاجة إلى كتم مشاعرٍ تكابد عناء الخروج، كأن اعترف بأن حالتي المزاجية قد أنارت الحمراء تنبيهًا لي بأنني اليوم احتاج مساحة راحة، ومن ثم التهوين عليّ بأنها ليست حالة مستمرة، و التخفف من الأثقال التي أدت إلى هذا الاضطراب المزاجيّ، و إعطاء المناعة وقتها الجيّد لتقوم بوظيفتها وتغذيتها غذاءً مفضلًا لها ويزيدها قوة، وغيرها الكثير من الأساليب المهمة التي لا بد من جعلها نمط حياة ولا تقتصر على جانبٍ فقط دون الآخر، بل شاملة للمادة والذهن والفؤاد، وجدت أنني مقصرة جدًا في انعاش الخطط الطارئة في حياتي، وغالبًا لا أفكر فيما سيصبو إليه الغد راكضة وراء اليوم ولحظاته، وفي رحلةٍ مليئة يشهد عليها دفتري الخاص، أوجبت على نفسي عدم انتظار الصفعة من الحياة لأصحو على ما فرّطت، منوهة لنفسي أن هذا كله سأتحصَّل عليه بعد سرقة لحظاتٍ منفردة مع ذاتي، وبداية الفكرة في أمورٍ صغيرة وبسيطة قبل أن أُطبّق الخطة الطارئة مع الأمور الكبيرة والمعقدة في المواجهة، ومؤكدة بأن الاستعانة ببوصلة تبصرني على نفسي ليس أمرًا مستحيل الحدوث، ولكنه مؤجل حتى هذه اللحظة، ليقيني بأن لا أحد بإمكانه فهم شخصٍ ما إلا الشخص ذاته، بخلوته ومحاورة ذاته، والتوصل لنتائج تناسبه.

فما الذي يشعرني بالاتزان في حياتي؟ بعض عادات صغيرة وسلوكيات حياة بسيطة هي الفارق في الحالة المتزنة التي أشعر بها هذه الفترة، سأذكرها هنا للفائدة وآمل أن تُشكِّل فارقًا بالنسبة لكم أيضًا، ورغبة مني في توثيقها هنا، إذ أنني شاركتها مع الأصدقاء على صفحتي الشخصية في الانستجرام.

  • تبنِّي قاعدة التخفف :

قبل أن تَعصِف بنا جائحة كورونا، تابعت إحدى الوثائقيّات الشيِّقة والتي تختزل تجارب في فنّ التخفُّف، أو ما يُعرف بـ: The art of letting go.. Minimalism ، والتي ألهمتني لإعادة ترميم بوصلتي في إدارة حياتي ومُختلف جوانبها لتحقيق المعنى الحقيقي للحريَّة، بلا شعاراتٍ أو أنماط وهميَّة مهترئة، وكانت فترة الحجر المنزلي الفرصة الثمينة بالنسبة لي لترجمة الأمر إلى واقع أستطيع لمس محاولاتي فيه وملاحظة نتائجه وتقييمها، ولم يقتصر مفهوم التخفف على الماديّات فقط، بل يطول الأمر إلى نوعية البرامج المُحمَّلة في هاتفي المحمول، ولم أبدأ بصغائر الأمور كما اعتدت، بل بدأت بأكبر شيء أُريد تحقيق الحريَّة فيه أولًا، المنزل، فالصناديق التي تملئ أرجائه باعثة لحالات المزاج القلق، وتكدّس الكثير من الأشياء زيادةً على المخزن الذي لا أجد فيه مكانًا لأضع قدمي، كان الأمر مريعًا يا أصدقاء، الفائض مُحبط جدًا رغم أنه يعطي شعورًا بالحريّة، لكنها حريّة مزيفة ما تلبث أنّ تنهار وتصبح مصدر قلقٍ وتعاسة، وهنا نجد العقدة التي تفصل في معانِ الحرية الحقيقية، على كلٍ؛ استغرقت عملية المسح الأوليّ لما يحتويه المنزل قرابة العشرة أيّام، ومن ثمّ عشرةٍ أخرى للمسح الثاني، وفترةٍ لم أحصيها للفرز النهائي وملئ الصناديق بالفائض، وتجهيزها للتبرع بها أو إهداءها لمن حولنا، وأخيرًا، أصبح هذا الفراغ مصدرًا استمد منه قوة الاستيقاظ، والعمل، والدراسة، والترفيه، أصبح المنزل يتنفّس إن صحّ التعبير، وانتعش بذلك ساكنِيه، وهكذا إلى أن أوجدنا مواطن قوة الحب للمنزل بتخفّفه من الفائض، تبع ذلك تطبيق القاعدة على المصروفات الشهريّة ما بينَ المهمة والكماليّة وتحصيل الجودة، ومن ثمَّ التخفف النفسي والسلوكي وإعادة بناء البيئة المحيطة وتغذيتها بالأنشطة المحببة والتي تساعد على إيجاد حلقة الاتزان النفسي بداخلنا، وعلى ذات سياق القاعدة، لم تُستبعد تطبيقات الهاتف من دورة التخفف، كحذف تلك التطبيقات الخاصّة بالتسوق وخدمات المطاعم، وإغلاق تنبيهات العروض المُغرية، بالإضافة إلى مراقبة منصات التواصل الاجتماعي ذات التأثير السيئ ومتدنية الفائدة والاستغناء عنها كليًا، والمحافظة على جودة محتويات الخط الزمني في تويتر وانستجرام وصندوق البريد، ولم أتوقف عند هذا الحدّ! بل بسطت القاعدة جاذبيتها على وتيرة حياتي، وقمت ببيع/إهداء/التبرع بالكتب التي أنهيت قراءتها أو التي لم أعد بحاجة إليها لمن حولي، كذلك عرضها عبر حساباتي الشخصيّة للبيع/الاستعارة وخاصةً الكتب الجامعيّة، وهكذا طالت الحلقة لتُحيط تفاصيل منّي، وآمنت فعلًا أن التخفف أسلوب حياة يحافظ على مكتسباتنا الملموسة وغير الملموسة بجودة وحريّة حقيقية، وليس بالصعوبة التي تتبادر إلى ذهنك حالما تقرأ تخفّف، بل المعنى أن تعيش مع ما تحتاجه فعلًا، لا مع كل ما تملك.

