تأملات في العزلة المزمنة

قديمًا كانت العزلة الإجبارية نوع من أنواع العقاب للإنسان المُذنب، ويتم تعذيبه نفسيًا وعقليًا بحبسه فترات طويلة في غرفةٍ ضيّقة وحرمانه من الخُلطة في المجتمع حوله، ومن هنا ظهر مبدأ السجون الانفرادية كوجه آخر من أوجه كف أذى المذنب عن الناس، ويُعاقب الطفل المثير للفوضى والعصيان في غرفته أو حدود المنزل وحرمانه من الخروج، كذلك في اعتزال الصديق أو القريب الذي أساء إلينا وعدم تكرار الحديث معه، ومن هذه السلوكيات قد يُخيّل أنها ردة فعل صحية ولكنها جاءت ببند التعذيب، تعذيب الشخص ذاته أو تعذيب أحد المحيطين به، أو تعذيبٌ للإقرار بالخطأ والعدول عنه، وبينما للعزلة مستويات للخطر أود التأمل في المرتبة التامّة والحادة، أو المزمنة إن صحَّ الوصف، تلك الحالة المفترسة بذاتها من حالات العزلة.

وبخلاف أن للعزلةِ مراتبٍ ودرجات قبل الوصول للمقامِ القاتل، إلا أنه هناك فرقًا جوهريًا بين العزلة والوحدة والاختلاء بالنفس، وتلك المفترقات هي المحرك الرئيسي لدوران عجلة الخوض في العزلة كمفهومٍ مُشوّه حتى القرن الحالي، مما أنتج تأملاتٍ فلسفية كلٍ بما تملي عليه مآل نفسه، وتتجلَّى كانعكاساتٍ لحالته النفسية، والوعي بحد ذاته بمتاهات العزلة النفسية والعقلية دافع للاتزان، فالعزلة ستُصبح أجدى علاجيًا إن مُورست بطريقتها الصحيحة، ولن تعرف مجالًا للممارسة السليمة إلا إن اتبعت مبدأ الخلوة بالنفس بطريقةٍ سليمة أيضًا.

بالنسبة لي أرى العزلة كقطعة نقدية ذات وجهين، يحمل كل وجه منحنيات غير مرئية تتصل باتصالٍ وثيق في الحاجة الغريزية للإنسان ومشاعره ومولّدات صحته النفسية الطبيعية والعقلية كذلك، وتؤدي التأثيرات المخالفة لكل ذلك إلى حالة من الاضطراب قد تتعمق لتولِّد بدورها اختلال في طبيعة الإنسان يستنزف جلسات علاجية تستهدف إعادة البناء في جذور الغريزة الإنسانية، ليبدو إنسانًا صحيًا سليمًا، ولهذا أُشبّه العزلة المزمنة بحالةٍ مُفترسة، لن تنتظر لك رأي، قد تصيبك وتزعزعك من أضعف حالاتك الوجدانية، عندما تفقد حلم/حبيب/عزيز/بيت/سيارة، أو يخيب أملك، وهذه الحالات الوجدانية الضعيفة في الإنسان والتي من خلالها تدخل العزلة لحياته وتمهّد للاكتئاب وبقية الآفات النفسية مجلسًا، لذلك فإن العزلة ليست ردة فعل صحية مطلقة، والإفراط بالاعتزال يسبب نتائج وخيمة.

إذًا كيف نتزن بالعزلة؟

نتزن بالعُزلة إن أصبح في مخزوننا تنشئة مستمرة للعلاقة بيننا وبين الله، فإن كانت عُزلتك لا تبصرك لطريق الله ولا تحبّب لك أحب الأعمال لله فأنت في عزلة مرضية ليست صحية، فهذه الفائدة المنزهة عن كل خزعبلات الفلسفة العصرية، فالعزلة في مكنونها الجوهري إنارة البصيرة في الدين والتفرغ لأداء الواجبات الدينية وكف الأذى غير المُحتمل، وتخفيف حمل الدنيا على العواتق، كذلك العزلة لا تحرم الإنسانية من الحضور وهذا من حكمة الله في تطبّع الإنسان أن يكون إنسانًا، فالإنسان يحيا بالإنسان، فإن كانت إنسانيتك حاضرة في محيطك فأنت معتزلٌ متزن.

ومن غايات العزلة الحميدة أن تكون رفيقًا لنفسك، تسمعها، تتفهمها، تعذرها، تحنو عليها، فإن لم تكن رفيقًا لنفسك فلن تُصبح رفيقًا لأحد، فالاختلاء بالنفس وممارسة طقوس الرفقة والرفق عليها ومعها يجعلك واعيًا بذاتك وبالتالي واعيًا بمحيطك، وهذه الاختلاءات بالنفس تجعلك متزنًا بالعزلة وفي مواجهة الحياة.

بالنسبة لك قارئي العزيز، كيف نحقق الاتزان في العزلة؟

رأيان حول “تأملات في العزلة المزمنة

  1. أورادي اليومية لو قصرت بها اختل توازن حياتي كاملة وليس عزلتي فقط، ابحث عن خلوة في يومي أتمم فيها أورادي وتسكن بها نفسي بعد أداء الفرائض طبعا.

    إعجاب

اترك رداً على هاجَر إلغاء الرد