(١)
الثلاثاء، السادسة مساءً، مقهى on level، قهوتي المعتادة سوداء بالبُن الاثيوبي، الموظفة هنا لطيفة، كريمة بالابتسامة، وعلى غير العادة كان المكان اليوم مُزدحم، نسيتُ السماعات، ودفتر الخطط، في مسائل تدوين الخطط أحب استخدام الورقة والقلم، وتفريع كل فكرة وخطة لخرائط ذهنية وكلمات مفتاحية، لذا سأتجّه للجهاز اللوحي للكتابة، لا أملك موضوعًا محددًا، رأسي يؤلمني.. فقط! ربّما بسبب الكلمات والعناوين المضيئة نتج هذا الألم! لا أعرف. أقرأ هذه الأيام مقالات عن التشتت، كخطوة جادة لمعالجته قبيل بدء العام الدراسي الأخير، واستعادة اللياقة الذهنية مجددًا.
الصيّف، لكم حرمني الصّيف مُتعة الخروج نهارًا والتنزه. بات يُفسد مزاجي جدًا، لم يعد بإمكاني التمسّك بالانشراح لأكثر من ثانيتين، في حقيقة الأمر أخوض تناقضًا للصيف! أحب الشمس السّاطعة وانعكاسها على كل شيء حولي، أضع أريكة الجلوس في مقابلها، أحب التأمل بتحركاتها عبر أشعّتها على الحائط والأثاث، لهذا لم أضع الستائر العازلة في غرفتي، ولا أفكِّر بذلك أبدًا. وعلى الجانب الآخر أكره أن تكون سببًا واضحًا لإفساد مشاعري. ولكن أخطط لنفسي منحها وقت هادئ خارج المنزل في فترات الصّباح. ربما غدًا. سأحرص أن تكون قبل بدء الفصل الدراسي.
تبقّى على الميلاد خمسة أيام، امتناني لنفسي هذه السّنة عظيم، عظيمٌ جدًا. عندما استعيد المد والجزر وعواصف السّنة ومسرّاتها ونجاحاتي، وكل اللحظات التي شارفتُ بسببها على إفلات إيماني بذاتي، تتحرّك في داخلي رغبة الاحتفال بهذا اليوم -المستحب بالطبع-.
أقرأ في رواية من روايات هاروكي، عند الصّفحة ٢٠٥ أنظر الصفحات السّابقة، والسطور التي ظلّلتها، الكتاب حتى الآن نظيف، لا توجد اقتباسات محبّبة ولا فصول تستوقف الانتباه، ولا ملحوظاتي المعتادة التي أدسّها في كل صفحةٍ توسّع إدراكي أو تُحرّك خيالي، ضجيج تفاصيل وأوصاف لا أعرف أحمّلها على موراكامي أو أسقطها على المتـرجم، هذه المرة الأولى التي أقرأ للكاتب، ربما وقع اختياري على كتاب لا يناسبني وأن عداه من المؤلف سيُعجبني، أو كانت هذه بذاتها أسوء مؤلفاته.
(٢)
الخميس، ٨:٤٣ صباحًا، وردنا خبر وفاة جدتي، مرّ وقت طويل على آخر اجتماعٍ بيننا، لا أذكر الكثير من ضحكاتها وسعادتها، لكن أذكر مشهدًا يتيمًا من مرضها، عكّازها، حبوها للانتقال من مكانٍ لآخر كالرّضيع. شرود ذهنها عن الضّيوف فجأة، وتبحلق في الجميع واحدًا تلو الآخر، ثم تضعُ ثقلها على سريرها الصّلب، تنظر للسقف بلا تعابير وتغط في نومها، في كل مرةٍ يطرأ على بالي مشهد عجزها عن الحراك وحاجتها الماسّة لمن يعتني بها في كل الأحوال، حتى بشأن الذهاب إلى دورة المياه، أرغب بشدة أن أتولى الاهتمام بها، وأرجو الله ألّا أكبر لهذه المرحلة وأعيش هذه الحاجة. رحمها الله رحمةً واسعة.
أُجبر نفسي للنهوض، انغمرُ بالدعاء لفقيدتنا، كان كل شيء غير طبيعي وكل شيء يذهبُ بذاكرتي لحالها قُبيل الوفاة، الجو داكن وجدًا حزين.. وأنا لا أُتقن المواساة، أرى في الجميع الثبات، وأخاف التفوه بكلمةٍ واحدة ربّما تكون سببًا للانهيار، عندما توفى إخوتي، كانت تُغضبني أصوات العزاء، ويُقهر داخلي عندما أُجبر على تحمّل كم -السواليف- التي تتطاير في منزلنا، إحداهن استنزفت والدتي بالمحادثات وتشجيعها لباقي الحضور على مشاركتهما الحديث، تدّعي بهذا الفعل تشتيت الحزن عنّا. كانت حيوية بشكلٍ لا اعتبره لائق بمقدار حزننا. وكثيرة كلام وأدت به صمتنا. الآن؛ أُفكّر بالمشاعر آنذاك، فاعتزم الصّمت. قد أرى حسن نيتها لمواساتنا، لكن لا أرى أن هذه اللياقة الكلامية وإلقاء النكت البلهاء تُسعد الحزين أو تُخفّف وطأة الحزن عليه، بل تزيد من ذلك. هذا الرّبط للتشجيع على الصّمت في أيام العزاء، وعدم إطالة المكوث وتحميل أهل المنزل مسؤولية إطعامكم! هذا الألم بذاته لا يحتمل هذا السلوك.
(٣)
السّبت، في هذه الآونة أكتب في الليل، أضع ثقل اليوم في مسودّة أحدد لاحقًا مصيرها، غدًا سنعود جميعًا للسّعي، للوظائف، والمدارس والجامعات، ويُوافق أيضًا يوم ميلادي، الرّابع من صَفر. كانت لدي خطط كثيرة بشأنه، ومشاعر تترقّب! لكن الآن كل شيء تغيّر، لا أرغب بجعله يومًا استثنائيًا. ولكن مُمتنة على كل حال.

استمت بمزدانة وحديثها الأنيق..
إعجابإعجاب
استمتعت بمزدانة وحديثها الأنيق، رحم الله جدتك رحمة واسعة .
وكل عامِ وأنتِ مُزهرة ✨
إعجابLiked by 1 person
شكرًا لكِ هيفاء، ممتنة لوجودك هنا💕
إعجابإعجاب