  • تحرر من القوالب المجتمعية:

تُفصِّل المجتمعات من حولنا ثيابًا ليست صحيحة المقاس دائمًا وبأقمشةٍ تُصيبنا بالحساسية المُفرطة تجاه الحياة وتقذفنا في مضمارٍ على هامشها لنواصل الركض كما يحلو للعادات والتقاليد، سالبة منا حقنا في عيشها وتحقيق نصيبنا منها، قد نناضل، أو ننكر وجودنا في هذه الدائرة، ولكن هذا ما يُخيَّل لنا، نحن بشكلٍ أو بآخر نُحلِّق في مدارٍ قد رُسم لنا سلفًا من قِبل المجتمع، وضوابط حياتية ما أنزل الله بها سلطان، تدور بنا إلى أن نتبنى شيئًا منها جبرًا في غالِب الأحيان، واعتلت الوتيرة في هذه الفترات أكثر من قبل وأصبحت القوالب المجتمعية تحصد أكبر عددٍ من الصحة النفسية للأشخاص، وفي قرن التكنولوجيا والوسائل الرقميّة أصبح الاصطياد سهلًا وسريعًا كالفايروس، ونسابق الزمن وذواتنا لنحقق ولو واحدًا منها لنبدو في صورة المجتمع ناجحين وأكِفَّاء، الذي يحصر جميع جوانب الحياة الرحبة في قوالب مادية بحتة، وبث الشعارات الوهميَّة في عقول الفئة الشابَّة خاصة بأن النجاح والإنجاز هو مال فقط، مِمَّا دفع الكثير للتخبُّط لتحصيله، وتشويه الوظيفة في أنظارهم بأساليبٍ مموهة، والكثير من الآفات المجتمعية التي يصعب تركيزها في نقاطٍ محددة، إذ أن كل فرد يُمارس عليه أسلوب ضغط إمّا في دراسته أو وظيفته أو عائلته أو أصدقائه أو نسبه والجميع كذلك، المتعلِّم والأُميّ والعاطل والكبير والصَّغير، والأُم والصبيَّة، الجميع بلا استثناء يتعرَّض لضغط مجتمعي، البعض قد يواجه والآخر يستسلم، لكن المهم أن نعرف أن هناك ثياب اجتماعية لا تناسبنا، وقوالب تدمّرنا، وأن النجاح يبدو جليًا في أصغر التفاصيل، ليس مالًا بشكلٍ كامل، ويجب أن نعي أن ليس كل ما يتبعه الناس صحيح، ولا كل ما يُقال كذلك، ويجب أن نتحرَّر من القوالب الاجتماعية التي تُفسدنا لنحقق الاتزان الذي يجعلنا آمنين نفسيًا بعيدًا عن المقارنات والوتيرة التي لا تشبهنا.

