السُّرورُ في مُزدَانة

        التاسعة صباحًا، أعود لمسودَّة الأفراح خاصتي والتي تحكي عنّ هــاجَر لشهرين متتاليين، الآن عندما قرأتها تأهبًا لنشرها، وجدتها طويلة جدًا وليس من المناسب نشرها كاملةً وسط تضاءل مستوى القراء وهذا الابتعاد الطويل عن مُزدَانــة. لكن أيقنت أن مشاعر الفرح كفاتحة شهيّة للكتابة، للأكل والعيش، للقهوة، والاقبال على الحياة، مُجدِّدة للطاقة! لا أعرف كيف أجد وصفًا لائقًا بالفترة -الذهبية- التي أعيش فيها، ولكن منذ الرّابع من شوال وحتى اليوم السّابع من ذي الحجة أحصد نجاحات في الأصل هي خطوات خجولة ومفعمة باليقين وقصيــــرة، رغبت كثيرًا أن أُشاركها أولًا بأول، وقرّرت أخيرًا أن تجتمع في مسودة ريثما أنظر إليها جيدًا. الآن وبعد النظر أُردِّد لنفسي: تليق بكِ الأفـــراح.

        الخامس من شوال، أولى محاضرات البرنامج التأهيلي -برنامج المحاسبين المميزين-، بالأمس كان حلمًا بسيطًا، واليوم أنا أعيشـــه واقعًا، حاولت الانضمام في الدفعــة الرابعة والخامسة منه، ولكن كان نصيبي أن أُقْبَل في الدفعة السادسة -دفعة الفخر-، وكلّ أمري خير. إذن؛ فصل التخرج، برنامج تأهيلي، وظيفة، أعمال حرّة! حتى الآن لا أعرف لما خضت كل هذه التحدّيات في آنٍ واحد، ولكن النتيجة أنّ الله أراد أن تأتي بهذا الشكل كالمواساة، ثمّ أنني نجحت بتلك التحديات بجانب أموري الخاصّة، وهذا يكفيني حاليًا، ولعلّ: “جيتني مثل الشروق اللي محا عتم الليالي” تصف الأمر بكفاءة!

(2)

       وشاح التخرج بجانبي، والعباءة على مدّ بصري، استرق النظر الخجول بين الحين والآخر.. هل ما أراه حقيقة؟ إنّ بيتي يحتضن حلمي، والركن الذي لطالما شهد صراعات الدراسة، يتزيّن اليوم بملحقات الاحتفـال، ثمّ رسميًا بت أُعلن نفسي جهرًا: أنا هاجَر، خريجة قسم المحاسبة بدرجة البكالوريوس، مع مرتبة الشرف.

      سعدت بترشيح اسمي للمشاركة في الاحتفال للمرة الثانية على التوالي، واسنادي مهمّـــة إلقاء كلمة الخريجات، سعادة غامرة وثقــــة كبيرة من أساتذتي في المرّة الأولى د. فاطمة الدراويش، والثانية من د. نهــــى علي، وجزيل الشّكر للأساتذة: د. جواهـــر عتيق، د. ولاء محروس، د. شريهان ممدوح، د. أريج الحجاز، والأستاذة الفــــاضلة: وجود المدني. مهما حاولت شكرهنّ قليل، وعاجــــزة عن وصف أثر تشجيعهن الصّادق على قلبي، فشكرًا من القــلب. في اللقاء الأول لقياس قوّة الأصوات المرشحة لإلقاء فقرات الاحتفال، سرّني اطراء المنظمة: “هاجَر لا تحتاج لمقاييس وبروفات، هي متمكنة”، وعلى الجانب الآخر، نستفتح مقررات الأسبوع الخامس من برنامج المحاسبين المميزين، والآن حيث أنظر للحال الذي آل إليه السّعي الحثيث لأكون أفضــــل فيما أنا أُفضِّل فعله أقول: “وَلَسوفَ يُعطِيـــك ربّك فترضـــى”، حمدًا لك يا الله.

(3)

الثلاثاء، 28 شوال 1445هـ

      اليوم المُنتظر، يوم الحقيقة! يوم النّور لحلمي، والسرّور لقـــلبي، بساعات نومٍ مُتقطِّعــــة وبمعدةٍ تتوق للسكريات، أنتظر الآن في استراحـة صالون تجميل نسائي، أُفكِّر كيف ستكون تفاصيل اليـــوم، ارسم في مخيلتي الطريقـــة التي سأُلقــي بها نيابةً عن مئات الخريجات كلمتهن، ثمّ كيف سأسير بعباءة التخرج! العباءة التي تمنّيت ارتداءها سنين طـويلة.

     السادسة مساءً، إلى المــركز الحضاري، مكان إقامة الحفل، الوجهة الأولى بوابة المســـــرح، واستلام الكلـــمة، ثمَّ: “أيّها الحضور الكريم”، ما بين ست مئة مستمعٍ ومتفرّج.

(لعل الصّورة أبلغ من الكتابة)

(4)

السبت 17 ذو القعدة 1445هـ

      اليوم وبالتزامن مع تسليم آخر حالة عمـــلية، ينتهي البرنامج التطبيقي التأهيلي لسوق العمـــل -برنامج المحاسبين المميزين-، بدفعته السّادسة، من أمتع تجاربي هذه السّنة، ستة أسابيع تعرّفت فيها يوميًا على مسار المحاسبة، ولمست خلالها أن التعليم الأكاديمي لا يُشكّل إلا نسبة بسيطـة من التكوين المعرفي للخرّيج، أيضًا؛ تمكّنت خلاله من إنشاء نظام محاسبي متكامل على Excel وتنفيذ العمليات المـــالية وإعداد ميزان المراجعة على Odoo وبحمد الله تم اجتيازي بنجاح من البرنامج، وعلى نار أنتظـــر يقين الاجتياز بالوثيقة.

     على الجانب الآخر..

أُفكِّر بالأحــداث من التاسع من رمضان وحتى اليـوم، أتأمّل كيف بخطوةٍ واحدة خاطئة كادت أن تنتزع مني خطواتي النّاجحة قبلها، مع يقيني التام بأنّي لست الطرف الخاسر فيها، ولست المُقصِّر أيضًا، ولكنّها صفعة تُبصرك بقيمتك، وتُحوِّل بصيرتك لفرصٍ أكثر جدوى وتقوم بمقام الطبطبة: هناك ما يستحق طاقتك! وتتوالى النجاحات الصّغيرة بعد استدارةٍ سـريعة! بالإضـــافة إلى أن العقبات تلك والنجاحات على حدٍ سواء تكشف لك حقيقة دائرتك أو زيفها، ثم أُكرّر: “ربّ نجاحٍ ما، كشف حاسدٍ مُختبئ”.

(5)

26 ذو القعدة 1445هـ

      يوم الثأر من العقبات، اليوم الذي قرّرت فيه إقــــامة احتفالي بهاجَر المسؤولة/المكافحة/المتفائلة/الصّامدة/ الصابرة/الناجحة، وإن كان هناك أوصافًا أكثر عمــق من تلك ما بخلت على هاجَر بها أبدًا. لم تكن الرحلة سهلة، ولم تكن ظروفه مُيسِّرة على الحلم، ولكنني -وبتوفيق الله- فعلتها.

(مقتطفات سعيدة)

3 رأي حول “السُّرورُ في مُزدَانة

أضف تعليق