  • تعلّم فن إعادة التدوير:

من أكثر الأساليب التي ساعدتي جدًا في تحقيق الاتزان الداخلي حين تعلمت كيف أُعيد تدوير بعض السلع والمنتجات وربما الخدمات بأقل التكاليف المادية والنفسية والجسدية، عندما كنت صغيرة في المرحلة الابتدائية كنت أدمج الأقمشة ببعضها لأحصل على مجموعة مميزة للبس، واستخدام معدات التزيين كاللؤلؤ والشرائط الملونة لتزيين أطراف القطع العلوية أو السفلية، واستخدام الخيط والابرة ومحاولة تعلّم الخياطة اليدوية النظيفة، كنت أفشل أحيانًا وتخرج من يديّ قطعة فضيعة القُبح، ولكن أيضًا هناك بعض التجارب التي لاقيت عليها مديح العائلة، وإلى الآن استخدم الخيط والابرة لتوسعة/تضييق/تقصير ملابس والدتي، وتروق لي هذه الثقة الجميلة منها، والدتي التي شهدت على كل هذه التجارب في إعادة تدوير الملابس بصدرٍ رحب، إذ أنها لم توبخني يومًا إن ضاع شيئًا من حقيبة الخياطة المفضلة لديها.

إن فن إعادة التدوير رحب ومتنوع وشامل جميع جوانب حياتنا والأشياء التي نملكها، فليس مختصرًا على الملابس فقط، ومما تأكدت منه في هذا الفن أنه يبعث على الاتزان النفسي ويُهدئ الذوات المتعطّشة للحياة المتسارعة والأنظمة الرأسمالية، ولهذا كان صاحب الأثر الأكبر فيّ.

  • أوجِد مساحتك المفضلة:

فكرة إيجاد شيء في حياتك تستمتع به جدًا وتهرب إليه من ضغوط العمل أو الدراسة أو المسؤوليات والمشاعر، وأي شيء من شأنه أن يُبعثر اتزانك، فكرة منطقية وضرورية، ربما مكان، كتاب، هواية، مهارة، طقوس، كل شيء بوسعه إضاءتك في أظلم حالاتك يمكنه أن يكون مساحتك المفضلة، بالنسبة لي منذ صغري كنت هاوية في تزيين الأوراق والكتابة وصُنع الفواصل واقتناء الكثير من كتب التلوين، وحتى عندما كبرت كبُر معي حب هذه الأشياء، فحافظت على تواجد الألوان والدفاتر والأوراق القوية في مكتبي، أهرب إليها في كل مرة أشعر بخمولٍ في الإبداع أو الكتابة، أو القيام بالمسؤوليات.. غالبًا المساحة المفضلة لدى أي شخص هي بالواقع أمر مارسه في صغره بصورةٍ متكررة، فابحث عنها.

  • مارس جلسات الاختلاء بالنفس:

يُقال أن الذي يُحاور نفسه كثيرًا ويفهم نفسه وانفعالاته وسلوكياته يُصبح متزنًا ومنضبطًا أكثر، أؤمن بهذا، لذلك كما تحتاج أهدافي وطموحاتي لمراقبة وتتبع كذلك نفسي، فالاحتواء الذاتي مطلب مهم جدًا، أن تحتوي نفسك، وتصرفاتك، وتتابع سلوكياتك، هذا سيُقرّبك لذاتك أكثر، فخصص وقتًا تجلس فيه لوحدك، وتتأكد أنك تتمتع بالصحة النفسية والحيوية الكافية.

________________

هذا ما يُشعرني بالاتزان، ولربما تُصبح هذه المقالة مطولة، لكنني سأحرص على مشاركة الجوانب المساعدة التي ترمي بفائدتها على أيامي، لأُصبح أكثر اتزانٍ، وانضباطٍ، وتهذيبٍ ذاتي، ولربما تلمس فيها عزيزي القارئ شيئًا تحبذ تطبيقه وانتهاجه.

4 رأي حول “ما الذي يُشعرني بالاتزان في حياتي؟ [ وسائل الاتزان ]

  1. الاختلاء بالنفس من اكثر الامور التي كنت امارسها مع نفسي ف معها عرفت اهدافي و تحققت من مشاعري في كثير من الامور , اختليت بنفسي حتى احببت الجلوس بمفردي حتى كان المهرب هو احدى الفعاليات المفضلة في اليوم 🙂

    إعجاب

اترك رداً على حمد الحسن إلغاء الرد